الانتخابات العراقية: فرصة الانتقال لسياسات مابعد-الطائفية

د.حارث حسن

يبدو لي ان الرابح الأول في الانتخابات الأخيرة في العراق هو نزعة الامتناع عن التصويت، ولكنها نزعة لا ينفرد بها العراق بل شهدناها في الانتخابات المحلية التونسية الأخيرة (نسبة التصويت بلغت ٣٣.٧٪) والانتخابات العامة اللبنانية (٤٧٪)، وهذه هي البلدان الثلاثة الوحيدة في المنطقة العربية التي تشهد انتخابات تنافسية و“حرة” نسبياً. هنالك عدة أسباب للامتناع، في مقدمتها -عراقياً- انغلاق العملية الانتخابية على مجموعة من القوى والشبكات القادرة على اعادة انتاج سلطتها عبر تقنيات الانتخابات والتنظيم المتفوق والامكانيات المالية، فضلاً عن نفوذها في داخل الكيانات القانونية والمؤسسية التي تمارس الاشراف المباشر او غير المباشر على العملية الانتخابية (مفوضية الانتخابات، هيئة المساءلة والعدالة، المؤسسة القضائية، وسائل الاعلام، المؤسسات العسكرية والأمنية، الرسمية وغير الرسمية وشبه الرسمية).

لا يعني ذلك ان الانتخابات لم تفض الى تغيير (كما يجادل دعاة المقاطعة)، لكن التغيير الذي تسمح به الانتخابات لا يتلاءم مع مستوى ودرجة التغيير التي يتوقعها اولئك الذين يقاطعون أو يمتنعون كنوع من ممارسة الاحتجاج على النظام. وفي الحقيقة انه حتى الانتخابات في الديمقراطيات الراسخة نادراً ما تفضي الى تغييرات جذرية، ببساطة لأن القوى الحزبية الكبرى قد تمأسست بمرور الوقت واستوعبت معظم ديناميات الحراك الاجتماعي- السياسي، بينما استقرت المؤسسات في عملها على قواعد مستقلة عن تلك الاحزاب، واصبح نطاق ما يتأثر بتغير الحزب الحاكم محدوداً، وللأمر علاقة ايضا بوجود قبول وشرعية عامة للنظام تجعل غالبية المصوتين غير راغبين بتغييرات جذرية، وهذه الحالة بدأت تتزعزع في السنوات الأخيرة مع ضيق مساحة السياسات الوسطية واتساع وهجوم الهامش، أحياناُ معبراً عنه بالخطابات الشعبوية الصاعدة في بعض بلدان اوربا والولايات المتحدة. أما في بلد كالعراق، فان معادلة المركز والهامش لم تستقر بعد، وهنالك نزعة شعبوية تكبحها الانقسامات الافقية من جهة، ووجود مساحة محدودة للتأثير في مخرجات الانتخابات، ومن ثم مجريات العملية السياسية، وهذه المساحة هي التي مازالت تبقي على شيء من الأمل بقدرة النظام على الانفتاح وتجديد شرعيته، وسيكون الصراع بين القوى المقاومة لذلك الانفتاح على المطالب الاجتماعية المتنامية وعلى مزيد من تقاسم السلطة والموارد مع شرائح صاعدة، والقوى المطالبة به هو محور التنافس في المرحلة المقبلة.

ولهذا السبب، فان الميل الى دعم تحالف بين ائتلاف الصدر وائتلاف العبادي يعكس رغبة في رؤية مثل هذا التحالف باعتباره الممر السياسي المعقول نحو توسيع شرعية النظام بكسر احتكار الأحزاب المهيمنة عليه (ولو نسبياً) والانتقال من التحشيد السياسي المتمركز على الهوية الى التحشيد على اساس الحاجات الاجتماعية-الاقتصادية، لكن المشكلة هنا هي ان هذه الدينامية لم تنتج بعد تحالفاً عابراً للهويات الطائفية والاثنية، بل انها الى حد كبير تعكس التنافسات الشيعية- الشيعية التي عمقها شعور عام بتراجع مستوى التهديد الذي تمثله “الجماعة الاخرى”. بينما يبدو التفكك داخل الطبقة السياسية السنية مرتبطاً الى حدً كبير بالولاءات المحلية والتنافس بين شبكات المحسوبية، مع انتعاش ميل جنيني في الارتباط بالمركز كناظم للعلاقات المناطقية والمحلية ومعوض عن تفكك منظومات السلطة الاخرى. الشيء الايجابي هنا، هو تراجع عمليات صناعة جماعة سنية متمايزة، او اختراع ما اسميته في مقالة سابقة بـ“طائفة سنية” لا وجود لها، ولا يمكن فصل هذا التراجع عن الدينامية الشيعية-الشيعية الجديدة التي تبشر بامكانية الخروج من السياسات المتمركزة حول الطائفة الى سياسات متمركزة حول الرؤية السياسية عن وظيفة الدولة (تمثيل الطوائف ام ادارة الحاجات الاجتماعية)، ومعنى المجتمع (مجموعة مكونات ثقافية ام تكونيات معقدة من العلاقات والهويات والطبقات المتعددة)، كما لا يمكن التقليل هنا من أهمية البيئة السايكولوجية التي خلقها تحرير المناطق التي سيطر عليها تنظيم داعش، والبيئة السياسية المتمثلة بالتحول في السياسات الخليجية -وتحديداً السعودية- تجاه العراق.

هذا الاستقطاب الذي ربما جسدته الانتخابات بقدر ما، هو ما اسميته في مقالة سابقة (بالانكليزية) بفرصة الانتقال الى السياسات مابعد- الطائفية، ولكنني مازلت على رأيي بأنها فرصة محدودة وقابلة للتراجع، بحسب الخيارات التي سيتم اتخاذها من قبل الفاعلين السياسيين، وتأثيرات البيئة الاقليمية. المفارقة هنا، هي ان هذه الانتخابات بقدر ما عبرت عن تراجع في شرعية النظام، فانها قدمت فرصة لتجديد تلك الشرعية، او لنقل بالسماح بالتخفيف عن مشاعر الرفض ونزعة الامتناع كمقدمة لاصلاح ضروري لعملية تجديد لشرعية. أخيراً، فان هذه “الفرصة” تواجه تحدياً ليس فقط من القوى التي تقاوم التغيير داخل النظام، بل وايضاً من الامال المبالغ بها في قدرة اي شكل جديد من الترتيبات السياسية والحكومية على التعامل مع الواقع الصعب في العراق، وغياب الرؤية المتجاوزة للكليشيهيات المبسطة حول امكانية معالجة هذا الواقع.

عن "العالم الجديد"