الفصل السادس من كتاب " القيامة العراقية الآن ... كي لا تكون بلاد الرافدين بلا رافدين- علاء اللامي - دار الغد - بغداد 2012

   شط العرب  النهر الفريد والضحية الكبرى لسياسات إيران العدوانية وانتهازية الحكم العراقي

 يتشكل نهر "شط العرب" من التقاء نهري دجلة والفرات، في منطقه "قرمة علي"[1]، التابعة لقضاء القرنة المدخل الشمالي للبصرة، على بعد 375 كم جنوب بغداد. ويبلغ طوله حوالي 190 كم، ويصب في "الخليج العربي الايراني" عند أطراف مدينة الفاو.  يصل  عرض الشط في بعض مناطقه إلى 2 كيلو متر. ضفافه كلُّها مزروعة بالنخيل، و هناك بلدة جميلة تقع على ضفاف الشط تسمى "التنومة"، تكثر فيها بساتين النخيل، وقد تمَّ بناء جامعة البصرة في هذه المدينة الغنّاء لما تتمتع به من مناظر طبيعة خلابة. يستمر شط العرب في الجريان حتى يمر بقضاء أبي الخصيب، وهي منطقة ريفية عامرة بغابات النخيل.

وشط العرب نهر فريد من نوعه في العالم، فهو ( مجرى مائي، على عكس كلِّ الأنهار الأخرى، لأنه يجري باتجاهين متعارضين، شمالاً وجنوباً، في اليوم نفسه، وهو نهر بلا منابع! وإنْ كان لابد من منبع لأي نهر، فمنبع شط العرب هي منابع الأنهار الكبرى التي يتشكل منها هذا المجرى العظيم. إنهما  نهرا دجلة والفرات، اللذان ينبعان في تركيا، ونهرا الكرخة والقارون وتقع منابعهما في ايران بالإضافة إلى روافد دائمية و موسمية أخرى تصب بالنتيجة بواحد من تلك الأنهار).[2] ويبدو أن سبب جريانه في الاتجاهين، شمالا وجنوبا، هو تأثره بظاهرة المد والجزر في الخليج الذي يصب فيه.

لغاية سنة 1975، كان شط العرب بضفتيه جزءاً من العراق، غير أنَّ نظام الحكم السابق للاحتلال تنازل بموجب اتفاقية الجزائر التي وقعت بين الشاه الإيراني ونائب الرئيس العراقي آنذاك، صدام حسين، بتاريخ 6 آذار/ مارس 1975 ، عن ضفته الشرقية لصالح إيران، وتم اعتبار خط الحدود الدولية بين البلدين يمر في أعمق نقطة في مجرى النهر وتدعى "خط التالوك" مقابل أنْ تقطع إيران في عهد الشاه دعمها عن التمرد الكردي المسلح في شمال العراق "إقليم كردستان / العراق"، بقيادة البارزاني الأب، وأصبحت الملاحة مشتركة فيه مع ما استتبع ذلك من تفريط بالسيادة الوطنية على نهر عراقي صميم.

غير أنَّ مشكلة شط العرب لم تبدأ في سنة 1975، بل تعود إلى عهود أقدم. فجذور المطالب الإيرانية في شط العرب، ومناطق وأراض عراقية أخرى، عمرها أكثر من قرنين. ولأجل تحقيق المكاسب على الأرض والمياه، استخدمت حكومات إيران المتعاقبة، ومنذ منتصف القرن التاسع عشر، كل السبل والوسائل بما فيها الضغوط السياسية والعسكرية وعلاقاتها الدولية، خصوصا علاقاتها مع الإمبراطوريتين البريطانية والروسية، لأجل تحقيق المكاسب على حساب العراق.

يمكن ربط هذا الخلاف بجذوره التاريخية التي تبدأ مع بدء الصراع المرير والطويل بين الإمبراطوريتين التركية العثمانية و الفارسية الصفوية، وقد تركز هذا الصراع، في بعض محطاته، على قضية تحديد الحدود بينهما والتي كانت موضوعاً لعدد كبير من الاتفاقيات والمعاهدات حتى سنة 1914. وقبل أنْ تتأسس دولة العراق المعاصرة، بداية العقد الثاني من القرن العشرين، كانت طهران تتنصل أو تعرقل ما يتم الاتفاق عليه مع اسطنبول، وكان الاستعمار البريطاني يلعب دورا خبيثا ويصب الزيت على النار في أحايين كثيرة، خصوصا بعد أنْ نجح في ترسيخ وجوده العسكري والسياسي في أعالي  الخليج العربي الإيراني.

ومع تأسيس الدولة العراقية، و حصولها على عضويتها في عصبة الأمم عام 1932، عادت إيران إلى طرح مطالبها التوسعية على الحكم العراقي مجددا، وعندها قررت الحكومة الملكية  العراقية اللجوء إلى عصبة الأمم للتحكيم بين الطرفين. ولكنها لم تصل إلى نتيجة تذكر وبقيت المطالبات الإيرانية مرفوعة، و ظل الرفض العراقي في مواجهتها من دون تغيير. وفي عام 1937، كاد البلدان أنْ يتوصلا إلى حلٍّ اعتبره البعض مرضيا للطرفين، واستند إلى مبادرة عراقية، غير أنَّ  الشاه الإيراني المعروف بعنصريته وكرهه للعرب وللعراقيين منهم خاصة، انفتحت شهيته الجشعة و ردَّ على المبادرة العراقية  بمطالب أكثر تشددا. ولم تستجب الحكومة العراقية للمطالب الإيرانية الجديدة تماما، وكانت تستقوي بعلاقاتها القوية بالإمبراطورية البريطانية التي كان الحكم الملكي يدور في فلكها الاستعماري، ولم يحصل أي تطور جديد في هذا الشأن.

