نصف قرن من التجاوزات العدوانية الإيرانية

 علاء اللامي

الفصل الخامس من كتاب " القيامة العراقية الآن ... كي لا تكون بلاد الرافدين بلا رافدين- علاء اللامي - دار الغد - بغداد 2012                              

  الفصل الخامس :  نصف قرن من التجاوزات العدوانية الإيرانية

 يشكك بعض السياسيين العراقيين الموالين لإيران، وبعض المتابعين للشأن المائي، في وجود  أيِّ دور لإيران في التجاوزات العدوانية على أنهار العراق وبيئته، أو على الأقل فهم يقللون من شأنه، إنْ اعترفوا بوجوده على مضض، ويوجِدون له التبريرات، شأنهم في ذلك شأن "زملائهم" من الموالين لتركيا، الذين يفعلون الأمر ذاته في ما يخص الدور التركي. لقد عبر البعض من سياسي وكتّاب النوع الأول عن رأي مفاده أنَّ محاولة الزج بإيران في هذا الموضوع هدفها خلق موازنة زائفة بين إيران وتركيا لتفادي إثارة  غضب الطرف المقابل، وهذا رأي سطحي ولا يصمد أمام لغة الأرقام والوقائع الموثقة.

صحيح أنّ خطورة المشاريع المائية الإيرانية، من حيث الكميات المحجوزة والمصادرة من مياه روافد دجلة وشط العرب، والتي تشكل ما نسبته 11.8% من مجموع الوارد المائي السنوي للعراق، لا ترقى إلى مستوى خطورة ما تلحقه المشاريع والسدود التركية العملاقة من أضرار فادحة بالعراق وأنهاره، ولكنَّ الحقائق ينبغي أنْ تقال، بغض النظر عن الفروق في أرقام الكميات، ومن ذلك: إنَّ إيران تمارس تجاوزات ترقى إلى درجة العدوان  على العراق وأنهاره وبيئته. لهؤلاء المشككين والمقللين من مستوى الضرر الإيراني ولغيرهم نسرد الحقائق الموثقة الآتية والتي وردت في مقالات ودراسات في صحف ومجلات ووسائل إعلام عراقية وغير عراقية. لقد أقدمت إيران ومنذ عدة عقود على التجاوزات العدوانية الآتية:

-      تجفيف مياه نهر "ألون" بعد أن أقدمت السلطات الإيرانية على تغيير مجراه لتبقى مياهه محصورة في عمق الأراضي الإيرانية. وعليه، فإنَّ تجفيفه يعتبر بمثابة قطع لشريان الحياة الرئيس عن مدينة وقضاء خانقين، وعن العديد من القرى والقصبات الواقعة على طرفي مجرى هذا النهر. وعلى مدى العقود الماضية، سعت إيران مراراً لتجفيف مياه هذا النهر بشتى السبل، وفي عهد رئيس الوزراء العراقي الأسبق ومؤسس الجمهورية العراقية الراحل عبد الكريم قاسم، عمدت إيران إلى منع تدفق مياه هذا النهر باتجاه العراق، فأمر قاسم على الفور بشق فرع من نهر "سيروان" المجاور بطول 41 كيلو مترا وبعمق 5 أمتار وتوجيه مياهه نحو بلدة خانقين، ولم يستغرق المشروع الذي أنقذ البلدة وأهلها من الجفاف والقحط سوى ستة أشهر.

-      أقامت إيران سداً ضخماً على نهر القارون، الذي يسميه الجغرافيون العرب القدماء نهر "المسرقان"، وحجبت مياهه تماما عن شط العرب. وبصدد هذا النهر قالت السلطات الإيرانية في زمن الشاه أو خلفائه "الجمهوريين الإسلاميين" إنَّ هذا النهر إيراني من المنبع إلى المصب على اعتبار أنه يجري في الأراضي الإيرانية ويصب في الضفة الشرقية لشط العرب الذي يطلق عليه القوميون الفرس المتشددون اسم " أورند رود"، وتعني النهر العظيم، وقد فنَّد المفكر العراقي الراحل هادي العلوي هذه الترهة تفنيداً تاريخياً ولغوياً في مقالة نشرها في تسعينات القرن الماضي في صحيفة دورية هي "الغد الديموقراطي".

