حول الخيار العسكري للدفاع عن دجلة والفرات

تعليق للوزير الجنابي

علاء اللامي

 لنبدأ بهذين الخبرين القاتمين: الجمهورية الإسلامية الإيرانية تقطع مياه الزاب الصغير عن العراق والإدارة المحلية في المدن التي تقع على النهر تعلن عن عجزها عن توفير مياه الشرب للأهالي. الخبر الثاني يقول: أدلى وزير الموارد المائية حسن الجنابي لقناة الشرقية صباح اليوم، بتصريح قال فيه (إن الموجود الان بحوزة العراق من رصيد مائي هو 17 مليون متر مكعب في حين أن حاجة العراق السنوية بحدود خمسين مليون متر مكعب) الوزير أضاف (إن تأثيرات تشغيل سد أليسو لم تصل بعد إلى نهر دجلة المار ببغداد وهي ستصل خلال عدة أسابيع).

ولننتقل الى موضوع هذا المنشور:  رغم أن الأنظمة العراقية المتعاقبة، قبل وبعد الاحتلال الأميركي، لم تجرب حتى الأساليب الدبلوماسية والاحتكام الى الهيئات والمحاكم الدولية والقوانين الدولية، واكتفت بالمذكرات الدبلوماسية عبر السفارات في عهد نظام صدام، أو بزيارات وإيفادات المجاملة والتشاور في عهد نظام المحاصصة الطائفية، رغم هذا الواقع البائس يأتي من يحاول حرف الحديث باتجاه التيئس والاستسلام ومنع التفكير بأية خيارات وبدائل للسياسية الحكومة البائسة المستعملة الآن، فيروج لمفهوم انهزامي وخطير هو أن اللجوء للخيار العسكري للدفاع عن مياه دجلة والفرات، والتهديد بضرب السدود التركية أمر مستحيل، أو أنه انتحار، لأنه يمكن أن يؤدي الى كارثة وفيضان طوفاني يجرف مناطق واسعة من سوريا والعراق وصولا الى الخليج العربي. هذه الأفكار قديمة جدا، وكان السيد حسن الجنابي "وزير الموارد المائية الحالي" قد قال وكرر هذه الحجة في رسالة شخصية أرسلها الى الراحل هادي العلوي، مؤرخة في 16 آذار- مارس 1996، وهي موجودة في أرشيف لجنة الدفاع عن الرافدين، التي تشرفت بالمشاركة في تأسيسها. والرد على هذه الحجة ودحضها سهل وبسيط: فحين تخير شعب ما، أي شعب كان، بين الموت الأكيد عطشا وجوعا ودمار بلاده وتحويلها الى صحراء قاحلة وبين احتمال أن يموت البعض منه غرقا في الفيضان إذا دافع عن نفسه ولكنه سينتصر في النهاية بدلا من أن يموت بصمت وجبن فهو سيختار الاختيار الصحيح وهو الدفاع عن النفس ولا يوجد انتصار مجاني ودون مقابل في كل تاريخ الشعوب.

كما يمكن أن نرد على هذا الفكر الانهزامي والمشبوه الذي يحمله المدافعون عن نظام حكم المحاصصة الطائفية وأصدقاء تركيا وإيران من "عراقيي الجنسية" بالقول: قبل الحديث عن الخيار العسكري اذهبوا -أنتم وحكومتكم - وجربوا ما يأتي،

- جربوا السلاح الدبلوماسي والقانوني ضد تركيا وإيران اللتين تحتجزان مياه الرافدين خلف سدودهما وارفعوا دعوى عليها وعلى إيران في محكمة العدل الدولية أو المحكمة الجنائية الدولية،

-لمحوا تلميحا على الأقل باحتمال استعمالكم للسلاح الاقتصادي والنفطي ضد تركيا، وحرمان إيران من استعمال شط العرب كوسيط مائي للنقل بعد ان قطعت عنه ثلث مياهه بعد قطع نهر كارون.

- ابنوا المزيد من السدود والقنوات في العراق وخصوصا سد شط العرب، واستكملوا بناء سد "بخمة" الذي لو كان قائما اليوم لما أثر سد أليسو التركي على العراق بلتر ماء واحد!

- نظموا مجاري الانهار وانجزوا عمليات الكري والتعميق المهملة لها منذ عقود،

-حدِّثوا طرق الري والتخزين بالأساليب العصرية والعلمية،

-وأنشأوا محطات رخيصة لتحلية مياه البحر في البصرة، تلك التي تعمل بالطاقة الشمسية في المغرب والجزائر.

ثم، وبعد ذلك تعالوا تفندوا اللجوء إلى الخيار العسكري، الذي لن يكون له أي معنى إن جربتم هذه الأساليب ولوسائل، أما وأنكم وضعتم الشعب بين خياري الموت عطشا أو غرقا، ثم تمنعونه من الدفاع عن نفسه بكل الوسائل، فهذا لن يكون أبدا سجالا شريفا، بل هو أقرب الى تقييد الضحية وتقديمها للجزار الذي يحتجز المياه.

ولكننا سنفند هذا الكلام عن استحالة الخيار العسكري بحجة الفيضانات الطوفانية بالدخول المباشر فيه فنقول: أن خطر وقوع هذا الفيضان الطوفاني قائم كاحتمال قوي جدا اليوم وكواقع حال سواء لجأ العراق الى الخيار العسكري أو لم يلجأ، بسبب وجود احتمال انهيار أحد تلك السدود التركية في حال حدوث زلزال قوي أو عمل تخريبي أمني في منطقة تشهد نشاطا زلزاليا قويا، كما تشهد حرب عصابات مستمرة وعنيفة بين الدولة التركية ومعارضيها المسلحين الكرد في حزب العمال الكردستاني. وكانت تركيا قد ضبطت قبل عدة عقود خلية مسلحة كادت تفجر سد اتاتورك الضخم، واضطرت لعقد اتفاقية مع سوريا في عهد حافظ الأسد لتقاسم المياه مقابل قطع سوريا لدعمها عن منظمة وقيادة حزب العمال الكردستاني.