 ومع نجاح الثورة العراقية الجمهورية بإطاحة الحكم الملكي في الرابع عشر من تموز /يوليو 1958، وظهور بوادر على إقامة علاقات وثيقة مع الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية، حرك الغرب، ومنه بريطانيا، إيران لتكون مخلب  تدخل واستفزاز ضد العراق، فتقدمت حكومة الشاهنشاه بمطالبها مجدداً وفي مقدمتها المطالبة بشط العرب وأراض عراقية شاسعة وقطعت المياه عن عدد من أنهار وروافد دجلة ومنها نهر ألون، مثلما ذكرنا في الفصل السابق، و راحت تقدم الدعم المسلح والمالي للقيادات الكردية العراقية الثائرة ضد حكومة بغداد منذ عهد عبد الكريم قاسم الذي بدأ عهده بمحاولة كسب هذه القيادات واستقبل زعيمها مُلا مصطفى البارزاني بعد أنْ عاد من منفاه السوفيتي استقبال الأبطال ولكنه فشل في مسعاه واندلع تمرد مسلح كردي جديد.

وبعد عامين من الثورة العراقية الجمهورية، تحركت الخارجية البريطانية، وذلك في نيسان أبريل من عام 1960، وقام قسم الدراسات والأبحاث فيها بإعداد  مذكرة موجزة لتاريخ شط العرب و أوردت فيها للمرة الأولى المطالب الإيرانية في أنْ يكون خط "التالوك" خطاً للحدود ما بين البلدين ولكن لمسافة محددة.

وقد أعيد عرض هذه الدراسة البريطانية من جديد عام 1975، ليطلع عليها الدبلوماسيون العراقيون والإيرانيون خلال المفاوضات حول اتفاقية الجزائر سالفة الذكر. وكان ذلك بطلب رسمي من  العراق وإيران، اللذين  ( تقدما رسمياً إلى وزارة الخارجية البريطانية إثر توقيع الاتفاقية لأجل تزويدهما بما متوافر في أرشيفها من خرائط تاريخية تتصل بشط العرب وقد أستجيب لطلب الطرفين ولكن بعد أنْ تمَّ دفع التكاليف وكانت وقتها 4500 باوند إسترليني)[3] مقابل تقديم نسخ من تلك الخرائط. والغريب هو أنَّ تلك الوثائق البريطانية ذاتها تعترف بأنَّ شط العرب كان على الدوام عراقياً، ولم يكن يوماً ما إيرانياً بأية نسبة تذكر.

سنقدم في الفقرات الآتية عرضا تحليلياً لإحدى الوثائق البريطانية وهي الأهم بينها والتي تحمل عنوان "الإدعاء الفارسي بحدود "تالوج" في شط العرب"[4]

تعرف الوثيقة البريطانية "شط العرب" كالآتي  ( هو الاسم الذي أعطي للنهر الذي تنقل فيه مياه دجلة والفرات من نقطة التقاء النهرين في "القرنة" إلى الخليج الفارسي. ويبلغ طوله 110 أميال بحرية، من (القرنة) وإلى النقطة التي يدخل فيها البحر المفتوح، وهو خمسة أميال أسفل الفاو) وتستمر بتقديم وصف جغرافي وطوبوغرافي للنهر والمنطقة المحاذية لضفتيه حتى نهاية فقرتها الأولى.

 في الفقرة الثانية،  تلاحظ الوثيقة أنَّ سهل بلاد الرافدين شكل على الدوام الخط الفاصل بين الدولتين الفارسية والتركية، و تميزت العلاقات بينهما لعدة قرون بتواصل النزاعات الحدودية. وأن معاهدة  زوهاب (zohab)، في سنة 1936، جعلت (البصرة تتبع إلى السلطان العثماني، والذي لم يكن واضحا هو فيما إذا كانت الأشياء "؟"التابعة للبصرة شملت الأراضي التي على يسار شط العرب). وتورد الوثيقة رأيا لرولينسون، وهو دبلوماسي بريطاني معروف، عبَّرَ سنة 1844 عن وجهة نظره التي تقول  ( إنَّ الضفاف المباشرة لشط العرب بما في ذلك بلدة "موفلاه"، والتي هي في موقع مدينة "خرمشهر" الحالية كانت دائما تحكم من قبل البصرة. وأضاف رولينسون موثقا، أنه عندما تم تأسيس "باشاليك" وهي وحدة إدارية قد تعادل اللواء أو المحافظة  للبصرة في عام 1850، فإنَّ السلطة التركية امتدت إلى (قوبان) – الواقعة على مسافة - عدة أميال إلى الشرق من "باهميشير"، وعمليا فإنَّ الحكومة الإيرانية لم يكن لها إطلاقاً سلطة على المنطقة، وحتى في الأوقات القريبة الماضية لم تمارس أكثر من سلطة وهمية  "أو مبهمة" على "عربستان"، في حين أنَّ السلطة المؤثرة تقع في أيدي حكام القبائل  "أو العشائر"، "بختاري خان" في الشمال، وشيوخ العشائر العربية لقبيلتي "كعب" و "محيسن" في الجنوب)[5]. في هذه الفقرة شديدة الأهمية من الوثيقة البريطانية، يمكن أنْ نضع اليد على عدة حقائق جغرافية و سياسية يجري تغييبها عند الحديث عن تفاصيل موضوع شط العرب والنزاع عليه:

