بيع المياه و "الكهرومياه" من قبل تركيا وإيران

علاء اللامي

الفصل السابع من كتاب " القيامة العراقية الآن ... كي لا تكون بلاد الرافدين بلا رافدين- علاء اللامي - دار الغد - بغداد 2012 

فكرة المشروع إسرائيلية أميركية:

  تهدف تركيا إلى الاستحواذ على مياه الرافدين وحجزها خلف شبكة من السدود و البحيرات الاصطناعية لتتفرغ بعدئذ  لبيع المياه والمحاصيل الزراعية إلى حلفائها في الشرق الأوسط، وهذا أمر من حقها لو كانت تلك السدود والبحيرات قد أقيمت على أنهار تبدأ وتنتهي في تركيا، لا أنْ تكون أنهاراً دولية تنبع منها وتجري فيها لمسافات لا تتجاوز ثلث طولها الكامل و تتشاطأ عليها عدة دول. من هنا، بدأت السلطات التركية التفكير جديا بمشروع متكامل انتهى من التخطيط له خبراء أتراك وإسرائيليون[1]، وأطلق عليه اسم "قناة السلام" وهو عبارة عن خطين من الأنابيب الضخمة يبلغ قطرها أربعة أمتار، تتحرك في خطين: الأول، من تركيا إلى سوريا فالأردن ثم إلى الحجاز. ويتجه الثاني من تركيا إلى العراق، الذي يكون قد تحول آنذاك إلى صحراء، فالكويت، وينتهي في المنطقة الشرقية من المملكة السعودية.  إنَّ فكرة مشروع "أنابيب السلام" ليست تركية من حيث الأساس، بل هي  فكرة صهيونية أميركية، أعدها من الجامعة العبرية في تل أبيب البروفيسور هيليل شوفال، وشاركه من جامعة ميتشيغن البروفيسور الأميركي جون كولارس، ونرجح ان يكون هذا الأخير هو نفسه الذي ورد اسمه في برنامج توقفنا عنده في فصل سابق عنوانه "حوار مع الغرب" باسم جون كولز، صاحب فكرة ترك ربع المياه في الأنهار المتنارع عليها قبل تقسيم الحصص لضمان استمرار وجود و دفق النهر الطبيعي. ومع أن الفكرة – فكرة الأنابيب – كما أسلفنا، ليست تركية أصلاً إلا أنْ تركيا تعتبرها الآن فكرتها. وقد لاحظ المراقبون العدد الكبير من خبراء المياه الذين اصطحبهم معه الرئيس التركي إلى إسرائيل سنة  1996.

قبل هذا التاريخ، وبالضبط سنة 1993، أقدمت الحكومة التركية على القيام بصفقة خطيرة مع بلغاريا اشترت بموجبها من الأخيرة كميات من مياه نهر "مريج"، ودفعت ثمنها نقدا و بلغ أربعة ملايين و300 ألف دولار، في محاولة منها ( لنشر مبدأ بيع المياه بشكل أكبر في التجارة الدولية )[2]. وكنا قد أشرنا في موضع آخر من هذا الكتاب،  إلى تصريحات الوزير التركي محمد جولهان عند توقيعه على هذه الصفقة مع بلغاريا وقوله بأن (تركيا قد تطلب من سوريا دفع قيمة المياه المتروكة لها من نهر الفرات)[3] ولا ندري إنْ كان الوزير جولهان سيصر على إرغام سوريا، وربما العراق، على دفع ثمن مياه الفرات منذ بدايات التاريخ البشري، أم أنه سيكتفي بقبول ثمنها  منذ الفترة التي وصل فيها أجداده من المهاجرين الأتراك في النصف الثاني من القرن السادس الميلادي إلى آسيا الصغرى أو ما كان يعرف بأرض الروم "أرضروملي"، قادمين من موطنهم الأصلي في هضبة منغوليا شمالي الصين ليصبحوا هم المالك الفعلي لنهر الفرات، هذا النهر العظيم الذي أطلق عليه العراقيون القدماء من أكاديين وآراميين هذا الاسم، وشقوا منه الرواضع و القنوات وأنشأوا عليه الجسور والخزانات قبل وصول الأتراك بأكثر من أربعة آلاف عام؟

بهذا الخصوص ( يورد علماء الآثار وجود أنقاض لبعض الترع الكبرى، مثل شط الحي والنهروان التي انشئت قبل 4200 عاما، وفي مقبرة الملكة الآشورية "سمير أميس" عثر المنقبون على كتابة، تذكر على لسانها، " أنني استطعت كبح جماح النهر القوي ليجري وفق رغبتي وسقت ماءه لأخصب الأراضي التي كانت قبل ذلك بوراً غير مسكونة").[4]