كما حدثت عملية تفجير قامت بها مجموعة مسلحة تكفيرية في العراق يوم السابع عشر من كانون الأول سنة 2007 حيث تم   تفجير سيارة مفخخة بشحنة متوسطة على جسر يقع على مسافة 200 متر من سد الموصل، ولحسن الحظ لم يتأثر السد بهذا التفجير لأنه كان بعيداً نسبيا، وكان يمكن أنْ تقع الكارثة لو أفلحت المجموعة المسلحة في تفجير السيارة لصق جسم السد.

وحول اللجوء للخيار العسكري للدفاع عن النفس ولكي لا يموت الملايين عطشا وجوعا في العراق يمكن التذكير بالآتي:

*ربما يستنتج البعض بأنَّ هذا الواقع الجديد سيسحب مستقبلا أية إمكانية دفاعية من أيدي العراقيين، إذا واصلت تركيا إنشاء السدود واحتجاز مياه النهرين حتى إذا حدثت الكارثة المتوقعة وتلاشى النهران من الوجود وسيفقدهم أية إمكانية للمناورة أو التهديد بتدمير سد أو أكثر باستعمال القوة العسكرية.

والواقع فإنَّ مقاربة الأمر من هذا المنظار، وبهذه الطريقة، ليست دقيقة، فالواقع يقول إنَّ كارثة الفيضان بسبب انهيار محتمل جدا لأحد السدود يتساوى في الضرر والتدمير من الفيضان المتسبب بفعل ضربة يوجهها العراق لأحد السدود في حال بلغت الأمور درجة هلاك البشر والشجر والحيوان عطشا. بل إنَّ أضرار الفيضانات أيا كان عنفوانها يمكن احتواؤها والتقليل من خسائرها، وقد حدثت في تاريخ العراق فيضانات طوفانية مدمرة كثيرة، ولكنها مضت وبقي العراق، أما تنشيف النهرين تماماً، وقطعهما عن بلادنا فهي كارثة لا يمكن علاجها أو درؤها وسوف تتسبب بالهلاك الجماعي أو بالنزوح والهجرة الشاملة من العراق وهذا أمر بات من شبه المستحيل في العصر الحديث، عصر الحدود الدولية المحروسة بالأسلحة الحديثة.

وإذا كان التهديد بفيضان مدمر يحدث نتيجة تدمير سد أتاتورك، فإنَّ هناك سدود أصغر منه يمكن أن يطالها التهديد.  ويمكن أيضا التهديد بتدمير السدود التي هي قيد البناء، ولم تملأ بحيراتها بالمياه بعد. وعموما، نحن نفرِّق تماما بين التهديد باستعمال السلاح للدفاع عن النفس والوجود والحياة، وبين الاستعمال الفعلي للسلاح، وسيكون هذا الخيار الصعب آخر الخيارات، أي حين تتساوى كارثة الموت عطشا لشعبنا بالموت غرقا، هذا إذا افترضنا صمت العالم المعاصر والمؤسسات الدولية والمرجعيات الفكرية والدينية عن ذلك وذلك أمر يصعب تصوره تماما.

إنَّ السدود المائية بطبيعتها أهداف سهلة، ويصعب الدفاع عنها من الناحية العسكرية، نظرا لحجمها الضخم وموقعها الثابت والمكشوف ومستوى الضغط الداخلي الهائل بسبب المياه المحجوزة فيها، ولأنها مقامة في مناطق مكشوفة يمكن لصاروخ واحد من نوع أرض أرض، أو جو أرض، أنْ يدمر أكبر سد في العالم لأنَّ عملية التدمير ستستمر بشكل متصاعد مع حدوث أول صدع أو ثغرة في جسم السد ولن تنتهي إلا بنهايته وتدميره.

ورغم هذا وذاك، ومع كلِّ الأمل بأنْ يجنح جيراننا الأتراك إلى السلم واعتماد لغة الحوار وحسن الجوار والتخلي عن التفرد والدوس على حقوق شعبنا، فإنَّ الحاجة تبقى مصيرية وماسة لوضع مخططات إنقاذ عراقية لمواجهة كافة الاحتمالات السوداء بهدف تقليل الخسائر إلى أدنى حد سواء حدث الفيضان نتيجة عمل تدميري لمجموعة مسلحة سرية أو بسبب زلزال عنيف أو بسبب إجراء دفاعي يتخذه العراق أو بسبب إجراء انفرادي تتخذه تركيا بتفريغ أحد خزانات سدودها لسبب من الأسباب التي تقدم ذكرها. ينبغي أنْ ترتكز تلك المخططات على تحقيق أهداف واضحة ومحددة وممكنة لإجلاء السكان من المناطق الأكثر خطورة وتصريف كميات هائلة من المياه في المنخفضات والبحيرات والأهوار في العراق وتوجيهها إلى هناك والانتفاع منها في تحلية المياه والتربة التي عانت من التلوث والتملح طوال العقود الماضية.

الصورة لتعليق للوزير حسن الجنابي على صفحته، نشرها أحد أصدقاء صفحتي، ولم أصدق أنها للوزير المذكور، أو أن وزيرا، أيا كان، يمكن ان يتعامل بهذه اللغة وبهذا التفكير مع قضية حياة أو موت شعب وبهذه الطريقة، ولكن الكثيرين يؤكدون صحتها!

#بلاد_الرافدين_خطر_الزوال

*كاتب عراقي