من ذلك، أنَّ هذا النهر، بضفتيه الشرقية والغربية، لم يكن إيرانياً أو فارسياً أبداً، بل كان تابعاً وخاضعاً لولاية البصرة طوال فترة الصراع الفارسي التركي، والتي كان العراق في الأغلب مسرحاً لها. بل أنَّ دائرة ونفوذ البصرة تمتد شرقا إلى ما بعد الضفة الشرقية للنهر وتصل إلى قوبان شرقي باهمشير. وعلى هذا، فإنَّ اتفاقية الجزائر، بين الشاه الإيراني وصدام حسين، هي التي سجلت تنازلاً رسمياً من قبل حكم البعث في العراق عن ضفة النهر الشرقية، مفادة أنَّ خط الحدود بين البلدين هو خط التالوك في عمق النهر. وبهذا المعنى، فإنَّ اتفاقية الجزائر ليس إلا صفقة سياسية ين حكمين دكتاتوريين، تنازل بموجبها حكم البعث عن أراض ومياه عراقية مقابل ضمان بقائه في السلطة وإنهاء التمرد الكردي المسلح. وإنَّ ما حدث بعد ذلك أي خلال حرب الثمانية أعوام بين نظام صدام حسين وخلفاء الشاه في الجمهورية الإسلامية من التراجع عن الاتفاقية ثم العودة إليها من قبل صدام لا يغير شيئا من هذا الواقع.

في الفقرة الثالثة، تتعرض الوثيقة لمعاهدة "أرضروم" التي عقدت بين الأتراك العثمانيين والفرس الإيرانيين سنة 1847، بتدخل بريطاني وروسي، حيث تمَّ تشكيل لجنة تضم الأتراك ومندوب إيراني مطلق الصلاحيات، وبعد أربعة أعوام من المفاوضات تمَّ التوقيع على المعاهدة.  و ( طبقا للمادة الثانية "2" منها فإن الحكومة العثمانية، تعهدت رسميا أن تتنازل عن مدينة وميناء المحمرة "خرم شهر"، جزيرة عبدان، ومرفأ جزيرة عبدان، وكذلك الأراضي التي هي على يسار "شرق" ضفة شط العرب، والتي هي تحت ملكية العشائر المعترف بأنهم تابعون أو خاضعون لإيران. السفن الإيرانية لها الحق في الملاحة في شط العرب من البحر ولغاية الحدود التي تلتقي معا لكلا الطرفين. وفي المقابل، فإن الحكومة الإيرانية تنازلت عن كل أدعاء أو مطالبة بإقليم ومدينة السليمانية). ولكنَّ بنود هذه المعاهدة لم تطبق، وأعاقت الخلافات بين الحكومتين الإيرانية والتركية تشكيل اللجنة التنفيذية، وقد تمَّ توقيع اتفاق آخر للحفاظ على الأمر الواقع السابق للمعاهدة فقط، بانتظار التوقيع على اتفاق نهائي لضبط الحدود بين البلدين، وهو ما لم يتم حتى سنة 1911، حينها تم توقيع بروتوكول طهران، وإنشاء هيئة تركية إيرانية لترسيم الحدود ورفع أي خلاف ينشأ إلى محكمة لاهاي.

وحين كادت المفاوضات تنهار، تدخلت بريطانيا وروسيا وصاغتا ما سمي " بروتوكول القسطنطينية في 16 تشرين الثاني 1913 لتخطيط الحدود. وبموجب البروتوكول الجديد، تم تعريف " النهاية الجنوبية للحدود" كالآتي ( الحدود تتبع خط المياه المتوسط لقناة تشيين Chaiyin Canal،  وإلى أعلى النقطة التي تعيد التحام الأخيرة مع شط العرب عند مصب نهر نزيلة. ومن هذه النقطة فإنَّ الحدود تتبع شط العرب إلى البحر تاركة تحت السيادة العثمانية النهر وجميع الجزر فيه مع خضوع ذلك لعدة شروط والاستثناءات الآتية) التي تتعلق تلك الشروط والاستثناءات بمجموعة من الجزر وميناء المحمرة. 

