رد صريح وبالأرقام والوقائع على المبررين للعدوان التركي والإيراني على أنهار العراق بحجة المناخ والتجاوزات الداخلية

سد أتاتورك

علاء اللامي

إن منتهى الجهل والغباء وسوء النية والتواطؤ مع العدوان التركي والإيراني على أنهار العراق يظهر في كلام المبررين لهذا العدوان بحجج ثلاث هي قولهم في الحجة الأولى: أن المشكلة هي مشكلة نقص مياه مؤقتة لأسباب تتعلق بالتجاوزات الداخلية على المياه كما كررت بحماس ودون كلل النائبة المشبوهة (للتذكير: كلمة النائبة في اللغة العربية الفصحى تعني "المصيبة")، شروق العبايجي، وقد كررت مزاعمها يوم أمس أمينة العاصمة ذكرى علوش وغيرهما من بعض الكتاب والناشطين على مواقع التواصل ومعهم ساسة فاسدين. وهذه التجاوزات كما يزعمون تقوم بها أطراف عراقية محلية في المحافظات العراقية.

والحجة الثانية، هي قولهم (إن نقص المياه سببه مناخي يتعلق بظاهرة الاحتباس الحراري المناخي، وارتفاع معدل درجات الحرارة في العالم) وهذه ظاهرة حقيقية ولكنها جزئية ولا تؤدي الى جفاف أنهار عملاقة دائمة الجريان كدجلة والفرات والنيل، وهي ظاهرة عالمية وليست خاصة بالعراق فقط وهي خارج السيطرة المباشرة للبشر.

والحجة الثالثة، هي مسؤولية الدولة العراقية التي تترك المياه تذهب هدرا الى الخليج وعدم قيامها بواجباتها في مجال المياه.

للرد على هذه الحجج، أقول صراحة أن أحدا لا يمكنه رفض حجة إهمال الدولة والأنظمة العراقية المتعاقبة، والدفاع عن هذا الإهمال الذي يصل الى مستوى إجرامي، ولكنه ليس السبب المباشر في المأساة التي نعيشها اليوم. السبب هو في السدود التركية بنسبة 80% والإيرانية بنسبة 20%، ولكن تركيز النقد على هذا العامل والسكوت على العدوان والسبب الأصلي هو خطأ كبير، وعمل مشبوه يراد به تبرئة المجرم الرئيسي وتركيز الكلام على من سهل له ارتكاب جريمته المتمثلة في حبس مياه النهرين ورافدهما خلف جبال من الإسمنت المسلح والمتمثلة بمئات السدود والمشاريع في تركيا وإيران.

بعض هؤلاء المبررين والباحثين "عن حب الرگي"، وليس كلهم، يتهمون كل من يدعو إلى الدفاع عن أنهار العراق ووجوده الجغرافي والتاريخي والبشري بكل الوسائل بأنه "ثورجي" أو متطرف أو مثير للذعر...الخ. وهذا ليس اتهاما جديدا، وعليهم أن يتذكروا بم كان يوصف أمثالهم من المدافعين عن المعتدين والغزاة والمحتلين طوال تاريخ العراق، ولكنني لن أذكرهم بهذا الوصف الذي يقال عادة عنهم، لأنني أنظر الى الخلاف مع غالبيتهم كخلاف في الرأي سببه الجهل بالمعطيات أو سوء الفهم، أو بسبب طريقة ملتبسة في التفكير تحتكم دائما الى الآراء المسبقة والطريقة العشائرية المنحازة في التحليل والتفكير، أما الأقلية المشبوهة والعميلة صراحة لتركيا وإيران والتي تبحث عن مبررات للعدوان فلا يشرفني الحوار والخلاف معها أصلا.

