هل سنشهد تغييرا حقيقيا ؟!

عارف معروف

لاتمثل قوى واحزاب وشخصيات العملية السياسية ، على اختلافها الظاهر ، مصالح اجتماعية متعارضة ، ولا تنطلق عن برامج طبقية حقيقية ، ولذلك فانها ليست سوى تنافس فئوي وشخصي ضمن الاطار الاجتماعي نفسه ، محكوم بأسسه وآفاقه . ويلعب العامل الخارجي ، الإقليمي والعالمي والمصالح الشخصية والفئوية ، دورا أساسيا في تحديد مساره وصراعاته ، فما هو الاختلاف الحقيقي والجدي بين اياد علاوي واسامة النجيفي وخميس الخنجر وقائمتيهم " الوطنية " او " القرار " من جهة ونوري المالكي او حيدر العبادي او هادي العامري وقوائمهم " دولة القانون " او " النصر " او " الفتح " ؟ 
انك يمكن ان تشير بوضوح الى ان هذا الرجل او اولئك يمثل او يمثلون الرؤية او البرنامج الأمريكي المطلوب ، وان ذاك يمثل حضور الاتراك وهذا سعودي الهوى والغايات والتمويل في حين يمثل أولئك النفوذ الإيراني ويرتبطون برؤيته في العراق وان وأن ...الخ مما بات أوضح واسطع من أية مداراة او تعمية ...، لكنك لا تستطيع ان تميز بين أيا منهم على أساس الغايات الاجتماعية المطلوبة والبرنامج الاقتصادي المحدد ، ولا تمدك الخبرة والتجربة الماضية وطوال سنوات العملية السياسية بأية شواهد عن مواقف وصراعات ذات أساس او بعد اجتماعي او حتى مطلبي خاضها أي منهم خلال الدورات الانتخابية السابقة .
هل يختلف الأمر كثيرا بالنسبة ل" سائرون " ، وماذا بالنسبة للتيار الصدري الذي يمثل كتلتها الأساسية ؟ الاّ يمثل خروجا عن هذا التعميم ؟ الا تعني قاعدته الجماهيرية الواسعة ارتباطا بالمصالح الاجتماعية الحيوية للطبقات الفقيرة كما يبدو وبالتالي فانه يجب او يمكن ان يمثل بعدا اجتماعيا ومصلحة اجتماعية مغايرة يمكن ان تكون اساسا لصراع جدي مثمر قد ينتج عنه تغيير اجتماعي ؟ 
في الواقع ان وجود قاعدة شعبية واسعة من الطبقات المسحوقة لا ينتج ، تلقائيا ، وعيا طبقيا مغايرا ، ولا ينعكس، اوتوماتيكيا ، في برنامج اجتماعي واقتصادي يمثل مصالح او مطامح هذه الطبقات بالضرورة ، وانما يحتاج هذا الامر الى قناعة وتوعيةوتثقيف وتعبئة ، بعيدة كل البعد عن تثقيف وممارسة التيار الصدري التي تجري في مسارات أخرى مختلفة .ولذلك فأن واقع الكتلة الشعبية الشابة الكبيرة التي يستند اليها لا تغير من محتوى العملية السياسية وصراعاتها الموصوفة ، شيئا . لقد مثل التيار طوال سني العملية السياسية ثقلا مؤثرا فيها ، ولكن لم يشهد الناس الذين يمثلون حاضنته الاجتماعية من الفقراء أي تحسن جدي في حياتهم اليومية وفق تشريعات او قرارات ذات محتوى اجتماعي مهم ، نشط التيار من اجل بلورتها وإقرارها ، يمكن ان تنعكس عليهم وتمثل مكاسب لهم ، بل خسر الناس في الشعلة والثورة ( مدينة الصدر ) واحزمة الفقر في بغداد والمحافظات الجنوبية ، العلاج المجاني الجدي والتعليم المجاني الحقيقي والنقل العام المنظم والرخيص والبنية التحتية المعقولة وغيرها ، شأنهم شأن كل العراقيين ، ولم يكسبوا الاّ رواتب تعطى باليد اليمنى لتأخذ باليد اليسرى وعشوائيات امتدت بلا حدود ولا يمكن ان تمثل سكنا لائقا وصحيا ، وان تحقق تغيير مادي ملموس في حياة البعض منهم فلا يرجع الى مكسب اجتماعي وانما الى نشاط او مكسب فردي !