 ضربة تكنولوجية قاضية للمشروع:

إنَّ مشروع قناة السلام التركي الإسرائيلي الخليجي، لا يعدو كونه قبراً من الأنابيب للفرات، كان جاهزاً للتنفيذ، وقد وضعت عليه اللمسات الأخيرة. وربط البعض بينه وبين محاولة عقد ما يسمى "اتفاقية سلام وانسحاب من الجولان" بين سوريا وإسرائيل، وقد قيل حينها بأن تركيا وعدت هذه الأخيرة بأنها ستعوضها عما ستخسره من مياه بحيرة طبرية السورية، ورافد اليرموك على نهر الأردن، إذا وافقت على الانسحاب من مياه الرافدين التي تحتجزها خلف سدودها. وقد روَّجت تركيا إنها حددت أسعارها للمياه وأن إسرائيل ستتكلف ببناء القناة الغربية لنقل المياه. فبينما يصل سعر المتر المكعب من المياه البحرية المحلاة في مدينة جدة إلى أربعة دولارات، قابلة للارتفاع بسبب ارتفاع أسعار مادة النيكل الداخلة في صناعة محطات التحلية، فإن تركيا حددت آنذاك سعر المتر المكعب من مياه الرافدين المحجوزة بدولار ونصف فقط[5]، فلماذا لا تمول دول الخليج هذا المشروع؟ ومعلوم أنَّ سعر المتر المكعب من مياه البحر المحلاة انخفض الآن، أي بعد عقدين من طرح مشروع قناة السلام تقريباً، ليصل إلى دولارين ونصف في السعودية، وانخفض إلى أكثر من ذلك، مع التطورات التكنولوجية الحديثة و اختراع طريقة "التناضح العكسي" واستعمال الطاقة الشمسية بدلاً من المحروقات النفطية لتحلية مياه البحر، ففي الولايات المتحدة وسنغافورة وصل سعر المتر المكعب إلى خمسين سنتا أي نصف دولار. غير أنَّ هذه الاستنتاجات تصطدم بما نشرته الصحافة السعودية عن أسعار ما تزال مرتفعة قبل فترة، فقد ذكر تقرير نشر في السنة الماضية، 2011، أن قيمة المتر المكعب المنتج من محطات تحلية المياه في السعودية تبلغ سبعة ريالات أي ما يعادل أكثر قليلا من دولارين، وهذا يعني أنَّ هذا السعر لم ينخفض كثيراً، وهو يعادل بحسب بعض الخبراء سعر الوقود السعودي المدعوم حكومياً – شبه المجاني - الذي تحصل عليه محطات تحلية المياه من الدولة.

ووفقاً لصحيفة "الوطن" السعودية، كشف تقرير صدر عن المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة، أنَّ المؤسسة تسعى إلى خفض تكلفة إنتاج المياه إلى أقل قدر ممكن، وتسعى إلى تصنيع الأجزاء الكبيرة والأساسية في مصانع التحلية، خصوصاً أنَّ صناعة قطع الغيار محلياً ستؤدي إلى خفض التكلفة إلى 80 بالمائة من سعرها في الخارج. وأوضح التقرير الذي يلخص إنجازات المؤسسة خلال العام الماضي، أنَّ السعودية تعتبر الأولى عالمياً في صناعة التحلية في العالم، حيث تنتج 18 بالمائة من المياه المحلاة في العالم، إذْ وصل إنتاج المملكة من المياه المحلاة خلال عام التقرير 1013 مليون متر مكعب، إضافة إلى إنتاج 5.26 ملايين ميغاوات ساعة من الكهرباء [6].

وعلى الرغم من تضارب هذه التقارير، فالثابت هو أنَّ هذا التطور التكنولوجي في صناعة المياه البحرية  المحلاة وجه ضربة قوية للمشروع التركي لبيع المياه فتوجهت الدولة التركية حينها للمتاجرة بالكهرباء المستخرجة من مولدات ضخمة نصبت على السدود بدلا من بيع المياه ونجحت في ذلك إلى حد بعيد، وهي تزود الآن عددا من الدول المجاورة لها، ومن بينها العراق الغني بالنفط والغاز، بهذه السلعة الثمينة.