والواقع فإنَّ القول بأنَّ نهر القارون نهر إيراني صحيح نسبياً، فهو ينبع من أراض إيرانية ويجري فيها حتى مصبه في شط العرب، ولكن شط العرب ذاته نهر عراقي، يتشكل عند التقاء الرافدين العظيمين في "القرنة" ويصب في الجزء العراقي من "الخليج العربي الإيراني"، أما تنازل صدام حسين لشاهنشاه إيران عن ضفته الشرقية بموجب اتفاقية الجزائر سنة 1975، مقابل رأس حركة التمرد الكردية بقيادة الملا مصطفى البارزاني، فهي مجرد صفقة سياسية انتهازية بين دكتاتورين ونظامين زالا من الوجود، ومن المعيب أن يتشبث بها من يصفون أنفسهم بالثوار الإسلاميين والجمهوريين والديموقراطيين الذي ثاروا ضد محمد رضا  بهلوي وصدام حسين. وعلى ذلك، ينبغي  ألا تترتب على هذه الصفقة السياسية المجحفة بحقوق العراق أية حقائق جغرافية جديدة، وإذا أصرت إيران على اعتبار نهر القارون إيرانياً وقطعت مياهه عن مصبه الطبيعي في شط العرب، فسيكون من حق العراقيين إلغاء اتفاقية الجزائر واعتبار شط العرب نهرا عراقيا مائة بالمائة كما كان منذ قديم الزمان وكما هو في واقعه وحقيقته الجغرافية[1]بعد أنْ قطعت إيران 30% من الوارد المائي عنه وأصبحت مساهمتها فيه صفرا.

-      نفذت إيران مشروعاً كبيراً وخطيراً يتمثل في تغيير مجرى نهر "سيروان" الذي يمر من بين وديان عميقة داخل الأراضي الإيرانية، وذلك بواسطة حفر نفقين طويلين في أحد الجبال التي تحاذي مجرى النهر، بهدف تحويل المياه من خلالهما باتجاه المناطق الواقعة خلف مدينة جوانرو الكردية لتنتهي إلى مصبات داخل الأراضي الإيرانية. وفي حال استكمال هذا المشروع الخطير، فإن نهر سيروان سيغدو هو الآخر أثراً بعد عين. والغريب، إنَّ إيران لم تعلن حتى الآن رسميا عن غايتها من تجفيف مياه نهر ألون، كما أنَّ السلطات العراقية وحكومة إقليم كردستان لم يصدر عنهما أي رد فعل أو موقف رسمي حيال ما يعتبره العديد من المحللين والمتابعين للشأن العراقي إعلاناً لحرب المياه من جانب إيران، بل أنَّ  ملا بختيار، المتحدث الرسمي باسم حزب الطالباني، أعلن أنّ الأمر لم يصل بعد إلى حد إعلان حرب المياه، ويبرر هذا النمط من المشاريع التي تتبناها إيران وتركيا فيقول إنَّ ( إقامة السدود على تلك الأنهر الصغيرة هو جزء مهم من المخططات الإستراتيجية لتلكما الدولتين).

-      أما عون ذياب مدير إدارة الموارد المائية في العراق فقد قال إنَّ "السلطات الإيرانية بدأت منذ عام 2002، بإقامة سدود على نهر القارون، ما أدى إلى تراجع كمية المياه، ثم ما لبثت أنْ أغلقت النهر في شكل كامل في العام الحالي/ التصريح مؤرخ في 4/ 9/2009 ، وتحويل مجراه إلى نهر "بهمن شير". ويتابع ذياب   " إنَّ إيران استخدمت شط العرب حالياً مكباً لنفايات المصافي ومياه الصرف الصحي ما أسفر عن تلوث كبير وارتفاع نسبة الملوحة"، وحذر المتحدث  من "كارثة بيئية" في شط العرب ومحيطه.

-      من جهته، قال نعمة غضبان منصور، رئيس بلدية منطقة السيبة في البصرة: "كانت فضلات مصفاة عبادان الإيرانية التي تلقى في شط العرب لا تؤثر في المياه والبيئة في السابق لأنَّ مياه نهر القارون تدفع بها إلى الخليج، لكنَّ تحويل مجرى هذا النهر أسفر عن تراجع نسبة المياه وتراكم النفايات".

