بصراحة موجعة: الحل في سد "بخمة" والتدويل الفوري وليس في تانكيات الجنابي! 

نفق من انفاق سد بخمة المعطل

علاء اللامي
إن إنقاذ دجلة لا يتم بتانكيات الجنابي ولا بالطلب تأجيل ملء السد التركي لثلاثة أشهر ولا بتبادل النفط العراقي مقابل الماء نفق من انفاق سد بخمة المعطلالعراقي، بل في إنجاز سد بخمة المعطل، ودعوة مجلس الأمن الى عقد جلسة طارئة وإرسال لجنة تقصي حقائق إلى العراق، وإرغام تركيا على توقيع اتفاقية دولية لتقاسم مياه دجلة والفرات!
نعم، إنقاذ دجلة ممكن جدا، رغم فداحة الإهمال الإجرامي الحكومي العراقي، ولكن إنقاذ دجلة لن يتم بتطبيق نصيحة وزير الموارد المائية "التناكيقراطي" حسن الجنابي بشراء خزانات الماء " التانكيات"، هذا الوزير المتخصص بامتداح (جودة العلاقات مع الجارتين تركيا وإيران، والتي تمر بأفضل حالتها هذه الأيام) كما قال حرفيا، ولا بطلب البرلمان العراقي بغالبيته الفاسدة من تركيا تأجيل ملء سد أوسلو لثلاثة أشهر، فقد أجلت تركيا ملء السد لثلاثة أشهر ولكن المشكلة ظلت قائمة، وحتى لو أجلتها لثلاثة أعوام ستبقى المشكلة قائمة. 
إن مواجهة الكارثة لا تتم بشراء مياه الرافدين بنفط الرافدين، كما كرر أشخاص كثيرون منذ عدة سنوات، وكان آخرهم شخص يدعى عزام علوش، قدمته قناة الشرقية يوم أمس، وظلت تروج لكلامه طوال النهار فهذا الشخص المتعالم والمتحذلق يطالب العراق بإيصال نفطه الى إسطنبول وبأسعار رمزية وتسهيلية، عسى تطلق تركيا بعض مياهنا المحتجزة، جاهلا بأن تركيا فشلت في تسويق المياه العذبة التي جمعتها من أنهارنا إلى إسرائيل والسعودية عبر "قناة السلام" بعد ان انخفض ال سعر الدولي للمتر المكعب من المياه، بعد الاكتشافات الحديثة في تحلية المياه ( طريقة التحلية بالتناضح العكسي RO)، إلى نصف دولار، في حين كان سعره القديم يصل الى أربعة دولارات، أما تركيا فقد حددت دولار ونصف سعرا للمتر المكعب، ومع ذلك يظل هذا السعر مرتفعا كثيرا بالمقارنة مع مياه الآرو (ناقشت هذا الموضوع في أحد فصول كتابي وسأعيد نشر رابط هذا الفصل على حده بعد قليل).
وقد انتكس ذلك المشروع التركي لبيع المياه وتخلت عنه حتى الدولة الصهيونية والسعودية، فانقلبت تركيا الى مشروع استخراج الطاقة الكهربائية من سدودها وبيعها الى دول الجوار، وعزام علوش يريد من العراق الذي هو ضحية عدوان تركيا أن ينقذ مشروعها الفاشل في حين هو قادر بأموال قليله من نفطه على بناء أضخم المصانع للمياه المحلاة وتامين مياه الشرب لو وجدت حكومة "آدمية" من ذوي الكرامة في المنطقة الخضراء!! إن هذا الحل لشراء مياهنا المسروقة بنفطنا والتي تروج له قناة سعد البزاز وغيرها، يعني استسلاما وتطبيقا لشعار رئيس الوزراء التركي الأسبق سليمان ديمريل القائل (الماء للأتراك والنفط للعرب، لهم نفطهم ولنا ماؤنا). 
