حين تستحوذ العمامة على السلطة الدينية وتشارك في السلطة السياسية وتتحكم بمصير العراقيين

العبادي و ممثل المرجع السيستاني

 

نصير المهدي

المجرب لا يجرب، أي عبقرية تفتقت عن هذه العبارة العميقة المسؤولة المحيطة بكل شيء التي لا تضاهيها حتى النظرية النسبية لآينشتاين . 
دعوني أمضي الى الموضوع مباشرة وأقول بكل صراحة ووضوح هذه العبارة نفاق سياسي وديني واجتماعي وأخلاقي وإنساني بل هي دعوة مباشرة وصريحة لإهدار خمسة عشر عاما أخرى بما رافقها من تضحيات جسيمة في الأرواح ومعاناة لا توصف في الآلام وهدر لا يقدر في الأموال فتعالوا جربوا نوعا آخر من هذه البضاعة الفاسدة وأنتم وحظكم فعسى أن يظهر من المجربين الجدد من يكون عند مستوى حسن الظن به وبالطبع بعد أن نهب المجرب من أموال العراق ما يغنيه وأجيالا من أحفاده فضلا عن الامتيازات الرسمية التي ترهق إقتصاد العراق المهلهل والمترنح وهذه دعوة مباشرة أيضا لتوفير فرص نهب ولغف لجيل جديد من السياسيين . 
المرجعية سواء كانت تلعب الدور مباشرة أو أنها لعب بها ولعب من خلالها وباسمها بالعراق تتحمل المسؤولية الأولى والأكبر في تقديم الطبقة السياسية التي حملها الاحتلال الأميركي الى مواقع السلطة في العراق وتنفيذ الاتفاق الضمني الأميركي الإيراني في تقرير مصير العراق وفقا للقاء المصالح وتقاطعها وقد وقفت الطبقة السياسية الشيعية باعتبارها ذات الدور الحاسم على مساحة تقاطع المصالح هذه وقد جعلتها المرجعية وبدور مباشر تتألق في تنفيذ في تنفيذ ما خطط للعراق وقدمتها الى الناس ومهدت لهم الأرض وهيأت لهم كل وسائل الدعاية ووضعتهم على ظهر العراقيين الذين يراجعون اليوم ما جنوا وما حصدوا بعد هذه السنوات الخمس عشر العجاف . 
ماذا تعني المجرب لا يجرب؟ هل هو إعتراف بالخطأ بل الخطيئة التي إرتكبت بحق العراقيين وقطعت عليهم طريق الاختيار الحر المباشر حيث العملية الانتخابية تقوم على أساسين أولهما أن لكل فرد صوت واحد وأن هذا الفرد عاقل راشد قادر على الاختيار فقامت المرجعية " واستخدم الكلمة مجازا لدلالتها السياسية والإجتماعية الشائعة " بتشكيل لجنتها الخاصة برئاسة واحد من أعمدة الفساد اللاحقة وبإشراف مباشر من محمد رضا السيستاني لتختار هذه الطبقة السياسية الشيعية ولم تكلف نفسها حتى التشاور مع الوجوه والنخب الاجتماعية والسياسية والدينية وغيرها في المدن الشيعية ثم استخدمت نفوذها الديني فساقت العراقيين قطيعا الى إنتخاب قائمة مغلقة لا يعرفون أحدا من رجالها وصيرتهم قادة على الشيعة ثم على العراقيين كافة وسوقت طبقة سياسية تم إختيارها وإعدادها خارج العراق لتأدية الدور المطلوب في تدميره وتخريبه . 
وإن كان المجرب لا يجرب تنطبق على السياسي فهي أيضا تنطبق على رجل الدين من أصغر دور ومنزلة الى اعلاها خاصة وأن هذه التجرية المريرة التي مر بها العراق وهي متميزة لا مثيل لها في التاريخ والجغرافيا مثلما كانت امتحانا للسياسيين فقد أسقطت أقنعة رجال الدين الذين تنافسوا مع الفئة الأولى في النهب والاستحواذ وصاروا شركاء في الفساد وإن وجدت استثناءات نادرة فربما لأن فرصة لم توآتيها أو على أية حال هذه الحالات الشاذة عن الوضع العام هي من الاستثناءات التي تصاحب كل قاعدة وإن كانت المرجعية تنفض يديها مما فعلت بالعراقيين بالدعوة الى منح الفرصة لرعيل جديد من الفاسدين كي يأخذوا دورهم في النهب المفتوح فمن يا ترى سيعين العراقيين على دفع طبقة رجال الدين الجاثمين على صدرهم وبأي قدرة ونفوذ .
لقد أسفرت التجربة العراقية منذ الاحتلال والى يومنا هذا عن حقيقة واضحة وهي أن فئة رجال الدين على إختلاف مستوياتها " والاستثناءات ليست مقياسا " حليف لصنف السياسيين والأغنياء الجدد الذين إنتفخت جيوبهم من نهب العراق فضلا عن طبقة الأغنياء عموما أما الفقراء فهم وقود الحروب والتضحيات والمفخخات فإذا انتفت الحاجة اليهم فلن يكونوا أكثر من جمهور يكثرون به المواكب والاستعراضات الدينية . 
وقد رأينا حالات كثيرة يستنجد فيها الأبطال الذين جرحوا في المعارك بالناس بحثا عن علاج أو دواء أو تقوم عوائلهم بطرح مشاكلها التي لا يهتم بها أحد بينما تنفق الملايين في إقامة المؤسسات الخدمية الطبية والتعليمية والترفيهية في خدمة من يدفع وتهدر أضعافها في بناء المراقد وتوسعة ما هو موجود منها حتى لو كانت قباب المراقد تلك تظلل اسما وهميا لا أثر له في التاريخ وبينما يفترض بالمؤسسة الدينية الاتجاه الى معالجة مشاكل الفقراء والمعوزين تتجه الى تحقيق نجاحات باهرة في مشاريع كثيرة ذات هدف ربحي تجاري من أموال الفقراء المسلمين وكل سبل الانفاق هذه غطاء لعمليات فاسدة واسعة .
تتضافر جهود الفئتين من الطبقة السياسية التي تستحوذ على كل أسباب الثراء في إستغلال الناس باختراع المزيد من الأضرحة الوهمية وزيادة المناسبات الدينية وشحن روحهم الطائفية عند الضرورة وتقديمهم قرابين للذبح في كل مكان بينما تغرق مناطقهم في العفن وأكوام الزبالة وتعاني شريحة واسعة ومتزايدة من ضنك العيش وإنعدام فرص العمل وزيادة حجم البطالة وإنعدام الخدمات وغياب السكن وغيرها من المشاكل الحياتية التي لا يفكر أي من طرفي الاستغلال المذهبي البشع في إيجاد أي حل لها بل ولا حتى التخفيف من قسوتها .
التغييب القمعي الصارم للعمل السياسي في عهد نظام آل المجيد والاضطهاد الطائفي المتعسف قاد الى ردة فعل شعبية استغلتها الطبقة المتسلطة اليوم بفرعيها المدني والديني لإحكام قبضتها على نفوس المواطنين وتوجهاتهم وتغييب وعيهم عبر خمسة عشر عاما والى يومنا هذا تستحوذ العمامة على السلطة الدينية وتشارك في السلطة السياسية وتتحكم بمصير العراقيين والمجرب الذي لا يجرب هو العملية السياسية التي أحالت العراق دمارا وخرابا فوق ما ورثت من دمار وخراب والمرجعية قد ساهمت في بناء هذه العملية السياسية وتسويقها وترسيخها والاستفادة منها أيضا .