لقد سكتت حكومات العراقية المتعاقبة، و معها الأطراف السياسية المتحالفة معها في البرلمان وفي جميع الهيئات الرسمية والشعبية على هذا العدوان الإيراني الواضح والثابت والمتمادي والذي لا يختلف من حيث الجوهر والأضرار عن مثيله التركي في استهانته بدماء وأرواح العراقيين وبوجود بلدهم الكياني ذاته، وهذا أمر لا يمكن السكوت عليه، بل وجدنا بعض الأطراف الكردية تلتزم هذا الصمت المريب ذاته، وتطرح التبريرات اللاوطنية له.

لقد بلغ هذا السلوك الغريب والمرفوض من حكومة المحاصصة  ذروته قبل فترة في محاولة لعلاج النتائج وليس الأسباب. فقد أعلن محافظ البصرة السابق شلتاغ عبود أنَّ رئيس الحكومة  خصص مبلغ مليار دولار للقيام بمشاريع عاجلة وأخرى بعيدة المدى لمعالجة زيادة الملوحة والتلوث الخطير اللذين تتسبب بهما إيران في شط العرب. أما الكلام الطويل عن التعاون والتنسيق بين الحكومتين العراقية والإيرانية فهو لا يعدو كونه كلاما فارغا لا قيمة أو مصداقية له قال عنه باحث عراقي (أما فيما يتعلق بالجانب الإيراني فإنَّ التعاون محصور في تبادل الزيارات ولم يلمس العراق تحولا عن سياستها الهادفة إلى منع المياه عن نهر ديالي الذي أصابه الجفاف)[2].

إنها لفضيحة سياسية ضخمة للحكومة العراقية حين تسكت دهراً على العدوان الإيراني الذي تمثل بقطع مياه الأنهر الصابّة في العراق وبإغراق شط العرب بالنفايات الكيمياوية الإيرانية، ثم تتبرع بمعالجة تلك النفايات بأموال الشعب العراقي.

تفاصيل أخرى عن هذا الشأن نجدها في بحث مفصل للكاتب المصري أحمد الشيمي حول "حروب المياه القادمة "، والتي نفضل للدقة تسميتها "القائمة" وليس "القادمة"، ومنه نقتبس الفقرة الآتية بخصوص مشاريع إيران المائية  ( وكما هو الحال مع الجارة تركيا، يوجد عدد من الأنهار الصغيرة التي تنبع في إيران وتصب في العراق، منها نهر كنكير في مندلي، وكنجام في زرباطية وبدرة، الوند في خانقين، والطيب وديوريج والعمية في ميسان، لكن التعنت الإيراني وقيامها بتحويل هذه الأنهار نحو الداخل الإيراني وإقامة السدود على بعضها، وأيضاً، إلغاء طهران لاتفاقية عام 1975 والتي تنص على تقاسم المياه بين الجانبين، أدى ذلك كله إلى حرمان العراق من 70 % من حقوقه في هذه الأنهار).[3]

مقالة أخرى أكثر تفصيلاً وتوثيقاً للكاتب العراقي صاحب الربيعي بعنوان "حرب المياه بين العراق وإيران. الدوافع والأسباب "[4] نخصه بوقفة استعراضية وتحليلية لأهميته ودقة المعطيات الواردة فيه معلقين على الاستنتاجات السياسية التي ينثرها الكاتب بين ثنايا مقالته.

يُجْمِل الربيعي الممارسات الإيرانية في تحويل مجاري الأنهار منذ الستينيات من القرن الماضي في تغيير مسارات عدد منها خاصة في المنطقتين الوسطى والجنوبية من العراق، ويذكر أنَّ  هناك 18 نهراً أساسياً تصريفها المائي يبلغ 7 مليارات م3 تنبع من غرب إيران لتصب في الأراضي العراقية وباشرت بتحويل بعض الروافد الأخرى في المنطقة الشمالية من العراق صحيح أن هذه الكمية صغيرة مقارنة بالكمية الواردة لنهري دجلة والفرات من روافدهما من تركيا ولكنها مع ذلك تبقى شديدة الأهمية لمناطق الشمال الشرقي من العراق نزولا حتى محافظة واسط جنوب العاصمة بغداد، ومن تلك الأنهار يذكر الكاتب:

-نهر الوند : سنة 1951، شقت السلطات الإيرانية قناة من هذا النهر، دون موافقة أو مشاورة العراق، لإرواء أراضي زراعية محاذية للحدود العراقية. وتمكنت فعلاً من  إنجاز الجزء الأول من هذه القناة ابتداءً، وتلاه القسم الثاني البالغ طوله 11 كم، وعرضه 6 أمتار، وعمقه 4 أمتار، وبهذا العمل تمكنت إيران من الاستيلاء على ما  نسبته 60% من مياه النهر.