*كما أن الحل ليس في بتغريدة الصدر التي لا طعم ولا رائحة ولا لون لها والقائلة بـ (المطالبة بعقد اجتماعات لدول الحوض، وتخصيص أموال للوزارات المتخصصة لمواجهة أزمة شح المياه، وتشكيل مجلس خاض بالمياه) فالمشكلة – يا ناس -ليست أزمة شح مياه بل هي كارثة تجفيف أنهار العراق، والمشروع لم يبدأ مع سد أليسو بل مع أول سد عملاق أقامته تركيا على نهر الفرات في السبعينات من القرن الماضي دون تشاور أو تنسيق او معاهدة مع الدول المتشاطئة معها. 
*الحل الحقيقي يكمن في إجبار تركيا بقوة القانون الدولي وجميع الوسائل المتاحة للعراق على عقد اتفاقية دولية مع العراق لتقاسم مياه النهرين، وعلى أن تتخلى عن مزاعمها العنصرية والخارجة على القانون الدولي، والتي مفادها أن النهرين هما نهران تركيان عابران للحدود وليسا نهرين دوليين كما يقول واقعهما الفعلي! الحل إذن في توقيع اتفاقية دولية كهذه مع تركيا وإيران وفي حال رفضهما يجب تدويل الملف ومقاضاة الدوليتين، إيران وتركيا، لأن هذه الشبكات من السدود التركية والإيرانية تهدد بمحو العراق من الوجود، وتجعله صحراء قاحلة. الحل الفوري وعلى المدى القصير يجب أن يبدأ بخروج الحكومة العراقية من حالة الشلل والجبن التي تتلبسها الآن والكف عن المطالبات الغبية والتافهة والتبشير بشراء التانكيات والخزانات من قبل المواطنيين طالما ليس هناك مياه ليضعها المواطن في هذه الخزانات وطالما المياه الى ترتفع الى مستوى متر ونصف. على الحكومة العراقية أن تطلق دعوة رسمية الى مجلس الأمن الدولي لعقد جلسة طارئة لمناقشة هذه الكارثة التي تهدد حياة الملايين من العراقيين، فالتقارير الرسمية تقول إن سبعة ملايين عراقي سينزحون من مناطق سكناهم بحثا عن المياه. كما يجب مطالبة الأمم المتحدة بإرسال لجنة لتقصي الحقائق وفتح ملف تدويل المشكلة على مصراعيه. الحل على المدى المتوسط والبعيد يكمن في شروع العراق الفوري في استكمال سد بخمة المعطل. فماذا يعرف العراقيون وخصوصا ساستهم ومثقفيهم عن هذا السد؟
لقد بدأ العراق ببناء هذا السد في الثمانيات ولكن الحرب مع إيران والحروب التالية والاحتلال الأميركي عرقلت إنجازه ثم جاء رفض مسعود البارزاني لاستكمال انجاز السد ليجمد المشروع تماما. إن القدرة الاستيعابية لهذا السد تصل الى أربعة عشر مليار متر مكعب وإذا أضيف لها 11 مليار متر مكعب في سد الموصل فسوف يؤمن كل الوارد المائي قبل تشغيل سد أليسو من المياه في دجلة، وهي تساوي نصف حاجة العراق السنوية الى المياه.
واضح جدا، أن الحل بيد الدولة العراقية، وهو في الشروع الفوري في العمل لاستكمال بناء هذا السد، والأفضل أن تتولى تشييده شركات تركية متخصصة وذلك لضمان علاقات متوازنة ونفعية متبادلة مع تركيا في موضوع المياه، ولأن الشركات التركية أصبحت متمرسة في هذا النوع من المشاريع، مع استمرار العراق بالدفاع عن حقوقه المائية في حال استمرار تركيا برفض الاعتراف بهذه الحقوق ورفض توقيع معاهدة دولية لتقاسم المياه مع العراق. كما ينبغي وضع ميزانية خاصة ومستقلة وتحت اشراف الدولة الاتحادية لهذا المشروع من ضمنها مبالغ لتعويض أفراد عشيرة برزان المطالبين بتعويضات عن أراضيهم التي ستكون ضمن حوض السد رغم أن النظام السابق كان قد عوَّضهم عنها ولكن لا بأس من تعويضهم تعويضا جيدا يعوضهم عن الإجحاف الذي يشكون منه بسبب التعويضات القليلة كما يقولون والتي استلموها سابقا، وكسبهم إلى جانب المشروع الذي سيعود عليهم قبل غيرهم بالنفع.
