المتصهينون العرب و اسم فلسطين

كاريكتير عن التطبيع

زياد العاني

في فرض قبول أمر غير مقبول شعبيا يتم تطبيقه بصفة تدريجية لتفادي هزة أو ثورة لو طبق القرار أو القرارات جملة واحدة، هي احدى استراتيجيات السيطرة والتحكم بالشعوب. فلضمان قبول ما لايمكن قبوله يكفي أن يتم تطبيقه تدريجيا على مدى عشر سنوات حيث سيتكيف الشعب مع وجوده ولن يشعر بحقيقة التحدي الذي يولده تطبيق هذا القرار.
مقتبس من كتاب " أسلحة صامتة لحروب هادئة - نعوم تشوميسكي ، 
—————————————————
تنطبق هذه المقولة على الكثير من القرارات الاقتصادية و الاجتماعية و حتى الثقافية. 
قبل يومين فتحت راديو سيارتي على إذاعة آلبي بي سي العربية و اذا بصوت نسائي مزعج من مصر العروبة يصرخ" انا مع اسرائيل... انا مع اسرائيل.....أنا مع إسرائيل في كل شيء" كان ذلك صوت احدى المشتركات من الجمهور في برنامج حواري حول الموقف العربي في حالة حصول مواجهة إيرانية - إسرائيلية في سوريا أو لبنان حيث سيكون المتضرر الاكبر هو الطرف العربي. و تقول هذه المتصهينة " اسرائيل هي صاحبة الحق دائما ضد ايران او ضد اي دولة عربية". الذي أزعجني أكثر هو التكرار عدة مرات في كل مرة تعيده ثلاث مرات او اكثر بنفس الطريقة الكريهة التي كرر فيها ترامب مقولته في مقابلته التلفزيونية خلال حملته الانتخابية عندما سأله مضيفه حول العراق فقال ( ساأخذ بترولهم ... سأأخذ بترولهم .... سأأخذ بترولهم).

بدأت ثقافة التطبيع والتصهين تتغلغل تدريجا في أوساط مجتمعاتنا العربية على مراحل : المرحلة الاولى بدأت منذ أربعين عاما بعد زيارة السادات و اتفاقية كامب ديفيد عندما بدأت دعوات التطبيع التي قاومها الشعب المصري و المنظمات الجماهيرية وانتهت باغتيال السادات و بعدها جاءت اتفاقية أوسلو ووادي عربة و تبادل الزيارات و التي بقيت محدودة ضمن وفود رسمية أر دنية ومصرية ضمن مؤتمرات إقليمية حول بعض القضايا الإقليمية كالمياه و البيئة و غيرها. في هذه المرحلة التي بدأت بعد التحولات الهامة على الصعيد الإقليمي متمثلا بكارثة غزو الكويت وخروج العراق من معادلة الصراع العربي الاسرائيلي، و على الصعيد العالمي متمثلا بانهيار الاتحاد السوفييتي و المنظومة الاشتراكية و فقدان العرب لحليف قوي يعادل حليف اسرائيل الامريكي. ومع ذلك كانت إسرائيل تستجدي التطبيع من خلال اغراء النفوس الضعيفة من الكتاب المرتزقة و اْبواق اليمين الرجعي وصناع القرار و بعض التجار و اصحاب الشركات و حتى الأكاديميين من اساتذة الجامعات و الباحثين.
المرحلة الثالثة بدأت بعد غزو العراق واستمرت الى يومنا هذا و بدأنا نسمع بزيارات شبه علنية و مصافحات بين بعض المسؤولين خلال اللقاءات الدولية وتبادل وفودخرجت عن الاطر الدبلوماسية فكانت هناك وفود سياحية و تجارية الى مصر و الاْردن و المغرب وشمال العراق و بدانا نشاهد اسم شركة العال للطيران على شاشات مواعيد الطيران في مطارات عمان و القاهرة في حين كنّا و نحن طلاب في بريطانيا في أواخر السبعينيات نبتعد عن محلات ماركس سبنسر بسبب دعم اصحاب تلك المحلات لاسرائيل وكان من يشاهد هناك خارجا منها يخجل عندما يرى احد أصدقائه فيبتعد مسرعا لتفادي الاحراج. 
زادت كثافة هذه النشاطات التطبيعية بالتزامن مع ماسمي بالربيع العربي التي أججتها و ساندتها اسرائيل و أمريكا بكل قوة. 
نحن الآن في نهاية المرحلة الثالثة التي شهدت،منذ تولي ترامب الرئاسة الامريكية تسارعا في وتيرتها لم تشهد له مثيلا، ففي الْيَوم الواحد تسمع أو تقرأثلاثة أو أربعة اخبار مختلفة عن زيارات و تصريحات على القنوات الفضائية لمسؤولين كبار عن ضرورة التعايش و السلام و ما سيجلبه من استقرار ورفاهية اقتصادية، كما حصل مؤخرا من ادعاء المسؤولين المصريين عن العوائد الاقتصادية التي ستجلبها صفقة الغاز مع اسرائيل و التي اعتبرها نتنياهو أهم نصر لإسرائيل بعد اتفاقية السلام؛ و لقاءات علنية وصور تنشر على مواقع التواصل الاجتماعي و تجار اماراتيون و عراقيون و اسرائيليون يشتركون في صفقات بيع اثار تاريخية مسروقة من المتحف العراقي الى أمريكا و اسرائيل بمساعدة سياسيين عراقيين فاسدين، وزيارات فنانين لمعارض إسرائيلية ووفد شعبي من مملكة البحرينن العظمى يزور القدس بعد اعتراف ترامب بها عاصمة لإسرائيل ، ووزير اسرائيلي يبحث مع مسؤولين سعوديين إحياء طريق الحجاز للسكة الحديد و ربطه بميناء حيفا ووزير خارجية يقول نحن بانتظار معاهدة السلام الامريكية بين الفلسطينيين و اسرائيل " صفقة القرن" كي تفتح السفارات و يتم التطبيع النهائي بين السعودية وعدوها العاقل على حد تعبير أحمد عًشقي و تلى ذلك مرور طائرات دول اخرى في اجواء السعودية و هي في طريقها الى اسرائيل، أي أننا أصبحنا على أبواب المرحلة الرابعة التي دخلت فعلا من خلال كتابات و تعليقات بعض الصحفيين و الاعلاميين امثال عبد الله الهدلق و فؤاد الهاشم وأحمد الجار الله و تركي الحمد و توفيق عكاشة و عبد الله الهدلق الذي يقول " لايوجد شعب اسمه فلسطين" و غيرهم من كتاب و اْبواق السلاطين الذين لم يخجلوا من إعطاء الحق لإسرائيل في ارضها التأريخية و اصبح الاجهار بهذا التصهين عبر وسائل الاعلام و من خلال برامج الراديو و الفضائيات شيئا عاديا لا يخجل منه أصحابها كما هو ذلك الصوت النشاز عبر إذاعة البي بي سي و ربما خلال فترة قصيرة سنسمع الكثير من مثل هذه الحوارات على الإذاعات و القنوات الرسمية للانظمة العربية نفسها.
فلسطين مصدر ازعاج لهم لانها تذكرهم دائما بدونيتهم و خيانتهم