ولكني سأعمد إلى دحض وتفنيد هذه الحجج والخرافات المشبوهة للرأي العام ولأصحاب المصلحة الحقيقية في الدفاع عن عراقهم وأنهارهم قبل أن يستيقظوا ذات يوم هم أو أبنائهم، فيجدوا أنفسهم في عراق بلا رافدين ولا نخيل فيستحقون لعنة التاريخ والأجيال القادمة لأنهم لم يدافعوا عن هذه الهبة الرائعة التي هي بلاد الرافدين:

*أولا: نذكر جماعة الاحتباس الحراري بهذه الحقائق والوقائع لكي يرتدعوا قليلا ويشعروا بالخجل أمام ضمائرهم:

1-ظاهرة الاحتباس الحراري لا تعمل في العراق فقط، وداخل حدود العراق الدولية، بل هي ظاهرة عالمية لها تأثيرات محسوبة وهامشية ولم تؤدي الى اندثار انهار دائمة الجريان وعملاقة كدجلة والفرات والنيل...الخ. والسؤال الذي يفضح هذه الحجة هو : لماذا يستمر نهر النيل بالتدفق ولم يتوقف عن الجريان نهر دجلة ولماذا تنخفض مناسيب الفرات الى أقل من النصف، مع أن الرافدين والنيل تقع جميعا في إقليم مناخي واحد ومتشابه؟

2-ظاهرة الاحتباس الحراري إذا كانت تعمل في العراق إلى درجة تجفف أنهاره فلماذا تزدحم مئات السدود التركية بالمياه العذبة لتوليد الطاقة الكهربائية والزراعة الكثيفة التي تريد تركيا عبرها كما صرح الجشع أردوغان التحول إلى دولة عظمى وأكبر مصدر للمنتجات الزراعية في العالم وعلى حساب العراقيين والسوريين؟

*وثانيا، أما جماعة "التجاوزات الداخلية" من أمثال النائبة العبايجي فنذكرهم بالآتي:

1-إن التجاوزات الداخلية مهما كان حجمها، لم ولن تؤدي الى جفاف أنهار العراق ولكنها تؤثر على توزيع ما تسمح تركيا وإيران بدخوله من مياه الى العراق وهو انخفض إلى النصف قبل ربع قرن.

2-حين تنخفض مناسيب المياه الى درجة الجفاف كما يحدث هذه الأيام، فالناس تتجاوز، وحتى تتقاتل فيما بينها للبقاء على قيد الحياة أو الحفاظ على المزروعات والممتلكات وغيرها، ولا يمكن اعتبار نتائج العدوان سببا له. السبب هو في إقامة مئات السدود التركية والإيرانية كما حدد الخبراء والمتخصصون.

*وثالثا، وأخيرا، بالنسبة لمن يكرر ببلاهة حجة مياه شط العرب تذهب هدرا الى الخليج العربي دون ان يستفيد منها العراق أما تركيا فتريد أن تستفيد من انهارها، أقول: أنظروا الى جميع الأنهار على خريطة العالم أمامكم، ستجدون أن غالبية الساحقة من الأنهار تصب في البحار والمحيطات وليس شط العرب العراقي يصب في الخليج العربي فقط. وإن هذا يحدث ليس بسبب خطأ عراقي بل نتيجة نظام هايدروليكي طبيعي لا دخل للإنسان فيه. وها هو نهر النيل يصب منذ بدء الخليقة في البحر ولا أحد يلوم مصر على ذلك أو يعتبره مبررا لكي تبني أثيوبيا سدودها على منابع النيل. وعلى فكرة فالقيادة الأثيوبية أشرف وأفضل وأكثر إنسانية ألف مرة من القيادة التركية لأنها تتشاور وتفاوض مع مصر والسودان قبل أن تبدأ بناء سدها الوحيد "سد النهضة" أما تركيا فقد رفضت وبعنجهية أي مفاوضات أو تنسيق أو تشاور مع العراق وسوريا منذ أن بدأت بإنشاء شبكة سدودها في السبعينات وحتى اليوم.