هذه فقرات أحسبها مهمة من الفصل العاشر من كتابي القيامة العراقية الآن " وأرجو ان يأخذ القراء بنظر الاعتبار، أن بعض الاستنتاجات والمعلومات الواردة في هذا الفصل قد تغيرت بعض الشيء، أو أصبحت قديمة وتحتاج الى تحديث ولكنها من حيث الجوهر تبقى صحيحة بشكل عام وخصوصا ما يتعلق منها بسد بخمة:
1-(يتفق أغلب الباحثين والمهتمين بالشأن المائي العراقي، على أنَّ أهم المشاريع المائية الاستراتيجية العراقية، مشروعان مهمان لم يتم إنجازهما، على الرغم من المباشرة بتنفيذهما منذ عدة عقود، وهما: مشروع سد بخمة في منطقة بهدينان، ومشروع إملاء و تحلية مياه الثرثار، وهو منخفض طبيعي يقع غرب مدينة سامراء وعلى بعد(65)كم شمال غرب بغداد. ملاحظة: سأقصر كلامي على سد بخمة فقط في هذا المنشور)
2-(مما يبعث على التفاؤل والثقة، أنّ مصادر مياه المشروعين هي عراقية بنسبة كبيرة وتأتي من الروافد والأنهار الداخلية. وعلى هذا، يمكن اعتبار إنجازهما قاعدة صلدة وحائطا مكينا يستند إليه العراق في دفاعه عن وجوده، مع وجوب الاستمرار في خوض معركته الكبرى والمصيرية لمواجهة المشاريع والأخطار المحدقة المذكورة، والدفاع عن حقوقه بكل الوسائل الممكنة).
3-بالعودة إلى التعريف بسد بخمة، نعلم أنه أكبر سدّ في العراق، ورابع سد على مستوى العالم، يقع قرب قضاء عقرة في منطقة بهدينان. وتعود محاولة وضع الدراسات الأولية له، والبحث في جدواه الاقتصادية إلى الثلاثينات من القرن الماضي أي خلال العهد الملكي. وقد كُلّفت شركة "هرزا" الهندسية الأميركية عام 1953، بتدقيق الدراسات الجيولوجية لموقع السد، وتنفيذ تصميم سد ثقلي بطول 500 متر. وقد قدرت إجمالي تكاليف السد آنذاك بـ 1.485 مليار دولار أمريكي، ونعتقد أن المبلغ المقصود يقارب المليار ونصف المليار دولار أميركي. شرعت شركتا "إنكا" التركية، و "هيدروغرافينيا" اليوغسلافية، بتنفيذ المراحل الأولى منه من العام 1987 حتى العام 1991، ونفذتا ما نسبته 34 إلى 35% من السد، وتوقف العمل في المشروع في حزيران سنة 1991، نتيجة تداعيات حرب الخليج الثانية، والانتفاضة الشعبية العراقية في ربيع 1991، وخروج معظم إقليم كردستان العراق من سيطرة الحكومة المركزية، فنُهبت معدات الشركتين المنفذتين ، من قبل جهات مليشياوية تابعة للأحزاب القومية الكردية، وبيعت إلى إيران فاضطرت الحكومة العراقية لتعويض خسائر الشركتين التركية واليوغوسلافية فيما بعد بمبالغ طائلة. وبعد احتلال العراق، وقيام حكم جديد، كلفت عدة لجان فنية عراقية وأجنبية سنة 2005 لإعادة دراسة تصاميم المشروع لاستكمال مراحله المتبقية، وقفزت التكاليف المالية اللازمة بنحو ثلاثة مليارات دولار، ثم ارتفع المبلغ في أواخر العام 2007 إلى خمسة مليارات دولار حين وافق مجلس الوزارة الاتحادي على تخصيص هذا المبلغ الذي يعادل أربعة أضعاف المبلغ التخميني الأول. ومع ذلك، لم يتم إكمال بناء المشروع نتيجة التدخلات السياسية وغير الفنية.