هذا يعني، أنَّ المشروع التركي لبيع المياه إلى إسرائيل ودول الخليج، قد تلقى ضربة قاسية بفعل انخفاض تكاليف تحلية مياه البحر إلى نصف دولار للمتر المكعب، ولكنَّ تركيا شرعت بوضع مشروع بديل آخر قيد العمل وهو مشروع إنتاج وبيع الطاقة الكهرومائية من سدودها العملاقة كما أسلفنا قبل قليل، ومعلوم أن الأرباح التي ستجنيها تركيا من الكهرباء ستفوق بأضعاف تلك التي تجنيها من بيع المياه! وهناك معلومة  أخرى، في هذا الصدد عبر عنها الكاتب العراقي صاحب الربيعي بقوله ( وقعت تركيا بروتوكول لبيع المياه إلى إسرائيل التي تعاني من عجز مائي، لكنها عند ‏مراحل التنفيذ تراجعت عن شراء المياه بسبب كلفته العالية قياساً بكلفة تحلية مياه البحر. ففي ‏حزيران عام 2001، تعهدت إسرائيل باستيراد نحو 50 مليون م3 من المياه العذبة من تركيا، ولمدة 20 عاماً، ‏وبسعر 1.340 دولار أمريكي للمتر المكعب الواحد. وتبين من خلال دراسة الجدوى الاقتصادية للصفقة ‏المائية أنه بإمكان إسرائيل بناء محطة تحلية مياه البحر، بإجمالي المبلغ المرصود لشراء المياه والبالغ نحو ‏‏1.340 مليار دولار أمريكي، لمدة عشرين عاماً وبطاقة إنتاجية لمياه التحلية تضاعف "تعادل ضعف؟" كمية المياه المراد ‏استيرادها سنوياً وبكلفة أقل للمتر المكعب الواحد)[7]. ويبدو أنَّ هذه المعلومة قديمة بدورها، مع أنها لا تتناقض جوهريا مع ما تقدم من استنتاجات حول انخفاض تكلفة تحلية مياه البحر، ولكن يبدو أنَّ التطورات المتلاحقة في هذا الميدان قد تجاوزتها.

وكما ذكرنا قبل قليل، فإنَّ التطور العلمي والتكنولوجي في هذا الميدان، قد وجه ضربة قوية للطرق القديمة لتحلية مياه البحر وخفَّض تكاليفها كثيرا. و في  هذا الإطار، تحدثت الصحف الأميركية في حزيران 2008 عن طريقة جديدة لتحلية مياه البحر اخترعها طالب أردني يحضّر لنيل شهادة الدكتوراه في الهندسة الكيمياوية في جامعة أوتاوا الكندية، وهذه الطريقة تزيد من كفاءة وحدة التحلية الحالية بنسبة تتراوح (600 ـ 700%). لم يعلن عن نوع وتفاصيل هذه التقنية المقترحة، ولكنْ يبدو أنَّ الأمر جدي إلى درجة أنَّ شركة "جنرال أليكتريك"، ومؤسسة العلوم الوطنية الأميركية، أعطت منحة مالية إلى جامعة ميتشغان الأميركية لدراسة هذا الأمر بصورة أكثر فعالية، مما قد يعني أن هناك طفرة مقبلة في هذه التقنيات.

كما أنَّ هناك بحوثاً في تطوير طريقة تحلية المياه التي تدعى "التنافذ التقدمي"، إلى جانب طريقة "التنافذ العكسي"، كذلك هناك بحوث في التحلية الشمسية  للاستغناء عن مصادر الطاقة الأحفورية أو النووية نهائياً. إضافة لذلك هناك أبحاث ودراسات لتحسين كفاءة الأغشية وتقليل كلفها وتقليل الطاقة المستخدمة في الوحدات المعتمدة عليها، وذلك باستخدام أغشية الأنابيب فائقة الصغر[8].

ولقد أعلنت شركة سيمنس، قسم تقنيات الماء، في 2008، من أنها توصلت إلى تقنيات تساعد في تقليل الطاقة، حيث سوف يحتاج إلى (1.5 كيلووات ساعة فقط لإنتاج متر مكعب واحد من الماء العذب من مياه البحر، والذي يعني أنَّ الطاقة المستهلكة ستنخفض إلى النصف وذلك في حالة كون حديث شركة سيمنس حديثاً صحيحاً.

إيران من جانبها دخلت سوق بيع المياه، فقد عرضت على دولتي قطر والكويت مياه نهر القارون بعد أنْ قطعتها عن نهر شط العرب العراقي، وتسببت بكارثة بيئية وحياتية لسكان البصرة، وذلك من خلال مدِّ أنابيب تحت مياه الخليج العربي الإيراني، لتزويد الدولتين بالمياه وأطلق على المشروع (مياه الإيمان)، وقدرت كلفة المشروعين على الجانب القطري بنحو 15 مليار دولار وعلى الجانب الكويتي بنحو 1.5 مليار ونصف مليار دولار)[9].

