عن أكذوبة "النقد البناء" وماهية "النقد العدمي"

علاء اللامي*

 

 عبّرتُ قبل عدة أعوام عن قناعتي بعدم صحة وعدم وجود ما يسمى نقدا بناء وآخر هداما. واليوم يقدم الواقع العراقي أدلة قوية على الصحة النسبية والمشروطة لهذه القناعة. إن "النقد البناء" أكذوبة إنشائية وذات مقاصد تبريرية غالبا، يقصد بها شيء آخر لا علاقة له بالنقد... النقد هو النقد، أي أنه الكشف والفضح والهجاء والتفكيك والتحليل لما نراه سيئا وسلبيا ورجعيا.

وحين نسأل عن المقصود بـ"النقد البناء" يقال لنا غالبا: إنه النقد الذي يراد به (البناء والتصحيح) بعكس النقد الهدام أو النقد العدمي (للنقد العدمي مفهوم ومعنى آخر سأتوقف عنده بعد قليل). وهذا "التعريف" لا يعرف ماهية النقد بحد ذاته وبطبيعة جوهره بل يعرفه من حيث هدفه والغرض منه. وبما أن النقد شيء والهدف منه شيء آخر، فهذا يعني أن التعريف خاطئ أو في الأقل بعيد عن ماهية المعرَّف. أما القول إنَّ "النقد البناء" هو النقد الهادئ البعيد عن العصبية والدوافع الذاتية فهو ليس تعريفاً بل محاولة وصفية لتليين النقد وجعله أكثر تساهلا ليكون نوعاً من العتاب والمجاملة "بين الحبايب" وبما يفرغه من محتواه ومعناه النقدي، أي أن هذا التعريف لا يتعلق أيضا بالنقد بل بحالة الشخص الناقد النفسية وهذا موضوع آخر تماما.

أما النقد العدمي فهو نقد مطلق وشامل وتام في جوهره للحدث أو الشيء أو الشخص أو الأشخاص أو الظاهرة المنقودة بعد قطعها عن سياقها الفعلي والتاريخي والاجتماعي، أي هو نقد بالاسم فقط ولكنه من حيث الجوهر شطب وإلغاء للظاهرة المنقودة بكليتها وشبكة علاقاتها الداخلية والخارجية. سأطرح مثالين على النقد العدمي: ثمة نقد يوجه إلى الحزب الشيوعي العراقي ويقول إن هذا الحزب سيء وسلبي وخاطئ جملة وتفصيلا ومن العبث الرد عليه أو انتظار تغييرا إيجابيا فيه. ولا فائدة حتى من نقده أو رصد ما يحدث فيه ويصدر عنه فلا جدوى من ذلك أي أنه عبارة عن "جثة ميتة".

*هذا النقد ميت أصلا ومنطلقا لأنه لا تاريخي، ولا يفرق بين هذا الحزب -الذي هو شاء الناقد أو أبى ظاهرة سياسية واجتماعية عريقة ومهمة، له ماضيه المجيد وأخطاؤه وسلبياته مقابل مآثره ومواقفه وسياساته الصحيحة، وله حاضره السلبي عموما. وله قاعدته وكوادره الوسطية مثلما له قيادته الحالية السيئة المهيمنة عليه، فهل يجوز لنا بعد ذلك أن نشطب على كل شيء، الماضي والحاضر والمستقبل، والقاعدة والقيادة، والكوادر الوسيطة لهذا الحزب بجرة قلم؟ أعتقد أن هذا النقد العدمي نقيض للنقد الآخر ولنسمه النقد فقط، أو إذا شئنا وصف ماهيته نقول: النقد الموضوعي أو التاريخي لأنه ينقد الظاهرة أو الحادثة المحددة في مناخها التاريخي وعلى أرضها الموضوعية بربطها بشبكة علاقاتها الداخلية والخارجية.

المثال الثاني، هو حول ما أسميه في كتاباتي "نظام المحاصصة الطائفية والعملية السياسية الأميركية" في العراق. النقد العدمي يشطب أيضا على هذا النظام والظاهرة كلها ويرفض رفضا باتا حتى رصدها وتحليلها وقراءة تجلياتها على أرض الواقع ويرفض الاعتراف بوجود أي نقطة إيجابية وقابلة للبناء عليها فيها وفي دستورها ومؤسساتها وزعمائها وقادتها ويطالب بدلا من ذلك بالعودة الى ما يسمونه المربع الأول أو نقطة الصفر...الخ. أما النقد الموضوعي أو التاريخي فهو وإن كان يرفض هذه الظاهرة النظام ولا يعول عليها ويرى من المستحيل إصلاحها من داخلها بأدواتها وأشخاصها ومؤسساتها نفسها ولكنه لا يهمل مراقبة ورصد سياقاتها وحالتها الواقعية احتمالات انهيارها من داخلها والقوى المستعدة للانشقاق عليها ومحاولة إصلاحها بطريقة جذرية تمردية طالما أن البديل الوطني والقادر على قلبها غير موجود -برنامجا وجسدا تنظيميا- في الساحة العراقية. ولكن هل يعني ذلك مثلا خلو الدستور العراقي الحالي من أية نقاط ومواد إيجابية؟ يرد النقد العدمي بلى هو خال منها مطلقا ويجب كتابة دستور جديد تماما، أما كاتب السطور فيرى فيه الكثير من النقاط والمواد الإيجابية بل أن هذه المواد أكثر من المواد السيئة والمكوناتية والرجعية والتي يجب تعديلها ولذلك طالب دائما بإعادة كتابة هذا الدستور وعدم الشطب عليه بالكامل.

ويحضرني هنا أيضا حدث الاعتصام البرلماني في نيسان 2016 في هذا المثال فأصحاب النقد العدمي شطبوا على الحدث منذ بداياته الأولى واعتبروه مؤامرة من المالكي ضد الجبوري وغسلوا أيديهم منه، وحتى حين نجح الاعتصام بالإطاحة بالجبوري وتوجه لاستهداف الرئاستين الأخريين ظل العدميون على رأيهم ونقدهم. سيقال هنا، لقد فشل ذلك الاعتصام وهذا يثبت صحة نقد العدميين وهذا غير صحيح فهؤلاء خارج الحدث هم ونقدهم، سواء نجح الاعتصام وتسبب في انهيار النظام أو لم ينجح. ثم أن المعاني وصحتها لا تقاس أو تستنبط من احتمالية الوجهين "لو طرة لو كتبة" لأن من يقول (لقد فشل الاعتصام وهذا دليل على صحة نقدنا)، يمكن أن يرد عليه بالقول: الاعتصام كاد ينجح وحقق هدفه الأول ولولا النقد العدمي والمواقف العدمية والذاتية لبعض القوى داخله وخارجه لنجح نجاحا كبيرا وتسبب في انهيار وتغيير نظام الحكم؟

زبدة الزبدة: إن نقد الظاهرة أو الشخص أو الحدث إما أن يكون نقدا تاريخيا وموضوعيا يأخذ المنقود بكليته، أعني بكل محتوياته وبشبكة علاقاته الداخلية والخارجية وبماضيه وحاضره وإما لا يكون، لأنه - دون ذلك - لن يكون نقدا بل أحكام سلبية مسبقة وجاهزة للتكرار بمناسبة وبدونها.

ورحم الله الإمام الشافعي فهو القائل: رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي مخالفي خطأ يحتمل الصواب.

*كاتب عراقي