و تمَّ تعريف حدود الميناء بـ "الميناء الحديث، والمرفأ عند المحمرة"، عن طريق تخطيط أو رسم  الحدود التي ينبغي لها ان تتابع "التالوك" عند نقطة التقاء شط العرب مع قناة تشيين، إلى أسفل نقطة مقابل (طويجات)، حيث ينبغي لها أن تعيد الاتصال مع مستوى الماء المنخفض على الضفة الشرقية. وعلى الرغم من كلِّ هذه التنازلات التي قدمتها تركيا العثمانية باسم العراق، والتي خسر هذا الأخير بموجبها مناطق شاسعة من جنوبه، تمثل اليوم الخزين النفطي والغازي لإيران، كانت – هذه المناطق - على الدوام ومنذ العصر العباسي، جزء من العراق كعبادان التي يعتبرها المثل الشعبي العراقي نهاية حدود أرض السواد والقائل "وما كو وراء عبادان قرية "، والأحواز والمحمرة، ولكنَّ إيران ظلت تماطل وتناور وتريد الحصول على المزيد ولم تعترف بتسوية الحدود ولا هي رفضتها ورفعت الخلاف إلى محكمة لاهاي وهذه هي عقلية الدبلوماسية الإيرانية والتي تدعى في أيامنا "دبلوماسية نسج السجاد"، والتي تعتمد المناورات والحيل والنفس الطويل حتى تعصر الخصم عصراً وتحصل منه على كل ما تريد. فعلى الرغم من أنَّ السفير الإيراني قام بتوقيع البرتوكول دون تحفظ، إلا أنَّ ذلك لم يكن هدف أو نية الحكومة الإيرانية، وقد اشتكى لاحقاً  وزير الخارجية الإيرانية لوزير الحكومة البريطانية في طهران في 26 كانون أول 1913 قائلاً ( إنَّ الحكومة الإيرانية قد وافقت - فقط - على قبول تسوية الحدود التي تم التوصل اليها في القسطنطينية، بشرط أنْ تكون سيادة أيران وحقوق الملاحة في شط العرب محافظَاً عليها. ولأن ذلك لم يتم بسبب الصياغة السيئة للتعليمات التلغرافية المرسلة للسفير الإيراني). بمعنى أنهم رفضوا تنفيذ ما وقعوا عليه دون تحفظات بسبب "الصياغة السيئة للتعليمات التلغرافية" المرسلة إلى سفيرهم، أما الهدف الحقيقي فهو المطالبة بالسيادة الكاملة على شط العرب والحصول على حقوق الملاحة فيه!

لقد دأب الإيرانيون على التصريح، بأن بروتوكول القسطنطينية لم يكن ملزما لهم، لأنه لم تتم المصادقة عليه، سواء من قبل الحكومة الإيرانية طبقاً للعرف الدولي، أو من قبل المجلس، والذي يستوجبه الدستور الإيراني.

كانت السنوات التي تلت الحرب العالمية الأولى مباشرة، تتميز بنزاعات حدودية متكررة بين إيران ومملكة العراق الجديدة. غير أنَّ هذه النزاعات لم تؤثر على حدود شط العرب لأنَّ الحكومة الإيرانية لم يكن لها سوى سيطرة مباشرة ضعيفة  في عربستان حيث شيوخ المحمرة، وملك العراق العربي لديه علاقات قوية مع بريطانيا وقريبة من حكومتها وتمتع بحكم ذاتي فعلي. وبعد ذلك تصاعدت حدة الاستفزازات الإيرانية  في شط العرب، وأصبح مسؤولو الجمارك الإيرانيون والشرطة يُسيِّرون دوريات في النهر، "ويعود ذلك" جزئيا كنتيجة للترتيبات غير الرسمية بين الإيرانيين المحليين والسلطات العراقية، أما الجزء الآخر فهو يعود إلى تحدي صريح للحكومة العراقية. وفي سنة 1935 قررت الحكومة العراقية رفع الخلاف إلى عصبة الأمم ولكن محضر الجلسة لم يكن حاسما لصالح العراق، بل قرر المحافظة على الوضع القائم (Status quo ).

في سنة 1936، زار وزير الخارجية العراقي نوري السعيد طهران وقابل الشاه. وقد اقترح هذا الأخير أنَّ إيران ( ينبغي لها أن تعترف بالحدود الموجودة في شط العرب مقابل المرفأ الذي يواجه "عبدان" (ب) ، كما ينبغي أن يستنبط خطة أو يتم رسمها لتنظيم الملاحة في شط العرب يشمل التفاصيل الملاحية في هذا المجرى المائي.

لخصت إيران إجابتها وأوصلتها في  كانون ثاني عام 1937 عبرت فيها عن الرغبة في التوصل إلى اتفاق يتضمن الاعتراف  ببروتوكول عام 1913، وفي ترسيم الحدود لعام 1914، شريطة أنْ يتم التنازل عن امتداد للماء مقابل عبدان، بطول أربعة أميال، وامتدادا  "إلى منتصف شط العرب أو إلى "تالوك". وأنْ يبقى شط العرب مفتوحا للسفن التجارية لجميع البلدان، وللسفن الحربية العراقية والإيرانية. وأنْ يتعهد كلا الطرفين بالتوصل إلى اتفاق يتعلق بتنظيم الملاحة، "وإنشاء" مجلس تنظيم الملاحة "في شط العرب". إنَّ هذه الملاحظات قدمت أساس المعاهدة التي تم التوصل اليها لاحقا بين البلدين في الرابع من تموز عام 1937 . وأنَّ شروط المعاهدة تختلف عن تلك التي تمَّ وضعها في المذكرة الرسمية الإيرانية فقط، في حدود المرفأ في عبدان، حيث تمت الإشارة رسمياً ولأول مرة و نصاً بأنْ تكون إلى "التالوك" أي أعمق خط يمر في وسط النهر كررت المعاهدة  القول بحق كلا الطرفين باستخدام النهر في جميع مجراه.

-تمضي الوثيقة البريطانية قائلة،  إنَّ معاهدة عام 1937 ، يبدو قد تم من خلالها تسوية مسألة الحدود بشكل نهائي وحاسم. وبالتنازل لإيران عن مرفأ أبعد من عبدان، وبالتأكيد على حق إيران في الملاحة في جميع النهر، فإنه يكون قد ذهب بعيداً نحو إزاحة العوائق العملية والتي كانت سابقا سببا للنزاع. وكما يبدو فمنذ ذلك الحين، كانت إيران مستعدة لقبول خط الحدود الأخير كما تمَّ رسمه في في المعاهدة.