*إن بناء السدود العملاقة دون تنسيق وتشاور مع دول المصب عدوان صريح وانصباب الأنهار في البحار والمحيطات حالة هايدروليكية طبيعية خارج سيطرة البشر ومن يريد ان يعالج المشكلة عليه أن يضع يده على المشكلة والمشكلة هي بناء مئات السدود في منابع النهر دون تنسيق وتشاور من قبل تركيا (عدد السدود التركية الصغيرة والكبيرة والمتوسطة هو سبعمائة وأربعون سدا،  بحسب الباحث العراقي المتخصص فؤاد الأمير، وهي قريبة من هذا الرقم باعتراف الإعلام التركي كما سنوثق بعد قليل) واعتبار هذه الدولة لدجلة والفرات نهرين تركيين وليسا دوليين. أما بناء سد على شط العرب فيبقى مشروع عراقي قابل للإنجاز رغم أنني لا أعتقد بفائدته بعد أن جفت أنهارنا في الشمال ولم يعد يصل الى البصرة شيئا منذ زمن طويل.

*إن حجة هدر المياه في الخليج حجة ساقطة وخبيثة يكررها الإعلام التركي وبعض الحمقى في الإعلام العراقي وهي ساقطة ومنتهية ليس اليوم بل منذ عشرين عاما حين كف شط العرب عن استقبال المياه العذبة وبدأ اللسان الملحي بالصعود من الخليج شمالا ودمر الزراعة في البصرة.

*أطرح هذه الأرقام أمام المبررين والمدافعين مباشرة او بشكل غير مباشر عن العدوان التركي والإيراني على انهار العراق:

-عدد السدود التركية المنجزة فعلا هو أكثر من سبعمائة وأربعون سدا صغيرا وكبيرا ومتوسطا. أما تركيا فيعترف إعلامها (رابط لصحيفة تركيا بوست في التعليق الأول " بالآتي (النسبة للسدود في تركيا فقد وصل عدد السدود إلى 579 سدا تم إنشاؤها لأغراض إمدادات المياه والري وتوليد الطاقة المائية والتحكم في الفيضانات، وتبلغ القدرة التخزينية الإجمالية للسدود الكبيرة (208 سدا تقريبا) حوالي 157 كيلومترا مكعبا تقريبا، بينما تصل القدرة الإجمالية للسدود كاملة حوالي 651 كيلومترا مكعبا ( 651 مليار متر مكعبا) ، يُضاف إلى ذلك أن هناك 210 سدا تقريبا قيد الإنشاء في مشاريع مائية تسعى تركيا إلى تشييدها قريبا.)

2-حاجة العراق الفعلي وكحد أدنى لتامين مشاه الشرب وجزء من الزراعة بين خمسين ومائة مليار متر مكعب من المياه سنويا في حين تحتجر تركيا من مياه الفرت فقط 651 مليار متر مكعب سنويا.

3-قطعت إيران قبل أكثر من 15 سنة اثنين وأربعين رافدا عن دجلة من بينها أنهار كبرى كنهر كارون عن شط العرب، وقبل أيام ومع قطع تركيا لمياه الفرات عادت إيران لقطع مياه الزاب عن دجلة وكأنها في سباق على تدمير على العراق مع تركيا.

اختم بهذا الخبر الرهيب الذي سمعته قبل دقائق من قناة روسيا اليوم ومفاده إن مصادر عراقية برلمانية متخوفة من هجرة قريبة ومتوقعة لسبعة ملايين نسمة في العراق من أماكن إقامتهم بسبب جفاف الأنهار وبحثا عن المياه لهم ولماشيتهم!

*الصورة لسد أتاتورك التركي العملاق الذي أنجز سنة 1992 وبصمت تام من قبل نظام صدام حسين. لاحظوا مساحة بحيرة المياه العذبة المحتجزة خلفه والتي تتسع لـ 48 مليار متر مكعب وهي حاجة العراق لمدة عام كامل من المياه وخزين تركيا من مياه دجلة والفرات سيفوق 561 مليار متر مكعب باعتراف الإعلام التركي نفسه.

*رابط تقرير إخباري لصحيفة تركيا بوست :

https://www.turkey-post.net/p-94881/
*(سيكون العراقيون أهون على الله من بعوض المستنقعات إذا سمحوا لتركيا بتصحير العراق وإزالة الرافدين، دجلة الفرات، من الوجود! الراحل هادي العلوي)
#بلاد_الرافدين_خطر_الزوال