ويضيف الربيعي، أنَّ الحكومة العراقية احتجت ( على الإجراءات الإيرانية بمذكرتين بتاريخ 28/ 9 / 1953 و 12/ 4/ 1954 ورغم ذلك استمرت إيران في مساعيها لتحويل مياه نهر الوند، وبتاريخ 28/ 2 / 1959 احتج العراق للمرة الثالثة بتوجيه مذكرة إلى السفارة الإيرانية في بغداد التي جاء فيها: إنَّ الحكومة العراقية لا يمكنها الدخول في أية مفاوضات تتعلق برسم الحدود مع إيران دون التفاوض على توزيع حصص المياه في الأنهار المشتركة. وفي حال إصرار الحكومة الإيرانية على تنفيذ مشروع تحويل مجرى نهر الوند سيضطر العراق لاستخدام الطرق القانونية الدولية لضمان حقوقه). ويبدو أنَّ التهديد الحكومي العراقي "باستخدام الطرق القانوني الدولية"، ظل حبرا على ورق، ولم يجد تجسيده على أرض الواقع وهكذا ضيَّع العراق فرصة تسجيل ( سابقة قانونية ضد الإجراءات الإيرانية المنافية للقوانين الدولية، وحل النزاع المائي عبر التحكيم الدولي في حينه)[5].

وعن  نهر "كنجان جم"، يُعْلِمنا الكاتب أنه ينبع من مرتفعات  "بشتكوه" الإيرانية، ويجري باتجاه الجنوب الغربي نحو الأراضي العراقية على امتداد 20 كم، أي من علامة الحدود المرقمة (22 ـ 31) وعبر خط الحدود في منتصف النهر، ثم يصبح بعد هذه العلامة نهراً عراقياً يجري باتجاه قضاء بدرة وتستمد ناحية زرباطية ومزارعها المياه من جداول تتفرع من ضفة النهر اليمنى في المنطقة الواقعة بين علامتي الحدود المرقمتين (31 ـ 32)، بينما تستمد القرى والمزارع الإيرانية مياهها من جداول تتفرع من ضفة النهر اليسرى، يشكل منتصف النهر خط الحدود الفاصل بين البلدين وتحديداً في المنطقة الواقعة شرقي  قضاء بدرة. وتتفرع من الجانب الغربي من النهر عدة قنوات وترع لري بساتين ومزارع ناحية "زرباطية". وللاستيلاء على مياه هذا النهر،  شرعت الحكومة الإيرانية في العام 1932 بشق قناة من نهر "كنجان جم" لري أراضي مهران. بالإضافة إلى ذلك، أنشأت سداً ترابياً في منتصف النهر وتم استغلال كامل مياه النهر، ومع الزمن أدت هذه الإجراءات الإيرانية إلى جفاف النهر بالكامل. علماً بأنَّ هذا النهر هو نهر دولي بكل معنى الكلمة، وبحسب التعريف القانوني السائد قديما للنهر الدولي، لأنه يشكل فعلاً حدوداً طبيعية بين بلدين. و حين يتساءل المرء عما قامت به السلطات العراقية في هذا الصدد وما هي الإجراءات أو ردود الأفعال التي صدرت عنها دفاعا عن نهر دولي تم تجفيفه بالكامل، فلن يجد جوابا شافيا على تساؤله.