لكنَّ مسألة تنظيم الملاحة بقيت مسألة غير محلولة. وبسبب عدم الصمود أمام الجزء الخامس من المعاهدة، لم يتم تحقيق أي تقدم باتجاه التوصل إلى اتفاق لتنظيم الملاحة. من جهتهم فإنَّ العراقيين، وبالاعتماد على الجزء الثاني من ملحق المعاهدة، واصلوا تحمل مسؤوليتهم لغاية هذا اليوم، بأنْ يكونوا مسؤولين من خلال الوكالة لإدارة ميناء البصرة عن جميع الأمور المتعلقة بتنظيم الملاحة و بالملاحة نفسها في شط العرب بما في ذلك الأجزاء الواقعة تحت السيادة الإيرانية.

ورغم كل التنازلات التي قدمها الطرف العراقي في أرضه ومياهه، فإنَّ الوثيقة البريطانية تلقي باللوم – الجزئي - عليه فتقول ( وهكذا فإنَّ إخفاق الأطراف في التفاوض حول أتفاق يمكن عزوه جزئياً إلى إعاقة العراقيين، والذين هم بشكل عام راضين عن الأمر الواقع المؤقت (Provisional status quo)،  لكن السبب الأخر أيضاً هو إصرار الحكومة البريطانية على شكل ما من المشاركة في السيطرة على شط العرب ).

في الفقرة الأخيرة، السادسة عشرة، من هذه الوثيقة يستنتج محررها الآتي ( يبدوا أنّ هنالك القليل من المبررات التاريخية للادعاءات الإيرانية حول السيادة على نصف شط العرب. وأنَّ جميع الدلائل تشير إلى أنه، وحتى لغاية أواسط القرن التاسع عشر فإن الشط كان نهرا تركيا. ولم تكن ذلك حتى عقدت "معاهدة أرضروم" التي أكدت أنَّ إيران اكتسبت حقاً شرعياً في النهر[6]. ونعود إلى نص الاستنتاج لنقرأ  ( ومنذ ذلك الحين، استخدمت موقعها كطرف يتمتع بالسيادة على الضفة اليسرى"الشرقية" للشط، ثم لتحصل في عام 1914 على سيادة على جزء أبعد من المحمرة، ومن ثم بعد ذلك أي في عام 1937 أخذت تنازلاً شبيهاً أبعد من عبدان. وكانت الكارثة الكبرى حين تنازل صدام حسين عن نصف شط العرب وضفته الشرقية بالكامل ومعها امتيازات أخرى بموجب اتفاقية الجزائر سالفة الذكر. لقد ضغط الإيرانيون من أجل التعجيل بترسيم اتفاقية الجزائر  وسارعوا إلى تسجيلها في الأمم المتحدة، ثم، وخلال حرب الثماني سنوات مزق صدام المعاهدة وسحب اعترافه بها، و مع نهاية الحرب، عاد صدام واعترف بها فكانت آخر طعنة يوجهها هذا الدكتاتور للسيادة العراقية على نهر عراقي صميم.

ما تقدم من ملاحظات يتعلق بموضوع الصراع على السيادة على شط العرب وأطماع إيران فيه، وفي الأراضي المحيطة به، أما في ما يتعلق بمياه النهر وحالته الهيدرولوكية فقد  ( دلت الاحصاءات المائية لسنة 1977 ـ 1987 التي تشمل جميع المحطات المائية الواقعة على شط العرب إن حوالي  57,5 % من مياه شط العرب في منطقة القرنة تأتي من نهر دجلة، و 42,5% تأتي من نهر الفرات. غير أنَّ الأهم من ذلك هو أن المياه القادمة من الأراضي العراقية، دجلة والفرات تشكل ما نسبته 73 % من مياه شط العرب في تلك المنطقة أما ما يتبقى من النسبة، وهو 33 %، فيأتي من نهر القارون. وعلى ضوء هذه الحقيقة يمكن إعطاء الأولوية للجانب العراقي، في التصرف بالملاحة في شط العرب بدرجة أكبر من الجانب الايراني)[7]. ومع إغلاق إيران لنهر القارون، وتحويل مياهه إلى الداخل الإيراني، تكون إيران قد فقدت أي حق لها للمطالبة بجزء وإنْ كان يسيراً من شط العرب.

لقد ساء الواقع الحياتي في منطقة شط العرب كثيرا، حتى بلغ درجة كارثية دفعت بجهات عراقية محلية إلى المطالبة بإعلان المنطقة منطق منكوبة. فقبل بضعة أشهر ( أرسلت بعض المجالس البلدية في قرى قضاء الفاو - 90 كلم عن مركز محافظة البصرة - إشارات الخطر الأولى، وأعلنت عن ارتفاع نسبة الملوحة في أنهار القضاء التي تصب في شط العرب نتيجة انخفاض منسوب المياه، وحذرت من تأثر الزراعة، ونفوق الماشية جراء شربها المياه المالحة. لكنَّ "اللسان الملحي" امتد أخيرا ليصل حتى إلى منطقة العشّار قرب مركز محافظة)[8].

