القنابل الانشطارية الثلاث نقطتان رئيسيتان ساهمت بتعميق التخلّف في منطقتنا

رعد اطياف

غياب الدولة، والتخلف الاجتماعي. ثمّ مالبثت تلك النقطتان بالانشطار على شكل عناصر مكوّنة لبنية التخلف: المكوّن القبلي، المكوّن المذهبي، والمكوّن الغربي المهيمن، ذلك إن غياب الدولة يسهم في تنامي الفوضى وظهور الهويات الفرعية كبديل عن الدولة. فالعلاقة طردية، ما إن تغيب المؤسسات يلتجأ الناس للارتماء في أحضان هوياتهم الفرعية، فضلا عن اتساع الهوّة الداخلية وقابليتها على تقبّل الهيمنة الخارجية لأنها لا تتمتع بالحصانة الكافية، فالعالم صراع للأقوياء في نهاية المطاف. وبهذا الحال تتبرعم هذه المكوّنات الثلاثة وتضرب بجذورها عميقاً في البيئة المحلية. وبما أن الحال على ماهو عليه، فسوف تحظى هذه المكوّنات بشعبية كبيرة!؛ فلكلٍ منها جمهور ومريدون وعساكر!؛ معسكر القبيلة، معسكر المذهب، ومعسكر المهيمن الغربي، وفي نهاية المطاف تتشكّل بنية راسخة في ثقافتنا يصعب معها إيجاد حلول واقعية. وللقبيلة جذورها في المجتمع العراقي، إذ يتفاخر الناس كثيراً بألقابهم العشائرية، وإن كانت الألقاب ليست مشكلة عموماً، غير أنّ الأمر لا ينحصر بالألقاب بل يتعداها ليشكّل عقيدة اجتماعية مقاوِمة لكل إشكال التغيير. وتمسّك الفرد بعشيرته - ربما - يتفوّق على الانتماءات المذهبية، ذلك إن الفرد المتدين في النزاعات العشائرية يترك الدولة والمذهب ويضربهما عرض الحائط ويطالب "أعمامه" باتخاذ التدابير اللازمة!. ولهذه اللحظة لم يتّخذ أصحاب الشأن - إن وجدوا!- التدابير اللازمة للنزاعات العشائرية، وكأنها أذعنت بتوزيع السلطات بين مؤسسات الدولة والقبيلة!. فالقيم العشائرية لا تعلوها أي قيمة ومعظمنا يستمد قيمه الاجتماعية بشكل عام من تراث "الأعمام" و"الأخوال". لذا يصعب جداً على المؤسسة الأمنية التدخل في النزاعات العشائرية الكبرى خوفاً على نفسها من المساءلة العشائرية!. ذكرت المذهب ولم أذكر الدين، ذلك إن الدين لايقف عائقاً أما التقدم مالم يجد مؤسسة مذهبية تحدد أفكار الآخرين وتكفرهم فيما لو خرجوا عن محددات الدين التي فهمها هذا المذهب أو ذاك. ونحن نعلم مامن مؤسسة فقهية تحكم بالإسلام بماهو إسلام، بقدر ما تضفي عليه فهمها واجتهادها وميولها المذهبية. لذا يندر وجود دراسات فقهية مٌقارَنَة في هذه المؤسسات المذهبية باستثناء تجارب شخصية لم يكتب لها النجاح. نعم، ستكون المؤسسة عامل تقدم في نقطتين: حينما تكون الدولة هي الحاكم وليس المحكوم، وحينما تكون المؤسسة المذهبية محايدة فيما يتعلّق بسن القوانين، فللدولة شؤونها، وللمذهب شؤونه العبادية والطقسية والروحية، يمارسها بحريّة في الفضاء العام. ويمكن للاثنين أن يتعاونا على سن القوانين التي ترسّخ فكرة العدالة الاجتماعية، من خلال عقد ندوات بين الفقهاء وخبراء القانون، لكي يصب في نهاية المطاف لبناء الدولة ومؤسساتها القانونية. فمن هذه الناحية سيكون النص الفقهي أحد روافد الدولة شريطة الابتعاد عن إلغاء الآخرين. فليس بالضرورة أن تكون دولتنا على غرار الدولة اليهودية المتعصبة!