نتيجة لتلك الإجراءات وما تبعها ( في شتاء عام 1961 ) من استخدام تعسفي للمياه في إيران، برزت مشكلة شح المياه في ناحية زرباطية وإلى هجرة قسم من سكانها وتدهور الأراضي الزراعية. تحركت أخيراً وزارة الخارجية العراقية آنذاك وأرسلت ( مذكرة رسمية برقم 98/89 / 75294 والمؤرخة في 27/1/ 1961 إلى السفارة الإيرانية في بغداد جاء فيها: إنَّ نهر كنجان جم، يعتبر نهراً دولياً ولا يجوز التصرف بمياهه من جانب واحد، فضلاً عن التعامل القديم بشأن تقسيم مياه النهر قد جعل حصة ناحية زرباطية 3/5 " ثلاثة أخماس" وحصة أهالي مهران الإيرانية 2/5 " خُمْسَين" وأن مزارع زرباطية وبساتينها التي غرست منذ مئات السنين تروى وفقاً للحصص المائية المقررة، ما يدلل على الحقوق المائية المكتسبة للعراق. كما أشارت المذكرة، إلى خطورة هذا العمل الذي تقوم به السلطات الإيرانية، وما يؤدي "إليه" من أضرار بالغة بالسكان، الذين يتعرضون لخطر الموت عطشاً، وبمزارع وبساتين زرباطية وما جاورها من قرى الأمر الذي لا يتفق وعلاقات حُسن الجوار بين البلدين)[6].

وقد سارعت حكومة الجمهورية العراقية الفتية، وبالضبط في سنة 1962 إلى القيام بمحاولة تفادي الأضرار التي سيحدثها الإجراء الإيراني، فمدَّت قناة من نهر دجلة باتجاه قضاء بدرة وجصان وزرباطية لتعويضها عن النقص الذي لحق بها، بعد قطع سلطات الجارة إيران نهر كنجان جم .

- نهر وادي كنكير: قامت إيران، وعلى مراحل، باستغلال مياه النهر بشكل تعسفي، مما أدى لانخفاض جريانه باتجاه الأراضي العراقية خاصة في موسم الصيف. بالإضافة إلى ارتفاع نسب التلوث المائي والتي قدرت بنحو 2500 جزء في المليون، وعمدت الحكومة العراقية لدراسة مشروع جر المياه إلى قضاء مندلي من نهر ديإلى بعد ما طالت النهر الإجراءات الإيرانية غير المبرَّرة.

- نهر قره تو: يدخل الحدود العراقية عند قرية "طنكي حمام"، بعد اجتيازه مناطق سهلية إيرانية، وتصب فيه عدة روافد صغيرة بعد دخوله الأراضي العراقية. انقطع مجرى النهر تماماً عن قرية "قره تو" جراء المشاريع الإيرانية، مما أدى إلى أضرار فادحة بالأراضي الزراعية على الجانب العراقي. وجهت وزارة الخارجية العراقية بتاريخ 30 / 6 / 1962 مذكرة إلى السفارة الإيرانية في بغداد تحتج فيها على تلك الإجراءات غير القانونية التي تنتهجها الحكومة الإيرانية بشأن الأنهار المشتركة ويبدو أنَّ الأمر توقف عند هذا الحد.

- نهر دويريج: ينبع من المرتفعات الإيرانية، ويدخل الحدود العراقية قرب "مخفر الفكة" العراقي في المنطقة المعروفة بهذا الاسم، والتي حاولت السلطات الإيرانية الاستيلاء على حقل نفطي كبير فيها واقتحمتها قواتها المسلحة بتاريخ 18 كانون الأول 2009 ثم انسحبت منها. بعد ذلك،  يتجه نهر دويريج غرباً، ويصب في "هور المشرح" داخل الأراضي العراقية. وقد قامت السلطات الإيرانية بتاريخ 6/ 3 / 1966 بإنشاء سد ترابي على مقطع مجرى النهر، في الموقع المسمى "كَبة هشال" على مسافة خمسة كيلو مترات تقريباً من مخفر الفكة العراقي، وتسبب بقطع المياه التي تجري إلى الأراضي العراقية.

- نهر كرخة : ينبع من المرتفعات الإيرانية، ويصب في "هور الحويزة" في موسم الفيضان.  أقامت الحكومة الإيرانية بتاريخ 6 / 12 / 1961 مجموعة من السدود على نهري "القارون" و "الكرخة" لأغراض توليد الطاقة الكهرومائية. وقد احتج العراق، بتاريخ 16 / 12 / 1961 على الإجراءات الإيرانية عبر مذكرة أرسلت إلى السفارة الإيرانية في بغداد التي جاء فيها: إن السلطات الإيرانية، أقامت سدة قاطعة على نهر الكرخة في منطقة السعان ( سن العباس ) التي تقع شمال منطقة "الحميدية" وعلى مسافة 6 كم منها، وتبعد عن الحدود العراقية مسافة 64 كم، ويبلغ طولها 150 م وتحتوي على ست فتحات مجهزة بأبواب حديدية وتهدف لحجز مياه النهر.