و مما يدخل في باب المتاجرة بمياه الرافدين، يمكن أنْ ندرج مشروعاً تركياً آخر لبيع المياه العذبة إلى الكويت عبر العراق تحدثت عنه وسائل الإعلام سنة 2008 [10]، ويبدو أنَّ هذا المشروع إنما أريد به استفزاز الجانب العراقي ليس إلا، مع إننا لا نستبعد أنْ تقوم تركيا بتفعيله متى أرادت طالما بقيَّ العراق دولة هامشية وضعيفة ومرتهنة حتى في موضوع تصدير نفطها شبه القسري عبر تركيا، وليس فيه من يجرؤ على الدفاع عن حقوق الشعب.

لقد طرحت أنقرة عدة مشاريع لتحقيق هذا الهدف كان آخرها ما أعلنت عنه شركتان تركية وكويتية مطلع الشهر الجاري – كانون الأول/ ديسمبر  2008 - بنقل المياه العذبة إلى الكويت، عبر العراق وهو مشروع طرح دون الرجوع إلى العراق أو التشاور معه أو إبلاغه، الأمر الذي عدته وزارة الموارد المائية العراقية تصرفا "غير ممكن" كما يوضح مدير عام المورد المائية في الوزارة العراقية عون ذياب. ويضيف ذياب في تصريح لإذاعة العراق الحر أنَّ هناك صعوبات كبيرة تعيق عملية تنفيذ مثل هذا المشروع.  ويرى المدير العام، أنَّ المشروع الجديد مثل بقية المشاريع التركية يهدف إلى إشاعة مبدأ بيع المياه في العلاقات الدولية)[11].

دعوات مرفوضة لمقايضة مياه الرافدين بنفط العراق:

  على العكس من أغلب الكتاب المتخصصين وغير المتخصصين بشؤون المياه، والذين دأبوا على الدفاع عن الحقيقة وعن حقوق العراق، وتسجيل إدانتهم للتجاوزات  العدوانية التركية و الإيرانية الخطيرة، فقد انساق بعض الكتاب العراقيين ، للأسف، وراء حملة لترويج المتاجرة بالمياه وتسويغها تحت مبررات شتى. وفي هذا السياق، كان كاتب هذه السطور قد نشر مقالة بقلمه من ثلاثة أجزاء سنة 2009  حول كارثة تجفيف الرافدين بفعل السدود التركية والمشاريع الإيرانية لتحويل وقطع الروافد التي تصب في نهري دجلة وشط العرب، وفي الجزء الأخير منها، تطرقنا لمواقف بعض هؤلاء الكتاب الذين اعتبرناهم مفرطين  بحقوق العراق ومن بينهم كاتب عراقي ذكرناه بالاسم في الفقرة الآتية والتي نقتبسها هنا لأسباب سنوضحها بعد قليل:

( وقبل أن نختتم هذا المفصل، نود الإشارة إلى إننا لم نتعرض وبالتفصيل بالنقد والتحليل لبعض الأطروحات والاقتراحات التفريطية والمتهافتة التي يطرحها كتاب عراقيون من قبيل الدعوة إلى شراء المياه من تركيا بطرق احتيالية وغير مباشرة كما يدعو، صاحب الربيعي، هو كاتب عراقي يصف نفسه بالباحث والخبير بشؤون المياه في الشرق الأوسط، ويحمل شهادة "بكالوريوس زراعة" من جامعة تشرين السورية، كما يذكر على موقعه الإلكتروني. فهذا الكاتب يقترح الآتي حرفيا ( إنَّ إسقاط الجانب السياسي من الخلاف المائي بين الدول المتشاطئة، كفيل بحل المشاكل المائية العالقة، وبالعودة للخلاف المائي بين العراق وتركيا حول فكرة بيع المياه ومدخلها الاقتصادي المحدد بنحو 800 ألف دولار أمريكي سنوياً. يمكن أنْ يدفعها العراق ليس كنقد مالي، مقابل حصوله على حصة إضافية من المياه، وإنما تقديم حوافز اقتصادية بديلة كـ : زيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين، حصول تركيا على أسعار تفضيلية تقل عن السعر العالمي عند شرائها للنفط العراقي أو الغاز السوري...)[12]

