التسوية التاريخية.. إصلاح حقيقي أم تهيئة لما هو أخطر؟

زياد وليد

  مبدئياً لا أعرف مدى جدية الطبقة السياسية العراقية على تقديم تسوية تاريخية حقيقية بين المكونات العراقية وبرعاية بعثة الامم المتحدة (يونامي) خصوصاً إن التجارب السابقة والشخصيات التي خاضت في مسألة المصالحة الوطنية فشلت فشلاً ذريعاً ومدوياً بل وأنتجت نقيضها.

وبغض النظر عن جدية متبنّي التسوية التي طرحها التحالف الوطني وتعهدت الامم المتحدة بتقديم كتلة سنية موحدة للتوقيع على الوثيقة وإمكانية تطبيقها, فمن المهم جداً طرح نقاش جدّي حول مآل هذه التسوية وبنودها, والى أين تذهب الكتل السياسية بنقاط التسوية المقترحة.

إن عملية الإنزياح التي جرت وتجري في العراق, يرافقها التخندق بكتل مكوناتية صلبة, مع وجود إتفاق سياسي خارجي فوقي مثل هذه التسوية دون إيجاد حلول جذرية يضعنا في قطار إتفاق الطائف ومآله. وأعتقد أن الإتجاه نحو اللبننة في ظل الظروف العراقية وتدخل دول الجوار ليس في مصلحة العراق أبداً, بل هو يُبشر صراحةً بالمزيد من الأزمات والاختناقات السياسية المقبلة ونحن مقبلون على إنتخابات مجلس المحافظات وإنتخابات نيابية.

وبذلك ستبقى المكونات العراقية تَعيشُ [حرباً باردة] توازياً مع حرب الأحزاب والتكتلات الطائفية والمكوناتية التي تنعكس على الشارع بالصورة السلبية التي أنتجت لنا داعش وأخواتها.

ودخولا لصلب بنود التسوية, لا يمكن لنا مناقشة بنودها بالتفصيل, ومن المفضّل الإشارة الى ثلاث نقاط برأيي هي النقاط الأهم والأكثر تأثيراً اذا ما طُبِقت بحرفية ونكران ذات حقيقي من قبل الأحزاب السياسية.

النقطة الأولى وهي النقطة الثانية من سادساً, المبادئ كثوابت للتسوية. وهي النقطة التي تتحدث عن الإلتزام بالدستور كمرجعية دون إنتقاء والإستعداد لإجراء "تعديلات" وفق الآلية المنصوص عليها, وكذلك الإتفاق على عقد سياسي يوضح ويحسم القضايا الخلافية والمرحلة والتنظيمية.

النقطة الثانية وهي النقطة السابعة من نفس البند, والتي تتحدث عن رفض أعمال التغيير الديموغرافي التي أرتكبها النظام السابق وكذلك معالجة التغييرات السابقة و "اللاحقة", والعمل على عودة النازحين والمهجرين الى ديارهم, وإعمار المناطق التي تعرضت للدمار.

النقطة الثالثة هي النقطة الثانية عشر من نفس البند, وتتحدث عن تحرير الدولة وكل مؤسساتها من نظام المحاصصة العرقية الطائفية التميزية الى نظام الاستحقاق السياسي.

إذن, تعديلات على الدستور, ومعالجة التغيير الديموغرافي وإعمار المناطق, إلغاء المحاصصة. هذه نقاط, من الممكن أن تؤدي الى : طرح فكرة التعديل الدستوري بشكل جدي بعد الفيتوات السابقة على هذا الإجراء, والتغلب على التغيير الديموغرافي قانونياً وإفشال محاولات الإنزياح الطائفي الجبري وترسيم الحدود بين المكونات, وكذلك قطع الطريق على دعم دول خارجية لمشاريع إقليمية في المناطق التي تُعاني من دمار عن طريق تمويل عملية إعادة الإعمار, وقطع الطريق على الخطاب الإنتخابي الطائفي بإلغاء المحاصصة وترسيخ دولة مواطنة حقيقية.

وبغض النظر عن التفاؤل والتشائم, أرى إن هذه النقاط هي المرتكزات الرئيسية للخروج من عنق الزجاجة, وتلافي الكوارث التي من الممكن والمتوقع أن تحصل في عراق ما بعد داعش, وعلى النخب المهتمة والعاملة بالشأن السياسي ألا تنشغل في الفترة المقبلة – في حال تم توقيع الوثيقة – إلا بالضغط لتحقيق النقاط التي تصب في خدمة العراق وعلى رأسها هذه النقاط الثلاث.

علينا أن نعي أمراً مهماً, هو إن تدخل الامم المتحدة ومشاركتها للميثاق يعني إنها راعية العملية [عملية السلام مثلاً] وإنها تقود مصالحة وطنية في دولة تتداعى إسمها العراق. وإن أي فشل لهذه التسوية في حال توقيعها سيُحتّم على الأُمم المتحدة التدخل لوضع تسوية أُخرى. وما إن بقي الدستور على حاله, ولم يرجع النازحون الى مناطقهم, واستمرت عملية التغيير الديموغرافي, وبقيت المحاصصة على وضعها, فإن الإنزياح (التباعد والتكتل) بالإضافة الى الأزمات السياسية المتوقعة سيجعل من التسوية المقبلة هي تسوية الانفصال, وتحت رعاية الأُمم المتحدة!

اللهم إني قد بلغت...

العالم الجديد