وكان مدير زراعة البصرة عامر سلمان، قد صرّح أنَّ دائرته على وشك إعلان البصرة "منطقة منكوبة" في مجال المياه لأنَّ "نسب الملوحة بلغت وضعا يجعل من المدينة غير قادرة على زراعة أية محاصيل، أو تربية أي نوع من الحيوانات"، سيّما في مناطق الفاو والسيبة و أبي الخصيب جنوب شرق البصرة، حيث طغت مياه البحر المالحة على قناة شط العرب بسبب انخفاض مستوى المياه فيها.

لم تكن الأسباب مجهولة أو غامضة، بل قالت مصادر مسؤولة في مجلس المحافظة صراحة، إنَّ السبب في ما يحدث هو ( انخفاض منسوب المياه في دجلة والفرات بسبب سياسات تركيا وسوريا المائية وعدم توفير حصة العراق المائية المتفق عليها). وأضافت تلك المصادر ( أن تحويل الإيرانيين لمجرى نهري القارون والكرخة اللذين يصبان في شط العرب إلى داخل الأراضي الإيرانية ساهم هو الآخر في تفاقم الأزمة).

وكان من نتائج ارتفاع نسبة الملوحة في مياه الشط إتلاف بساتين النخيل في مناطق الفاو وأبي الخصيب، والقضاء  على معظم مزارع الثروة السمكية. وشلَّ الحياة الاقتصادية لسكان المنطقة وفي الانقطاع المتواصل في التيار الكهربائي. أما الحلول فقد جاءت ترقيعية، وهي من قبيل اقتراح طريقة لتحلية المياه وفق المعايير البحرية، وتسيير قوافل حوضيات مياه الشرب، وإطلاق الوعود بإنشاء العديد من محطات التحلية، وهي وعود تعود العراقيون على النظر إليها كمجرد وعود لا سبيل إلى الوفاء بها. واستمرت مئات العوائل بالهجرة من المنطقة نحو مركز محافظة البصرة.

لمعرفة مستوى الملوحة في مياه شط العرب، يخبرنا أحد  الباحثين  (أنَّ مسؤولاً في محطة البراضعية لتنقية الماء التي تغذي مناطق سكنية واسعة من البصرة، قال إنَّ نسبة الملوحة وصلت إلى 6015 جزء من المليون (TDS) وهي نسبة خطرة وتنذر بكارثة حقيقية في مياه الشرب"، مشيرا إلى أنَّ النسب السابقة كانت لا تتعدى 1000 جزء من المليون)[9]. علاوة على ما تقدم، فإن نسبة 70 % من المجاري الصحية وقنوات تصريف المياه الملوّثة في البصرة تصب في شط العرب. كما تقوم بعض المصانع الإيرانية برمي نفاياتها السامة في مياه الشط.

ويتوصل الباحث العراقي المتخصص د. حسن الجنابي، إلى نتيجة قاتمة مفادها ( لقد فقدت بيئة شط العرب إثر ذلك، خصائصها الساندة للحياة، وأهمها خصوبة التربة، وكذلك القدرة على تعويض وتجديد المخزون السمكي والأحياء المائية الأخرى...فإذا تلوثت المياه العذبة، أو تردت نوعيتها، أو أصبحت مالحة فإن المخزون السمكي المعتاد سوف ينضب وتنقرض الانواع المحلية المعتادة من الأحياء المائية، ولذلك يضطر الصيادون البصريون للبحث عن الصيد في أماكن أبعد لم يألفوا الاصطياد بها، وهذا يفسّر مأساتهم وحوادث اعتقالهم المتكررة من قِبَل دول الجوار. إنَّ حجم التدهور في مساحات كثيرة من منطقة شط العرب يؤهلها لكي تصنف على أنها منكوبة وبحاجة إلى تدخل استثنائي وفق برامج إغاثية، وبحيث يمكن منح تعويضات مناسبة للسكان وخاصة المزارعين والصيادين لتمكينهم من ترميم محيطهم وتطوير وسائل معيشتهم وانتشالهم من الافقار الذي حل بهم ومساعدتهم على استعادة قيمة ممتلكاتهم ...مع ذلك، فالمنطقة بحاجة إلى دراسة علمية وتفصيلية لتقييم مستويات التردي البيئي والزراعي للتعرف على مديات تراجع الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي من الزراعة والصيد، واعتماد تلك الدراسة كأساس لإعادة تأهيل المنطقة وفق خطة متكاملة تهدف إلى مساعدة التجمعات البشرية في القرى والمدن على البقاء في أماكنهم وتجنب النزوح قبل فوات الآوان)[10].

أما عن الحلول الجذرية التي كثُر الحديث عنها من قبل الجهات الرسمية والشعبية، فلعل من أكثرها إثارة للاهتمام مشروع تشييد جسر على شط العرب، فقد دعا عشرات الباحثين والمختصين العراقيين، خلال مؤتمر تخصصي حول ظاهرة شح المياه عقد سنة 2009 في البصرة، الحكومة العراقية إلى الإسراع بتنفيذ مشروع إنشاء سدٍّ على شط العرب لوقف تدفق مياه البحر المالحة في مجراه نحو الشمال. وقد اقترحت شركة إيطالية إنشاء سدٍّ على الشط للتخلص من تملح المياه، ولكن هذا المشروع رفض من قبل جهات رسمية وصفته بغير الواقعي، وطالبت بنقل موقعه المقترح من منطقة كتيبان إلى منطقة ميناء أبو فلوس.