 الواضح من النص، إننا عرَّفنا بالكاتب، ونشرنا فقرة مما كتب على موقعه الإلكتروني الشخصي، وعرَّفنا حتى بتحصيله العلمي، ومن أية جامعة  تخرج، غير أن المعني بالنقد نشر بعد ذلك بفترة قصيرة  مقالة متشنجة، قدَّم لها بالعبارات الآتية ( بعيداً عن سياسة التهريج ومقالات الهتافة المتقافزين كل موسم في كيان حزبي من غير المختصين الذين تنقصهم المعرفة البسيطة بالمفاهيم المائية وقواعد القانون الدولي للأنهار الدولية، والمولعين بالسرد الصحافي في شأن تخصصي لا يحتمل الاجتهاد الشخصي، لتوظيفه في فعل الشهرة الرخيصة عبر أتباع ممارسات لصوصية لسرقة جهدنا الأكاديمي وحشره في مقالاتهم دون ذكر المصدر أو دون تحديد حجم الاقتباس واحتال البعض منهم فذكرنا بشكل هامشي. إن حشر معلومات تخصصية مجزأة في مقالة سياسية، تعد محاولة بائسة للإدعاء الفارغ بالمعرفة بشأن تخصصي يحتاج للدراسة والتحصيل الأكاديمي والخبرة العلمية./ من مقالة لصاحب الربيعي على موقع الحوار المتمدن 2796  ).

ونحن لا نستطيع أن نجزم بأنَّ الكاتب يقصدنا هنا شخصيا، فهو لم يذكر اسم من ينتقده، ويكتفي بالتعميمات والاتهامات الملقاة على العواهن، بل نميل إلى أنه قد لا يقصدنا منطقيا، فنحن لم نسرق جهوده العلمية والأكاديمية  التي يفاخر بها ونحشرها في مقالتنا بحثاً، كما يقول، عن شهرة رخيصة، و دون أن نذكر المصدر أو نحدد حجم الاقتباس بل فعلنا كلَّ ما هو عكس ذلك: فقد اقتبسنا الفقرة التي كتبها هو بين قوسين مع ذكر المصدر، وهو موقعه الشخصي، وناقشنا ما قال وانتقدناه لأنه يتعلق بشأن يخص العراق ككل، ولا يخص مشاريع وشؤون الكاتب الشخصية والعائلية، نعني  شأناً عاما يتعلق بدجلة والفرات العراقيين وليس بساقية صغيرة تجري في بساتين قد يملكها أهله وذووه.

وحين يكتب صاحب الربيعي ردوده وتعليقاته على ما يكتبه الناس بحقه أو بحق كتاباته، كان الأولى به أنْ  يجرؤ على ذكرهم بالاسم والصفة مثلما ذكروه بالاسم والصفة، وأنْ ينأى بنفسه عن لغة العميم وتسويق الاتهامات التي باتت تجارة بائرة ومستهلكة من قبيل "البحث عن الشهرة"، أو ما يسميه "التقافز بين الكيانات الحزبية"، خصوصا وقد أمست جميع الكيانات الحزبية العراقية في ظل الاحتلال والطائفية نوعا من المستنقعات السياسية لا أقل ولا أكثر.

ومع ذلك، نكرر احترامنا لجهده العلمي، وقد استشهدنا بعض كتاباته الرصينة في مواضع عديدة من هذا الكتاب، وأيضا، وفي الوقت نفسه، نؤكد رفضنا واستهجاننا الشديدين  لموقفه التفريطي الداعي لشراء مياهنا من جيراننا، و نترك هذا التفصيل الخاص بطريقة الكاتب للتعامل مع الناس فهذا شأنه، ونعود لمناقشة فكرته التي ينادي بها والتي وجدت من يصفق لها ويروج لها في داخل العراق لدرجة نشرت معها تقارير تؤكد أن الحكم العراقي الحالي بصدد عقد صفقة مع حكام تركيا لمقايضة مياه الرافدين بالنفط العراقي. أي إنهم يقايضون مياه العراق بنفط العراق! وقد خرج الأمر من السرِّ إلى العلن، مما اضطر وزارة الموارد المائية العراقية إلى إصدار بيان تكذب فيه تلك التقارير والأنباء، عادت أمانة مجلس الوزراء فأشارت لمحتواه على موقع المركز الوطني للأنباء في نص الخبر الآتي:

( وزارة الموارد المائية تنفي مقايضة النفط بالمياه مع تركيا: نفت وزارة الموارد أنْ تكون الاجتماعات بين بغداد وأنقرة حول المياه قد تناولت موضوع مقايضة النفط العراقي بالمياه مع تركيا. وقال مدير عام إدارة الموارد المائية عون ذياب للقسم الصحفي في المركز الوطني للإعلام إنَّ هذا الموضوع لم يطرح أبداً وإنَّ الحكومة العراقية لن تقبل بمثل هذه المعادلة. وأضاف، أنَّ النفط ثروة ناضبة ويكلف الدولة أموالاً طائلة لاستخراجه بينما المياه هبة من عند الله كما وان هناك حقوقا ثابتة لمستخدمي المياه على طول مجرى الأنهر الدولية سواء كانت دولة المنبع أو المجرى أو المصب.13/10/2009)

انتهى البيان الحكومي، ونسجل هنا أنه لا يطمئن قارئه البتة، فمجرد صدور البيان من جهة حكومية، حتى إذا كان بالنفي يثير الريبة، ويفهم منه أنَّ وراء الأكمة ما وراءها!

