الانتخابات في العراق والحكومة القادمة بين واشنطن وطهران

نصير المهدي

السفير الأميركي " المندوب السامي " يزور مفوضية الانتخابات ثلاث مرات عشية " الانتخابات " ويبات ليلته فيها قبيل إعلان النتائج ثم يحدثونك عن خيار الشعب والديمقراطية و" الانتخابات " الحرة النزيهة .
مع هذا فإنه لا يمكن العبور على مؤشرات عميقة في الوضع السياسي العراقي الراهن .
عندما يطرح هذا السؤال الحائر والمحير : ما الحل وما العمل ؟ أقول بأن تغيير واقع ووضع معقد ومتشابك وعميق كما هو حال الكارثة العراقية فإن من الاستخفاف والتبسيط توقع معجزة تختصر الزمن وتأتي بالقطاف والأمر مرتبط بعدة عوامل داخلية وإقليمية ودولية وبالطبع فإن أول الخطوات هي التحرر من الاحتلال ونتائجه وتداعياته ولهذا فالتغيير يتطلب تراكما من المواقف والتطورات حتى تحين ساعة الخلاص والحال اليوم ليس هو كما كان قبل خمسة عشر عاما ولن يكون الغد كاليوم ومع أن الهدف بعيد المنال نسبيا ولكن الوصول اليه ليس مستحيلا وستحين ساعته حتما .
تبدلت بعض الوجوه وتغيرت حجوم القوى وأدوارها وانهارت توقعات وحسابات وقامت أخرى ولكن قواعد اللعبة وحدودها لم تتغير وعادت جميع الأطراف الى نقطة البداية حيث لا طريق سوى المحاصصة وتقاسم المغانم والأمر متوقع فقد تم تصميم العملية السياسية بحيث تنغلق أمام العراقيين كل أبواب التغيير وتكون الأطراف السياسية جميعها بحاجة الى بعضها البعض والكل في حاجة للدور الأميركي الذي يقرب المتخاصمين ويوفق بين مصالحهم وبالطبع فإن لإيران في الأثناء حصتها في العملية السياسية ودورها أيضا في الجمع بين رؤوس المتنافسين وحقا أتمنى لو أن تحالف الصدر والشيوعيين إستطاع أن يكسر الاحتكار القائم ليس من أجل أن نشهد تغييرا في أحوال العراق وأهله ولكن حتى يجرب العراقيون ما لم يجربوا بعد كي يغسلوا أيديهم من كل أمل في العملية السياسية التي بناها الاحتلال في العراق وحين ما كل ما يتمنى المرء يدركه فإن الاحتمال الأرجح أن تتحد الأطراف الثلاثة : الفتح والنصر والقانون وقد يلتحق الحكيم بحكمته بهذا التحالف على الأقل حتى لا يخسر الامتيازات التي يوفرها لأنصاره الاشتراك في الحكومة وسترشح أميركا العبادي لرئاسة الحكومة وتطرح إيران في المقابل خيارا بين المالكي والعامري فيصار الى مرشح وسط ومن أوساط حزب الدعوة وعندها فإن ملامح الوضع العراقي واضحة لا تحتاج الى بيان وتفصيل .
مما لا يمكن اغفاله أن مقاطعة واسعة شملت جميع المحافظات العراقية قد وضعت الطبقة السياسية امام وضع لا تحسد عليه وهذه المقاطعة أو قرار الامتناع عن المشاركة في عملية الانتخاب قد استطاع أن يغير من نتائج هذه العملية ويبدل مواقع أطرافها وقد خسرت بعض الأطراف هذا الحضور فعززت هذه الخسارة كفة أطراف منافسة وهذا كله مؤشر كبير لأمرين أولهما إختلاف المزاج الشعبي المرتبط بحالة الوعي بعد تجرية مريرة طويلة وهذا ما أنتج هذا الموقف الواسع والكبير حيث أن أكثر من نصف الناخبين في أقل التقديرات لم يشارك في العملية الانتخابية والثاني أن هذا الموقف العام والشامل كان مجموع ارادات فردية غير منظمة وسلبية أيضا اكتفت بالامتناع دون أن تعبر عن نفسها ولو بمحاولة تسجيل حضور أو السعي نحو تنظيم الظاهرة خاصة وأن الدعوات جاءت متأخرة وارتبطت بإعلان قوائم المرشحين ومن الواضح أن قائمة العبادي الذي كان تبنى عليه بعض الآمال في الإصلاح والتغيير عند الكثير من العراقيين خاصة غير المتحزبين خيبت آمالهم عندما تبين أنها إعادة تدوير لنفايات الفساد والمحاصصة وممثلي كل عوامل الفشل وأسباب الشكوى الشعبية فكان هذا الأمر معززا لتوجه الامتناع وإذ كان لهذا الامتناع مثل هذا الأثر الحاسم ترى ماذا يمكن أن يحقق العراقيين لو نهضت حركة شعبية تعاقب هذه الطبقة السياسية بمثل هذا الفعل بطريقة منظمة وذات أهداف محددة ومشروع وطني واضح وهذا ما نسميه بنضج العامل الداخلي في التغيير الذي يقدم رسالة واضحة لكل الأطراف المعنية بالشأن العراقي إقليميا ودوليا وليس من المستبعد مع تعاظم هذا الحراك أن يجبر هذه الأطراف على التسليم بحل وطني حقيقي للعراق يجعل العملية السياسية القائمة من ذكريات التاريخ البغيضة والمريرة .