أما الباحث حسن الجنابي فقد رفض فكرة تشييد سدٍّ على شط العرب من أساسها، واصفاً الفكرة بأنها( لا تخلو من براءة)[11] وقد تكون مفردة "البراءة" بديلا مخففاً لمفردة "السذاجة"! ولكنه يضيف بأنها  ( غير واقعية بل ومضرّة) معللا ذلك بعدم إمكانية إقامة سد لتخزين المياه كسد دوكان وغيره، لأنَّ شط العرب يقع في أرض سهلية منبسطة، ولكنه يضيف بأنَّ من الممكن إقامة سدة كسدة الهندية لغرض رفع مناسيب المياه لا غير. وحتى هذه السدة لن تكون ذات فائدة بسبب قلة أو انعدام الإيرادات المائية. وبدلا عن التعويل على إنشاء سد على شط العرب، يقترح الباحث التعويل على القانون الدولي، ومقاضاة الأطراف التي تلحق ضررا بالعراق ومواطنيه ملاحظاً أنَّ ( القانون الدولي للمياه لا ينظم علاقات الدول والحكومات فقط، بل يمكن لأي مواطن متضرر أو مجموعة مواطنين متضررين بسبب سوء إدارة الموارد المائية من قبل إحدى الدول المتشاطئة التقدم بشكوى إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي.  وقد سبق لمحكمة لاهاي الدولية الاستناد في مداولاتها حول النزاعات المائية إلى اتفاقية قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية، وهناك أكثر من وسيلة بإمكان المواطنين المتضررين من خلالها تقديم شكاواهم، بعيدا عن القنوات الدبلوماسية الرسمية لتجنب إحراج الحكومة المرتبطة باتفاقية نافذة مع جيرانها). والواقع فإنَّ هذه الطريقة في مقاضاة الأطراف التي تلحق الضرر بالعراقيين، وهي دول مجاورة، سيكون مفيداً جداً ويمكن تثقيف الناس المتضررين في تلك المنطقة به كحلٍّ ممكن، ولمنظمات المجتمع هنا دور كبير تلعبه.

 غير أنَّ هذه الفكرة، كما نعتقد، لا تشكل حلاً شاملاً وكاملاً، والجنابي نفسه يقرُّ بهذه الحقيقة حين يكتب (إنَّ القانون الدولي للمياه ليس حلاً سحرياً أو فورياً لمشكلة شط العرب، أو أية مشكلات ونزاعات مائية بين الدول، بل هو إطار عام للمبادئ والأسس التي تعتمدها المجموعة الدولية لحل تلك المنازعات، وبذلك فإنَّ للقانون الدولي للمياه تأثير أخلاقي وقانوني كبير في أي نزاع مائي دولي يطرح على محكمة العدل الدولية في لاهاي ) ولكن يمكن النظر إليها بمنظار كونها ليست أسوأ من لا شيء!

وبالعودة لفكرة الشركة الإيطالية، لإنشاء سدٍّ على شط العرب  للتخلص من ملوحة المياه، يبدو أنَّ شركة أخرى للاستشارات تدعى "ميد إنيرجيا"، تقدمت بمشروع مختلف يقوم على أنَّ ملوحة مياه شط العرب ليست ناجمة عن تدفق مياه البحر القادمة من الخليج، أو إغلاق إيران لنهر القارون، بل أنَّ سبب المشكلة يعود لتصاريف المجاري التي يتم التخلص منها عبر الأنهار المتفرعة من شط العرب). وأنَّ الشركة أوصت بتنفيذ مشاريع لمنع تصاريف شبكات المجاري مع مياه شط العرب إضافة إلى إنشاء سد عليه واقترحت للسد ثلاثة مواقع: الأول، عند مدخل شط العرب في قضاء الفاو. والثاني، قرب ميناء أبو فلوس في قضاء أبي الخصيب. والأخير، في منطقة كتيبان الواقعة شمال البصرة. علماً بأن المقترح الأول حسب أحد مهندسي الشركة هو الأفضل، لكنه يتطلب موافقة إيران. ولكن انتقادات كثيرة وجهت لهذه الدراسة ووصفتها بغير المقنعة وغير العلمية. وهناك جهات سياسية وحزبية رفضت هذه الدراسة وما شابهها من دراسات، وأصرَّت على بناء سد كبير على شط العرب. وقد علل مراقبون سياسيون و بعض ممثلي منظمات المجتمع المدني هذا الإصرار من قبل الحكوميين على بناء السد لجهة كونه فرصة للإثراء والاختلاسات والفساد المالي الذي ينخر جسد الدولة العراقية من أقصاها إلى أدناها. وفيما يستمر تقدم  اللسان الملحي القادم من الخليج في شط العرب وتزحف الكثبان الرملية على الأراضي الزراعية البصرية النادرة يواصل المسؤولون الرسميون نقاشاتهم البيزنطية وسط أجواء استشراء الفساد المالي والإداري.

وخلاصة القول، فإنَّ الحفاظ على شط العرب، وإنقاذه تماما من اللسان الملحي الصاعد من الخليج، لا يمكن أنْ يكون بإنشاء جسر أو ناظم للمياه على الشط، مع أن ذلك قد يكون نافعا بشكل جزئي، ولكنَّ الحل الحقيقي يكمن في استراتيجية قوية وفعالة للدفاع عن مصادر مياه النهر وخاصة مياه نهر القارون التي تشكل ثلث مياهه وقد قطعتها السلطات الإيرانية بشكل كامل.