لنقرأ مجددا الدعوة التي أطلقها الربيعي، وسنورد الفقرة كاملة، وكما هي لغويا هذه المرة، لكي لا نتهم بالقصقصة و التحريف:

( المدخل الاقتصادي لهذا المآزق ( القانوني، السياسي، والمالي ) بين الدول المتشاطئة وجوب دفع قيمة المياه التي تزيد على حصة الدولة التي تعاني من العجز أو الفقر المائي، لنفترض أن العراق الذي يعاني من عجز مائي بنحو ( 2 – 3 ) مليار م3 سنوياً، يحتاج لشراء نحو 2 مليار م3 مياه من تركيا وبإفتراض أن سعر المتر المكعب الواحد نحو 0.40 دولار أمريكي يتوجب أن يدفع العراق لتركيا نحو 800 ألف دولار أمريكي سنوياً لقاء ذلك تبعاً للمدخل الاقتصادي لإختلاف وجهات النظر بين الجانبين حول فكرة بيع المياه، لكن الفكرة ذاتها لا تقتصر على الجانب الاقتصادي وإنما يتخللها خلاف ذات طابع قانوني حول تفسير بنود القانون الدولي حول تقاسم المياه في الأنهار الدولية. ويؤطر كلا الخلافين ( الاقتصادي والقانوني ) بُعد سياسي يتعلق بالدور الإقليمي لكلا البلدين ومحاولة كل منهما تحجيم دور الآخر على الصعيد الإقليمي من خلال حرق الأوراق الرابحة ( المياه بالنسبة لتركيا وبالنسبة للعراق وسوريا دعم حركات التمرد التركية ) في اللعبة السياسية على المستوى الإقليمي. إن إسقاط الجانب السياسي من الخلاف المائي بين الدول المتشاطئة كفيل بحل المشاكل المائية العالقة، وبالعودة للخلاف المائي بين العراق وتركيا حول فكرة بيع المياه ومدخلها الاقتصادي المحدد بنحو 800 ألف دولار أمريكي سنوياً. يمكن أنْ يدفعها العراق ليس كنقد مالي مقابل حصوله على حصة إضافية من المياه وإنما تقديم حوافز اقتصادية بديلية كـ : زيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين، حصول تركيا على أسعار تفضيلية تقل عن السعر العالمي عند شرائها للنفط العراقي أو الغاز السوري، مساهمة كل من العراق وسوريا في مشاريع مشتركة مع تركيا بشأن تمويل برامج التنبؤ بالفيضانات ونظم الرصد المائي والمناخي وتنمية الموارد المائية المستدامة، تحسين نوعية المياه، وإقامة الخزانات المائية والسدود لصالح كافة دول الحوض مقابل قيام تركيا بتأمين الحاجات المائية الفعلية لكل من العراق وسوريا وتقديم خبراتها في مجال المياه للتقليل من الهدر المائي في كلا البلدين/ انتهى الاقتباس)[13] . نفهم من هذه الفقرة، التي تقصَّدنا أن تكون وافية،  الأمور الآتية :

-   يقدر الكاتب حاجة العراق بشراء 2 إلى 3 مليار متر مكعب من المياه، بسبب العجز المائي. ويسكت سكوتا مطبقاً عن سبب هذا العجز المائي ألا وهو التجاوزات العدوانية التركية وحجز المياه بقرار سياسي تركي خلف السدود العملاقة وفي بحيرات وخزانات اصطناعيةودون تشاور أو تنسيق مع دول حوض المجرى المائي الدولي كما توجب القوانين الدولية.

-   يسمي الأشياء بأسمائها، ويدعو إلى شراء المياه التي يحتاج إليها العراق، و يقدر ثمنها بـ800 ألف دولار.

-   يقترح تسديد أثمان هذه المياه المشتراة من تركيا عبر طريقتين: حوافز وتسهيلات تجارية عراقية وسورية لتركيا، وأسعار نفط تفضيلية كتلك التي يقدم العراق بموجبها النفط إلى الأردن منذ عهد صدام حسين وحتى يومنا هذا. ويبدو خطأ فكرة الحوافز والتسهيلات التجارية جليا، فقد بلغت التجارة البينية بين العراق وتركيا، بعد سنوات على طرح هذه الأفكار، رقما قياسيا يقترب من عشرين مليار دولار، ولكنَّ الحصار المائي التركي على العراق استمر بل وتصاعدت حدته. وحتى حين اشترط مجلس النواب العراقي المصادقة على العقود والاتفاقيات التجارية بين البلدين بحل المشكلة المائية وتوقيع اتفاقية عادلة ومنصفة لتقاسم مياه النهرين رفضت تركيا ذلك بتشنج وواصلت تجاوزاتها العدوانية.