لن تكون الفترة القادمة فترة تحول في الوضع العراقي وحتى لو تمت إزاحة الرهان على تحالف الثلاثة : المالكي والعبادي والعامري لمصلحة خيار آخر يقوده سائرون فإن الأمور لن تتغير بمقدار حقيقي يخلص العراق من براثن الاحتلال ونتائجه ويعيد رسم طريق البناء القائم على أساس المواطنة وسيادة القانون والمساواة والعدالة فعلى الأقل لن تسمح أميركا بمثل هذا التحول كما أن طبيعة العلاقة بين الصدر وأنصاره لن تتيح مثل هذا التغيير بل ستعزز الهيمنة الثيوقراطية للصدر الذي لم يستطع الانتقال من الطابع العائلي الأسري الاستحواذي في التعامل مع الزخم الجماهيري الفريد الذي توفر له الى العلاقة السياسية الواضحة والتي تعمل في الاتجاهين على قدر التكافؤ ومع أن الجمهور الصدري يسلم بالطبيعة الراهنة لتعاطي الصدر مع مريديه ولكن تشكيل هذا التحالف للحكومة سيكون امتحانا لوضع زعامة الصدر لأن أنصاره يبحثون عن حل لمشاكل كبيرة إجتماعية وإقتصادية وسياسية ولن تكفيهم وهو في السلطة الكلمات والعبارات التي لا تقدم ولا تؤخر وسيجد بعد حين أن تهديد الناس بتهمة الخروج على آل الصدر لن تجد من يقبضها بجدية أو يخشاها .
وفي الأثناء لا يعول على الشيوعيين ممارسة ضغط جاد على الحليف الصدري باتجاه إحداث تغيير حقيقي في الواقع العراقي ذلك أن الحزب الشيوعي كما هو دأبه التاريخي سيحرص على المضي في المشاركة في السلطة التي يعتبرها إنجازا كبيرا يحرص على عدم التفريط به فضلا عن أن الحزب كان وما يزال طرفا فاعلا ومخلصا أيضا في العملية السياسية القائمة ويحرص على دوامها واستمرارها وخلافاته التي طرأت أثناء التجربة السابقة كانت خلافات حول الأشخاص لا البرامج ولا يخفى أن العداء للمالكي كان أحد العوامل الحاسمة في تحالف الشيوعيين مع الصدر .
أيا كان الطرف " تحالف لا طرف منفردا " الذي سيحظى بنيل هذه الحظوة مع ترجيح الخيار الأول فإن الأوضاع في العراق لن تتبدل كثيرا وستكون مهمة الحكومة القادمة إنجاز صفحة رهن الاقتصاد العراقي بعد أن جرى تدميره المنظم في الحقبة الماضية وتطبيق توصيات الجهات الدولية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي في تحويل الاقتصاد العراقي الى اقتصاد استهلاكي تابع مثقل بالديون ودفعه نحو الخصخصة التامة بعد أن تولت حكومات السنوات المنصرمة إنجاز الأغراض الأمنية والعسكرية والسياسية في مخططات الاحتلال ولهذا سيصدم الناس كثيرا بخيبة أمل من إمكانات التغيير مع أن حملة المقاطعة أثبتت بأنها وسيلة ناجعة لفعل شعبي حقيقي وقد تصنع المعجزات وتعجل بالخلاص لو تحولت منذ لحظة تشكيل الحكومة القادمة الى فعل منظم ذي أهداف محددة وآليات تجمع الناس حولها لتثبت بأن طاقة الشعوب لا تقيد بأغلال مهما كانت ثقيلة ومحكمة الا الى حين .