وإذا ما قارنا بين ما فعلته السلطات الإيرانية، منذ أنْ تنازل لها صدام حسين عن الضفة الشرقية من شط العرب، مع ما قامت به الحكومات العراقية، سنصل إلى نتائج مخيبة بل وفضائحية فقد ( تمكنت إيران  من إحياء الجانب الشرقي لشط العرب عبر استحداث ثلاث مدن، وهي مدينة خسرو وأباد وجزيرة نينو السياحية، إضافة إلى انشاء مناطق سياحية أخرى وملاعب كرة قدم وستة موانئ متوسطة، أي أنها حولت الشط إلى جزء مكمل لطلتها على الخليج. أما على الجانب العراقي فلم تنشأ حتى الآن أي مشاريع تجارية أو اقتصادية أو سياحية، وحتى سكان المنطقة هاجروا بعد ارتفاع الملوحة وموت البساتين ).[12] 

 

الخلاصة:

شط العرب نهر فريد من نوعه في العالم، لأنه يجري باتجاهين متعارضين، شمالا وجنوبا، وهو بلا منابع! حتى سنة 1975، كان شط العرب عراقيا بضفتيه، غير أنَّ نظام البعث تنازل عن ضفته الشرقية لصالح إيران، بموجب اتفاقية الجزائر. مطامع إيران في شط العرب لم تبدأ في سنة 1975، بل تعود  إلى أكثر من قرنين مضين، خلال الصراع المرير والطويل بين الامبراطوريتين التركية العثمانية و الفارسية الصفوية. وفي عام 1937، كاد البلدان أنْ يتوصلا إلى حلٍّ اعتبره البعض مرضيا للطرفين، واستند إلى مبادرة عراقية. غير أنَّ  الشاه الإيراني ردَّ على المبادرة العراقية بمطالب أكبر وأكثر تشددا، فرفض العراق الاستجابة لهذا الابتزاز. بعد الثورة العراقية الجمهورية 1958، حرَّك الغرب إيران لاستفزاز العراق فتقدمت دولة الشاه بمطالبها مجددا وفي مقدمتها المطالبة بشط العرب وأراض عراقية شاسعة، ثم قطعت المياه عن عدد من أنهار وروافد دجلة وفي مقدمتها نهر ألون. أكدت دراسة حكومية بريطانية بخصوص شط العرب، أعدت سنة 1960، أنَّ شط العرب، بضفتيه الشرقية والغربية، لم يكن إيرانياً أو فارسياً أبدا، بل كان تابعاً وخاضعاً لولاية البصرة العراقية طوال فترة الصراع الفارسي التركي.

في سنة 1936 اشترطت إيران للاعتراف بالحدود، أنْ يتنازل العراق عن امتداد للماء مقابل عبدان، بطول أربعة أميال، وصولا  "إلى منتصف شط العرب أو إلى التالوك". الوثيقة البريطانية تعترف  بأنّ هنالك القليل من المبررات التاريخية للادعاءات الإيرانية حول السيادة على نصف شط العرب، وأنَّ جميع الدلائل تشير إلى أنه، وحتى أواسط القرن التاسع عشر، كان شط العرب تابعا للعراق العثماني. كانت  33 %  من مياه الشط تأتي من نهر القارون الذي ينبع من إيران قبل قيام نظام "الجمهورية الإسلامية". وبعد أنَّ قطعت إيران مياه هذا النهر أصبحت مساهمتها صفرا، وبهذا فقد فقدت أي حق بالمطالبة بأية حقوق ملاحية أو حدودية في شط العرب الذي ساءت أحوال مياهه من حيث الكمية والنوعية إلى درجة وصفت بعض المناطق والمدن العراقية على ضفته بأنها أمست مناطق منكوبة، وليس بوسع مشروع مثير للجدل والانتقادات لإقامة سد على الشط لمنع تقدم مياه الخليج المالحة شمالا إنقاذ الوضع بل الحل في الدفاع عن مصادر مياه روافد النهر!

 

 

[1] - بالقاف الحميرية أو الجيم القاهرية او الكاف الفارسية وتكتب أحيانا " كرمة علي".

[2] - الجنابي حسن.  شط العرب ..الرمزية والواقع المتردي! يومية المدى 26/1/2012 .مع قليل من التصرف اللغوي.

[3] - د. الونداوي مؤيد " تأريخ شط العرب: الرؤية البريطانية" مقالة منشورة على مدونة الأستاذ إبراهيم العلاف على الشبكة/ النت.

[4]  - تجد النص الكامل لهذه الوثيقة في قسم  الملاحق في هذا الكتاب.

[5] - تدخلنا جزئيا،  في عدة مواضع من نص الترجمة،  بما يضمن سلامته  لغويا وأسلوبيا.

[6] - يبدو من السياق أنَّ الترجمة الصحيحة لهذه العبارة هي ( ولم تعد كذلك حتى عقدت "معاهدة أرضروم" التي أكدت أنَّ إيران اكتسبت حقا شرعيا في النهر ).

[7] - صيهود سميرة جواد . شط العرب. الشبكة/ النت.

[8] - الوزان سليم . البحر يغمر مياه شط العرب والبصرة مهددة بكارثة بيئية . نشرة لموقع نقاش على الشبكة /النت

[9] - المصدر السابق.

[10] - الجنابي حسن . شط العرب… الرمزية والواقع المتردي! م س

 

[11] - الجنابي حسن . م  س .

[12] - الحمامي كاظم فنجان . يومية الحياة اللندنية . 17 مايس /آيار 2012