كما تمَّ شق سبعة جداول في مقدمة السد لإرواء الأراضي الواقعة على جانبي نهر كرخة. مع الإشارة إلى أن معظم تلك الروافد قد جفت، ليس بفعل الإجراءات الإيرانية فقط، وإنما بفعل السياسات الطائشة للحكم العراقي في عهد نظام الرئيس السابق صدام حسين الذي عمد إلى تجفيف أهوار الجنوب العراقي لأغراض سياسية وأمنية.

 - نهر الطيب : ينبع من الأراضي الإيرانية، ويدخل الأراضي العراقية في منطقة "جمشة ليلة" ثم يسير النهر بمحاذاة الحدود لمسافة 2 كم تقريباً، ثم يتجه نحو الأراضي العراقية المسماة بأراضي الجزيرة الواقعة شرق مدينة "العمارة" ويصب في هور المشرح، أقامت السلطات الإيرانية سداً على نهر الطيب عند منطقة "دهلون" مما أدى إلى أضرار بالغة بالأراضي الزراعية في العراق.

- نهر هركينه : يعتبر النهر وروافده، الخط الحدودي الفاصل بين العراق وإيران، وقد قامت الأخيرة بشق عدة قنوات على النهر لسحب مياهه نحو الأراضي الإيرانية، ما أدى إلى نقص شديد في المياه الواردة إلى الأراضي العراقية.

-  نهر زرين جوي الكبير : يروي هذا النهر الأراضي الواقعة على جانبي حدود البلدين لمسافة 2 كم. وقد أقامت إيران ثلاثة سدود على النهر، وانقطعت المياه الواردة نحو الحدود العراقية بسبب التعسف في استخدام مياه النهر من قبل السلطات الإيرانية.

-  نهر القارون : ينبع من مرتفعات " بختياري" الإيرانية، ويصب في شط العرب عند ميناء "خرمشهر". ويبلغ معدل تصريفه السنوي نحو 20 مليار م3، وقد سيطرت الحكومة الإيرانية على النهر وروافده منذ العام 1962، وشيدت سد " محمد رضا بهلوي" على نهر "دز" أحد فروع نهر القارون لأغراض الري وتوليد الطاقة الكهرومائية، وقد أثر هذا السد على كمية المياه الواردة إلى شط العرب لاسيما في فصل الصيف.

يبلغ طول النهر الإجمالي 890 كم، ويعتبر من أهم وأغنى الأنهار الإيرانية، وسعة حوضه كبيرة جداً. وقد جرت قبل سنوات دراسات عدة لاستغلال مياهه، من خلال إقامة عدد من السدود لتخزين المياه. ومن أهم السدود المقامة على النهر هو ( قارون 1 ) شمال شرقي مدينة "مسجد سليمان" بطاقة تخزينية قدرها 3 مليارات م3، وإنتاج طاقة كهرومائية تقدر بـ 4100 مليون كيلو وات ساعة في العام.

أما سد "القارون 3" فيروي نحو 60 ألف هكتار، وفيه محطة كهرومائية بطاقة تصل لنحو 2000 ميغا وات، وعند إكمال كافة السدود المقررة على نهر قارون فسينقطع تماما وصول مياهه إلى شط العرب.

وتجدر الإشارة إلى أنَّ بعض روافد نهر القارون، تصب في الأراضي العراقية، وقامت إيران من خلال مشاريعها المائية على نهر القارون بتحويل تلك الروافد  نحو الأراضي الإيرانية بزعم الاستفادة منها لتطوير المساحات المروية في غرب إيران. ولكن تلك المزاعم والحجج سقطت إبان التسعينات من القرن الماضي حين عرضت إيران بيع مياه نهر القارون على دولتي قطر والكويت وذلك من خلال مدِّ أنابيب تحت مياه الخليج لتزويد الدولتين بالمياه وأطلق على المشروع "مياه الإيمان"وقدرت كلفة المشروعين على الجانب القطري بنحو 15 مليار دولار وعلى الجانب الكويتي بنحو  مليار ونصف المليار دولار.