، وإنما دولة حياد، لا تقصي الدين، ولا تشرعن للأصولية الدينية، بل دولة عمادها المواطنة وحقوق الإنسان. لقد نجحت تركيا وماليزيا في البناء كونهما لم يصطدما بمؤسسة مذهبية مؤثرة في بلدانهم، ونجحت إيران في الحفاظ على مؤسسات الدولة لأنها استفادت من أرثها الحضاري، واعتبرت الإسلام أحد موروثاتها بالتأكيد، وإن كان الدين تحوّل إلى دولة وبديمقراطية منقوصة، حسب تعريف الديمقراطية المتعارف، إلّا أن إيران بشهادة العدو والصديق دولة قوية ومتماسكة سواء اتفقنا أم اختلفنا على شكلها، فالإيرانيون هم من يحددون شكل الحكم في نهاية المطاف. ويمكننا لعب هذا الدور الإيجابي، بدلاً من المتاجرة بالدين وعسكرته، ليتحوّل إلى أيدلوجيا قوامها الإقصاء ونبذ الآخر، وإن كنت أحلم فيما يبدو!، لكن لا بأس من المحاولة فهي أشرف من السكوت. أما المهيمين الغربي، فاقتضت" حكمته" البراغماتية، أن يحيل شعوبنا إلى خراب مابعده خراب؛ فإذا اقتضت مصالحه في بناء بعض النماذج الآسيوية( دون أن ننكر حكمة هذه الشعوب ودورها العظيم) ضمن سياق ميزان القوّة في العالم، ولكي لا تزحف بعض الدول الآسيوية للاتحاد السوفيتي حينذاك وكسبها ضمن المعسكر الأميركي. لكن يبدو أن هذه " الحكمة" اقتضت في منطقتنا العربية أن يحيلها إلى خراب، فالويل لمن تسوّل له نفسه أن يبرهن للعالم أنه قادر على بناء الديمقراطية. هنالك نموذج واحد لابد أن ينجح وهو " إسرائيل"، ولابد أن تبقى الشعوب العربية غارقة في تخلفها و" وهمجيتها" لكي لا يتهاوى النموذج " الديمقراطي" الإسرائيلي، فأمنهم القومي عابر للحدود، وحدودهم الوطن العربي من شماله إلى جنوبه. النموذج الذي تقدمه لنا السياسة الغربية المهيمنة هو الموت والحروب الطائفية فقط. وهم يستثمرون المليارات لا من اجل بناء، وإنما لتدمير ما يمكن تدميره في الوطن العربي، ويبدو أنهم نادمون على الدول التي أسسها الاستعمار، لذا يسعون بقوة لتفتيت هذه الدول وإحالتها إلى أقطار طائفية متناحرة. ستبقى هذه العناصر الثلاثة لحم التخلف وسداه، والبنية التي تنخر سياقنا الثقافي المغضوب عليه، فتجربتنا السياسية خير شاهد على هيمنة هذه البنية وفاعليتها في تكوين وعينا الجمعي الذي يعكس بدوره وينجب نخبنا السياسية (لقد رأينهم كيف وظفوا المذهب والقبيلة وقوة المهيمن الغربي في عمليتهم السياسية بشكل مُتقن!). فمن يركز على عنصر دون آخر فقد فاته الكثير من فهم أسس التخلف في منقطتنا، وبرأيي المتواضع؛ ما إن نضع هذه العناصر الثلاث أدوات تحليلٍ كاشفة ستفضي بنا نحو وضع الحلول اللازمة لبناء دولة مؤسسات رصينة تحكمها قوة القانون لا قانون القوة.