يبدو البعض مغرقا في التفاؤل او الوهم او الايهام حينما يعلن ان الطابع الطائفي او القومي او المناطقي او الشخصي للتنافس والصراعات قد انحسر لصالح الوطني والاجتماعي ، في الدورة الحالية ، وان تصدر قائمة " سائرون " ، مثلا ، واحد من اهم السمات او الأدلة على صحة هذا الرأي ، لكن هذا رأي او اعلان يكذبه الواقع وتفنده حقيقية اننا إزاء القوى نفسها والغايات ذاتها ، صحيح ان حدة الخطاب الطائفي قد خفت بعض الشيء والتناحر الدموي قد اضمحل لكن الأساس مايزال باقيا ويمكن استعادته واعادته الى الواجهة في أي وقت .
لقد دعت السفارة الامريكية الى تشكيل حكومة " شاملة " ، أي حكومة وحدة وطنية ، وهذا تعبير موارب عن الدعوة الى الإبقاء على المحاصصة المكوناتية والسياسية واشراك الجميع في الحكومة على أساس موازين القوى والنسب نفسها تقريبا .
فيما ما تزال " سائرون " التي وعدت بتجاوز الطائفي والاثني الى الوطني والاجتماعي عبر الالتزام ببرنامجها المعلن وعقد التحالفات على أساسه ، تدور ضمن منطق الحكومة " الأبوية الشاملة " والتحاصص نفسه ، فاستبعاد " الفتح " او " دولة القانون " فقط لا يعني اننا انهينا المحاصصة الطائفية او الاثنية وانما يعني اننا نسير بقوة ووضوح في ركاب الاستقطاب الإقليمي وانعكاساته الداخلية ، أي انني لم نخرج عن ارتباط الكتل وتحركها بدفع من الصراعات السياسية الإقليمية لا المصالح الاجتماعية الداخلية .
يدعو السيد الصدر الى حكومة " ابوية " تكنوقراطية تشمل الجميع ، عدا الفتح ودولة القانون ، برئاسة " العبادي " الذي من الواضح انه هو المعني بتسمية " ابوية " ذلك ان لقاءات متعددة للسيد الصدر اشارت بوضوح الى انه يعنيه بذلك ، فيما ذهب التكتل الآخر ، تكتل الفتح ودولة القانون ، باتجاه القوى الكردية واياد علاوي ، فمدت خيوط الوصل مع السيد " مسعود البارزاني " الذي وجد في ذلك فرصة لاستعادة موقعه وتأثيره . وكما اثبتت الوقائع العديدة السابقة فان السيد البارزاني يمكن ان يتوصل الى تسوية مهمة لصالحه تلغي الكثير من القيود والتحديدات التي نشأت عن قرارات المركز وموقف هذه القوى ابان الاستفتاء الكردستاني.
ان هذه الوقائع والمسارات تؤكد اننا مازلنا ندور في الاطار نفسه ، فلا أساس اجتماعي واضح او حقيقي للخلافات والصراعات والاهداف ، وذلك يرجع أيضا الى أساس عميق يكمن في البنية الاقتصادية الاجتماعية المشوهة القائمة . فالحاكمين والمحكومين على السواء . اطراف العملية السياسية والمجتمع أيضا ، يعيشون جميعا من الريع النفطي دون حاجة حقيقية للعمل والنشاط الاقتصادي المثمر والحقيقي ، يمكن ان تضع هذه الفئات الاجتماعية المختلفة في حالة صراع جدي على أساس المصالح ، ينتج عنه تغيير جدي في البنية الاقتصادية والاجتماعية او وعيا باهميته وضرورته وينقل المجتمع العراقي والوطن العراقي الى مستوى جديد ، مختلف ، حيّ ، من وعي الذات والغاية !