يجمل الربيعي الإضرار التي لحقت بالعراق جراء السياسات المائية الإيرانية المعادية في (انخفاض التدفق المائي من روافد نهر دجلة التي تنبع من الأراضي الإيرانية بنسبة تتراوح بين ( 60 – 70 ) في المائة. و تقلص المساحات الزراعية في حوض نهر دجلة نتيجة نقص المياه خاصة المساحات الزراعية القريبة من الحدود بين البلدين. كما أنَّ مياه روافد نهر دجلة الجارية من إيران لرفد نهر دجلة في العراق لا تغدو سوى تصاريف مائية ذات تراكيز عالية من الأملاح تسيء لإجمالي مياه نهر دجلة على طول المجرى وتسبب تملح الترب الزراعية نتيجة ريها بمياه مالحة. أما التراكيز العالية للأملاح في مياه نهر دجلة فقد أثرت سلباً على أداء تقنيات الري الحديثة المعتمدة في بعض المناطق خاصة أجهزة الرش والتنقيط نتيجة انسدادها بالأملاح).

ويضيف الكاتب أنَّ ( تحويل روافد نهر دجلة على طول الحدود البالغة 1200 كم مما أدى لتصحر الأراضي الزراعية وخروجها من حيز الإنتاج الزراعي، وانعكس سلباً على تدفق المياه نحو الأهوار في جنوبي العراق، و تحديداً "هور الحويزة"، وأدى لاختلال المناخ المناطقي وهبوب عواصف رملية أضرت بالمساحات الزراعية. وقد أدى نقص إيرادات المياه نحو شط العرب إلى اختلال العلامات الحدودية للمياه الإقليمية العراقية، خط الثالوك – خط العمق، مما أثر سلباً على الموانئ العراقية ومراسي السفن وزاد من مساحة المياه الاقليمية الإيرانية وعلى حساب العراق )[7].

أما ربط الكاتب للمشاريع الإيرانية بنوايا انفصالية لدى القيادات الكردية، ومحاولة إيران إيجاد شريط حدودي من أراض جرداء وخالية من السكان، فهو، وإنْ كان غير مستبعد في ضوء السلوك القومي الإيراني المتشدد و المعادي لحقوق الأمة الكردية المشروعة في تقرير المصير، ولكن طرحه بهذه الصورة قد لا يخلو من المبالغة في دور وتأثير هذا الشريط المفترض على المشاريع الكردية والإيرانية المستقبلية.

وأخيرا، فالكاتب يفترض وجود  مجموعة من المطالب التي تريد السلطات الإيرانية تنفيذها من قبل نظيرتها العراقية، عبر استعمال الضغط بالورقة المائية، وأغلبها ذو طابع سياسي، كإنهاء وجود منظمات مسلحة معادية للنظام في طهران كحزب الحياة الكردي الإيراني" بيجاك"، ومنظمة مجاهدي خلق، وإنهاء الاحتلال الأميركي للعراق و عدم الاعتراض على أجندة إيران داخل العراق لمواجهة أجندة الدول الإقليمية المنافسة لإيران، و ضمان كافة المصالح الإيرانية. والواقع فإنّ العلاقة غير سببية بين هذه المطالب التي تعلنها إيران بين الفينة والأخرى ونجحت في تحقيق بعضها فحتى على افتراض تحقيق هذه المطالب والتي لم يتبقَ منها سوى مطلب طرد منظمة "بيجاك " الكردية، فإن العدوان الإيراني المائي على العراق لن يتوقف كما تؤكد جميع المؤشرات، وهذا بحد ذاته - كما نعتقد - دليل دامغ على أمرين : أولا، عدم وجود علاقة سببية طبيعية بين هذه المطالب و واقع التجاوزات العدوانية، وثانيا، فهي دليل على تمادي واستمرار تلك التجاوزات العدوانية الإيرانية سواء وجدت هذه المطالب أو لا. أما مطلب إنهاء الاحتلال الأميركي فهو ليس مطلبا إيرانياً، بل وقد يبدو من المثير للسخرية  اعتباره كذلك، خصوصا وأنَّ دور إيران لم يكن مناوئاً أو رافضاً أو متصديا لعملية غزو واحتلال العراق، إن لم يكن مسهلا ومساعدا بشكل ما، وهذا أمر لم يعد بحاجة إلى مزيد براهين أو أدلة وقد اعترف به أقطاب الحكم في إيران.