-   ثمة مقترحات مفيدة، ولا بأس بها، يوردها الكاتب في ختام خطته لشراء المياه، ولا علاقة لها بهذه الخطة، منها ما يتعلق ببناء السدود والخزانات لكافة دول حوض الرافدين والاستفادة من التجربة التركية في مكافحة الهدر المائي، وتلك عناوين مختلفة لا علاقة لها بموضوع مقايضة المياه بالنفط العراقي والغاز السوري. ولكن إيرادها هنا قد يكون الهدف منه خلط الأوراق وتضبيب المشهد عن قصد.

إن التعريف بهذه الكارثة الشاملة، والتي لا سبق لها تاريخيا وعبر كل العصور، وتثقيف المواطن العراقي بأبعادها واجب مهم جدا ينبغي للكتاب النقديين والوطنيين  بعامة والمتخصصين  في شؤون المياه وغيرها القيام به، أما الترويج والدعوة للتنازل عن الحقوق التاريخية للشعوب في مياهها، وبالذات الدعوة لشراء مياهنا بنفطنا فهي مرفوضة وتفريطية ينبغي عزلها وكشف جوهرها الخطير والتضليلي  وطرح البديل الحقيقي والصحيح لها والمتمثل بالدعوة الفورية لتدويل قضية تجفيف نهري  دجلة والفرات وروافدهما، ومقاضاة تركيا وكذلك إيران لدى محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية ورفع الموضوع إلى جميع الهيئات الدولية ذات العلاقة بالبيئة والمياه والاقتصاد ..الخ، وعدم التحجج بحجج المثبطين والمريبين تحت أغطية وأقنعة التخصص التكنوقراطي.

ينبغي، أيضا، تثقيف المواطنين العراقيين من خلال إطلاق حملة إعلامية صريحة وشفافة ودقيقة في معلوماتها وأرقامها حول الأخطار المحدقة بالوطن العراقي جراء هذه الكارثة، ودعم ومساندة كافة الفعاليات الشعبية كالمظاهرات والاعتصامات و إشراك منظمات المجتمع المدني في هذه النشاطات السلمية وكتابة العرائض وحملات جمع التواقيع التي بدأت تتصاعد داخل العراق ولا تلقى تغطيات إعلامية كافية تناسب حجمها. ورفض المحاولات المرتجلة والتي تعتمد السلاح والعنف التي بدأت تلجأ إليها بعض العشائر والقبائل وحتى المدن العراقية للحصول على حصتها أو أكثر من حصتها من المياه.

بيع الكهرومياه بدلا من المياه :

مع تراجع جدوى مشاريع بيع المياه، الذي يمكن أنْ يكون مؤقتا، تأكدت الحاجة التركية إلى مشاريع مجدية أكثر، وتقدم سلعة ثمينة أخرى من شبكة سدودها، وهذه المادة هي الطاقة الكهرومائية التي تولدها التوربينات الضخمة التي نصبت عند تلك السدود. لقد تمكنت تركيا من تغطية نسبة مهمة من حاجتها المحلية من الكهرباء من هذه السدود، وشرعت تتاجر أيضا بهذه السلعة الغالية الثمن. كما تمكنت من ربط شبكتها الوطنية لنقل الطاقة بشبكات الدول المجاورة ومنها العراق وسوريا وإيران وجورجيا.  وهي تطمح ( إلى ربطها بالشبكة الأوروبية  ( UCTE)، وهي تتكتم على مشاريعها ونواياها فلا يعلم الخبراء والمتخصصون إنْ كانت تريد الإبقاء على شبكتها منفردة وتحت إدارتها بعد ربطها أم تريدها جزء من شبكة الدول الربط الثماني، وهل ستكون هناك حاجة للربط عبر وصلة عاملة بالتيار المستمر مع الشبكة الأوروبية عبر الشبكة اليونانية أو الشبكة البلغارية، نحو تكامل مشاريع الربط الكهربائي؟).[14]

إن تركيا تحاول الوصول إلى إنتاج أعلى معدل في إنتاج الطاقة الكهرومائية، وهذا الأمر رهنٌ بامتلاء الخزانات والبحيرات الاصطناعية خلف السدود حتى أقصاها، وقد حدث ذلك فعلا  سنة 2011 حيث امتلأت بحيرات السدود التركية (جراء الأمطار الغزيرة الهاطلة، و وصل منسوب المياه في سد اتاتورك كبرى السدود في تركيا إلى 537.31 متراً هو أعلى منسوب له خلال الـ19 سنة الماضية. أما في سد كيبان الذي يعد بدوره من أكبر السدود التركية، فقد وصل منسوب مياهه إلى 844.61 متراً، وكان على المسؤولين الأتراك اللجوء لفتح بوابات الطوارئ والفيضانات لو ارتفعت مناسيب المياه بمقدار 35 سنتمترا آخر)[15].