4-يقع السد قرب بلدة شقلاوة، ويبعد عن الحدود الإيرانية مسافة 40 كم، على رافد الزاب الأعلى، أحد روافد نهر دجلة في العراق. طول سد "بخمة" 480 مترا وعرضه 128 مترا وارتفاعه 186 مترا، ويهدف لتخزين المياه وري سهول أربيل وإنتاج الطاقة الكهرومائية والحد من تأثير الفيضانات الطارئة. الاستيعابية والتخزينية لسد بخمة، إذْ يقدرها وزير الموارد المائية العراقي الأسبق بنحو 14.4 بأربعة عشر وأربعة بالعشرة مليار متر مكعب.
5-بعد الاحتلال سنة 2003، أثيرت العديد من الشكوك والاعتراضات على المشروع، وطالبت السلطات الكردية بإنقاص كمية المياه المخزونة إلى حد غير مقبول، وزعمت أنه سيشق الإقليم إلى جزأين منفصلين وسيغرق عشرات القرى ومساحات واسعة من الأراضي التي تعود لعشيرة بارزان. ويبدو أنَّ الأسباب السياسية، وتلك المتعلقة بالتعويضات عن الأراضي التي سيقوم عليها خزان السد والعائدة لمالكين من عشيرة برزان، هي التي عرقلت ثم حالت دون الشروع مجدداً وفعلياً في العمل على إنجاز هذا السد. ولابد من حسم هذا الملف وإطلاق عملية بناء السد فورا ودون إبطاء بعد تعويض مجز للبارزانيين وغيرهم من أهل المنطقة فهم مواطنون عراقيون لهم الحق في التعويضات دون إجحاف من الدولة أو ابتزاز من قبلهم.
*الصورتان للنفق الضخم لسد بخمة المعطل الذي انجزته الشركتان اليوغسلافية والتركية جزءا مهما منه ولكنه عطل قبل أكثر من عقدين لأسباب سياسية وهو الآن مهمل بعد ان نهبت معداته وآلياته وفي الصورة الثانية يبدو مسلحون كرد في حراسته ومسؤولون في زيارته.
*الفصل العاشر من كتاب " القيامة العراقية الآن": سد بخمة ومشروع الثرثار كفيلان بإنقاذ دجلة:

http://www.albadeeliraq.com/node/1264
*رابط يحيل الى الفصل السابع من كتاب " القيامة العراقية الآن " وعنوانه " بيع المياه و "الكهرومياه" من قبل تركيا وإيران" :

http://www.albadeeliraq.com/node/1265
*رابط يحيل الى مقالة جديدة لي نشرت في الأخبار اللبنانية حول الكارثة في التعليق الثالث.

https://www.al-akhbar.com/Opinion/251392/%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7-%D8%AA%D9%82%D8%B7%D8%B9-%D9%85%D9%8A%D8%A7%D9%87-%D8%AF%D8%AC%D9%84%D8%A9-%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D8%AE%D8%B7%D8%A9-%D8%B9%D9%85%D9%84-%D8%B7%D8%A7%D8%B1%D8%A6%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%A5%D9%86%D9%82%D8%A7
#بلاد_الرافدين_خطر_الزوال