في ختام مقالته، يقترح الكاتب مجموعة من الإجراءات ينبغي على الحكومة العراقية بعضها سياسي والآخر فني، وهي مطالب قابلة للنقاش وبعضها مفيد يَنُمُ عن حرص و إلمام جيد بالموضوع، ولكننا توقفنا باستغراب واستهجان عند مطالبة صاحب الربيعي الحكومة العراقية بتفعيل ( بنود الاتفاقية الأمنية مع أمريكا والتي تنص في أحد بنودها بتعهد الولايات المتحدة الامريكية بحماية الأراضي العراقية والحفاظ على سيادته من العدوان الخارجي). ونعتقد بأنَّ هذا المطلب المرفوض جملة وتفصيلا من المنظار الوطني، أخلَّ كثيرا بالقيمة العلمية وبتوازن المقالة  التي بذل الربيعي جهدا واضحا فيها، ولكنه للأسف جعل خاتمتها معاكسة ومناقضة لأي مفهوم وطني مناهض للاحتلال، فكيف يمكن يا ترى الاستعانة بالمحتلين الأميركيين الذين دمروا العراق وقتلوا مئات الالاف من أبناء شعبه على عدوان إيران وتجاوزاتها ضد أنهار العراق وثرواته المائية؟ كيف ننتظر من طرف مارس أكبر عدوان على العراق في تاريخه التصدي للدفاع عنه بوجه تجاوزات إيران المائية؟

الخلاصة :

تقوم السلطات الإيرانية منذ عهد الشاه وحتى الآن، بتجاوزات خطيرة ترقى إلى درجة العدوان على أنهار ومياه العراق. هذه التجاوزات يشكك بها، أو يسكت عنها بعض السياسيين والخبراء العراقيين الموالين لإيران، أو، على الأقل، فهم يقللون من شأنها ومن شأن مسؤولية السلطات الإيرانية، إنْ اعترفوا بوجودها على مضض لأسباب ذات أبعاد طائفية. ورغم أن الأمر يتعلق بما نسبته 11.8% من مجموع الإيراد المائي السنوي القادم من إيران إلى العراق ولكنه أثر سلباً وبحدة على مناطق شرق البلاد. من الأمثلة على تجاوزات إيران على العراق نذكر:

- حفر نفقين جبليين ضخمين لنقل مياه نهر "سيروان" إلى الداخل الإيراني. إقامة سد ضخم على نهر القارون "المسرقان" وقطع مياهه عن العراق بحجة إرواء مناطق زراعية داخل إيران وتبين فيما بعد أنَّ هناك صفقات لبيع مياهه لقطر والكويت عبر أنابيب تمد تحت مياه الخليج.

- تلويث وحجب معظم مياه نهر وادي كنكير.

- قطع مياه نهر "قره تو" تماما .

-إقامة سد ترابي ضخم على نهر "دويريج" الصّاب في "هور المشرح" وقطع مياهه عن العراق.

- قطع مياه نهر "كرخة" بعد بناء عدة سدود عليه.

-إقامة سد على نهر الطيب وقطعه عن العراق .

-شق عدة قنوات تأخذ مياهها من نهر "هركينة" ما أدى إلى تناقص مناسيبه داخل العراق بشكل حاد.

- تحويل مياه نهري  "الوند" و "جنكان جم" إلى إيران ما أدى إلى جفاف مناطق زرباطية وما جاورها فهجرها أغلب السكان.

- جعلت إيران من شط العرب مكبا لنفايات مصافيها النفطية في عبادان ومصانعها وحقولها الزراعية ومياه الصرف الصحي. الحكومة العراقية واجهت كل هذه التجاوزات بصمت مريب، لا بل أنها تعهدت بمعالجة التلويث الإيراني لشط العرب بالأموال العراقية كما قال مسؤول حكومي كبير.

 

 

 

[1] - نظرا لعِظَم أهمية نهر شط العرب فسنخصص فصلا خاصا له.

[2] - الزركاني عبد الإله  عبد الرزاق .أزمة العراق في المياه . نشرة أخبار الناصرية 9/10/2011

[3] - العراق ودول الجوار .. حروب المياه على الأبواب.. الشيمي أحمد . موقع الحملة العالمية لمقاومة العدوان

[4]  - حرب المياه بين العراق وإيران.. الدوافع والأسباب .. الربيعي صاحب . نشرة الحوار المتمدن على الشبكة /النت .عدد  2712

[5] - المصدر السابق.

[6] - المصدر السابق

[7] - المصدر السابق .