 

الخلاصة :

"قناة السلام" هي مشروع تركي، ولكن فكرته الأصلية إسرائيلية أميركية، أطلقها من الجامعة العبرية في تل أبيب البروفيسور هيليل شوفال، بالتعاون مع البروفيسور الأميركي جون كولارس من جامعة متشيغن.  يهدف هذا المشروع  إلى بيع المياه التركية لإسرائيل والسعودية ودول خليجية عبر خطين من الأنابيب الضخمة والتي يبلغ قطرها خمسة أمتار ما يجعلها أشبه بنهر متوسط الدفق. أدى انخفاض أسعار المياه البحرية المحلاة إلى نصف دولار للمتر المكعب إلى توجيه ضربة قوية لهذا المشروع فتم غضُّ النظر عنه لأن سعر المتر المكعب الواصل من تركيا إلى إسرائيل أو السعودية  يصل إلى أكثر من دولار ونصف . وبدأت تركيا تفكر بإنتاج الطاقة الكهرومائية من سدودها العملاقة وبيعها لدول الجوار ونجحت في ذلك. إيران من جانبها دخلت سوق بيع المياه، و عرضت على دولتي قطر والكويت شراء مياه نهر القارون بعد أنْ قطعتها عن نهر شط العرب العراقي. سنة 1993، عقدت تركيا صفقة مع بلغاريا اشترت بموجبها من الأخيرة كميات من مياه نهر "مريج"، ودفعت ثمنها نقدا وقد بلغ أربعة ملايين و300 ألف دولار، في محاولة منها لنشر مبدأ بيع المياه بشكل أكبر في التجارة الدولية. وقال الوزير التركي الذي وقع الصفقة "محمد جولهان" إنَّ الأتراك قد يطالبون ذات يوم سوريا  بثمن مياه الفرات التي تدخل إليها لأنها مياه تركية عابرة للحدود. المؤسف، هو أنَّ بعض الكتاب العراقيين يدعون إلى شراء مياه الرافدين من تركيا بشكل مباشر أي نقداً، أو بشكل غير مباشر، أي كحوافز وتسهيلات تجارية عراقية وسورية لتركيا، و بأسعار نفط تفضيلية من العراق لتركيا. هذا أمر يجب رفضه رفضاً قاطعا، لأنه تفريط صريح بسيادة واستقلال وثروات العراق و رهن لمياهنا ونفطنا بقرار دولة أجنبية هي تركيا ومن وراءها الحلف الأطلسي.

 

                

 

 

 

[1]  - تركيا – إسرائيل : السلاح والمياه في حلف عسكري جديد . مجلة الأسبوع العربي. عدد 15 نيسان / أبريل 1996 .

[2] - إسماعيل د. سليمان عبد الله . السياسة المائية لدول حوضي دجلة والفرات.مركز كردستان. ص 126.

[3] - المصدر السابق.

[4] - مخيمر د. سامر وخالد حجازي . أزمة المياه في المنطقة العربية والبدائل الممكنة . سلسلة عالم المعرفة 209 الكويت 1996 . استشهد به د. سليمان عبد الله إسماعيل في مصدر سابق ص 173 .

[5]  - سياسة السدود التركية م س.

 

[6] - القس ريمون . تقرير إخباري لموقع "أريبيان بزنس" 20/5/2011

[7] - الربيعي صاحب .نشرة الحوار المتمدن. عدد  2815

[8] - الأمير فؤاد قاسم .مصدر سابق ص318

[9] - الخزندار محسن . المياه والأمن القومي العربي. مركز سبأ للدراسات الاستراتيجية .

[10] -راشد حسن . إذاعة العراق الحر تقرير إخباري 12/12/2008

[11] - المصدر السابق

[12] - اللامي علاء . خيار المحكمة الجنائية الدولية . نشرة الحوار المتمدن . العدد 2762

[13] - الربيعي صاحب . نشرة الحوار المتمدن. عدد 2742 بتاريخ 18/8/2009

 

[14] - الدغيلي د.وليد . موقع الإسكوا. الأمم المتحدة . اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا

[15] - نشرة "أخبار تركيا" باللغة العربية .بتاريخ  11/6/2011

الفصل السابع من كتاب " القيامة العراقية الآن ... كي لا تكون بلاد الرافدين بلا رافدين- علاء اللامي - دار الغد - بغداد 2012