هل كان هناك " تنظير " حقا ؟!

عارف معروف

1-      يعبر العديد من الأصدقاء الشيوعيين عن رضاهم بل وتحبيذهم لما اصطلحوا عليه " الابتعاد عن التنظير "  في معرض استحسانهم للممارسة والسياسة " العملية " التي بدأ الحزب بانتهاجها والتي يصفونها بانها الأكثر حيوية وقربا وتفاعلا مع الواقع الملموس ، وبالتالي اكثر نفعا وانتاجية منه " التنظير ".

2-      يصُور " التنظير" هنا  ، او يوحى بانه  اغراق في مسائل وجدالات فكرية  بعيدة اوغير مجدية  ، او لا شأن لها بما يطرحه الواقع الحيّ من تحديات ، او اكثر من ذلك ، ربما كان سفسطة مثقفين  ودوران في حلقة مفرغة تُرضى نزوعهم لتفريغ شحنات الفعل والممارسة العملية المطلوبة في ثرثرة تشبع نزوعهم الذاتي ....

3-      وغني عن القول هنا ، ان هذه الدعوة تجد لها اذنا صاغية و استجابة عاطفية كبيرة لدى التفكير الشعبوي الذي تعّود على النفور من المثقفين وتنظيراتهم  وينسجم مع مستوى الامية الثقافية السائد، وخصوصا الامية " الماركسية " الصادمة  ، ولابد انه يحقق للقيادات الميدانية " العملية " التي تصدت لقيادة الحراك الشيوعي طمأنينتها  .

4-      لكن الواقع الذي تتجاهله هذه الدعوات هو ان الشيوعيين العراقيين ما كانوا ، ابدا ، منغمسين بالتنظير او النشاط الفكري والنظري المبدع او دون المبدع ، لا في السنوات الأخيرة بل ولا خلال نصف القرن الأخير كله ! وان الحزب الشيوعي العراقي كان الأضعف والاقل انتاجا في هذه الناحية ، من الأحزاب الشيوعية العربية الأخرى ، ولذلك أسبابه الموضوعية ، أحيانا ، والتي تتعلق بظروف القهر والاضطهاد وانعدام مساحة الحرية السياسية والفكرية المتاحة للعراقيين عموما وللشيوعيين على وجه الخصوص مقارنة بأقرانهم السوريين او اللبنانيين او المصريين او غيرهم ، إضافة الى سبب آخر مهم ، يتعلق بمحتوى واهتمامات الثقافة العراقية والمثقف العراقي ، التي تجنح الى الشعر ولا تميل الى الدرس والتفكير النظري وما يتطلبه من مثابرة ، لأسباب اجتماعية وثقافية ، تخرج عن اطار معالجتنا هذه .

5-      لقد راجت ، في الأوساط الشعبية والثقافية العراقية ، مقولة ربما تكون اقرب الى الخرافة ، تتعلق بتمّيز الشيوعيين بالثقافة والمعرفة المنهجية المنظمة ، لكن من ينظر الى الثقافة كمعرفة منظمة فعلا، او استبطان منهجي للواقع ، او مقاربة فكرية ممكنة للحقيقة او مجريات الواقع ، سيدرك مدى ابتعاد هذا التمّيز المزعوم عن الواقع ، وكون تلك المعرفة والثقافة اقرب الى الحذلقة اللفظية واجادة ترتيب الكلام الذي يبدو منطقيا ومتماسكا في ظاهر الحال ولكنه لا يصمد  امام التحليل الحقيقي  او النقد المنهجي الحصيف ، او حتى  التجربة العملية ، مثل نظرية المراحل الخمسة او غيرها .

6-      لقد استندت هذه الفكرة الى مسوغات واقعية قبل ان تصبح خرافة ومسلمة شعبية يسلمّ بها البعض نتيجة التكرار ،شأنها شأن الأفكار المسبقة التي لا تُمحص جيدا او تُعرض للنقد  . ففي الاربعينات والخمسينات كان الحزب الشيوعي العراقي بؤرة استقطاب للمثقفين المتطلعين الى عالم اكثر عدلا وعقلانية وإنسانية والى  تغيير حقيقي مأمول ممكن ، خصوصا مع وجود ونمو المثال الحي ّ القائم وهو الاتحاد السوفيتي والمنظومة " الاشتراكية " ، خصوصا من أوساط الطبقة الوسطى والتي تعشقت آمالها الوطنية بالتحرر والاستقلال مع حلمها الإنساني المثالي بحياة إنسانية سعيدة تستند الى العدالة الاجتماعية او المساواة .ونظرة الى أسماء وكّم ونوعية المثقفين الذين ارتبطوا بالشيوعية آنذاك كفيل بإيضاح الفكرة . لكن هذا الامر لم يستمر ولم يتح الظرف والوقت لهذه الخميرة ان تقول شيئا بصدد الواقع او تؤصل تناولا نظريا ممكنا للوضع العراقي او تنتج دراسات ذات شأن بحقه ، أولا بسبب طبيعة الظرف وضغط الشارع  وطبيعة القيادة الحزبية بعيد تموز 1958 ثم بسبب الظروف المريرة التي أعقبت ذلك وانتهاءا بمذبحة شباط 1963 !

7-      لقد امتلك الحزب الشيوعي العراقي في نهاية الستينات وحتى نهاية السبعينات ، تقريبا ، منابر صحفية وفكرية مهمة ، وكان هناك انفتاح على الفكر الماركسي ووفرة في مصادره وحرية في تداولها ، وان أصبحت ضيقة ، ثم ضيقة جدا ، في السنوات الأخيرة وخلال انفراط عقد " الجبهة " مع حزب البعث الحاكم .لكن هذه الفرصة والإمكانات وضفت لما هو سياسي ويومي ولم يجر تربية كادر نظري قادر على انتاج شيء اصيل ونافع ، وبقي الحزب يعيش على بضعة كتيبات صغيرة انتجها الراحل فهد إضافة الى دراسة بل بضعة مقالات في شكل كتيب ، لاحدهم ، حول " الجبهة الوطنية "!

8-      وخلال عقود وحتى اليوم ، لم  يُلحظ جهد نظري جدير بالاعتبار ولم تتميز أسماء مهمة يمكن ان تقدم نتاجا عميقا ومثريا ، عدا اسم واحد او اسمين ، انتقلا ، عمليا من مواقع الماركسية ، الى الليبرالية وحتى الى تبني النيو ليبرالية وادواتها ومفاهيمها !

9-      ان هذا الواقع يفسر الكثير ، وهو الذي يوضح بعض السبب وراء الانقياد الى مواقع ضارة أحيانا وفق تسويغات او اوهام " نظرية " متعجلة وغير ناضجة قد تصدر عن أقلام لا تمتلك لا الأساس ولا الرؤية الماركسية المتمكنة ، والتي قد توهم بصحة خطوات تتعلق بما هو يومي وطاريء لترفعه الى مستوى  التاريخي عبر" تنظير " شعبوي متعجل ، استنادا الى مقولات وصيغ منزوعة عن سياقها التاريخي مثل فكرة " الكتلة التاريخية "  ،  او لتسوغ وتبرر خطوات براغماتية عبر تغليفها بتبرير نظري زائف  .

10-  لذلك فانني اعتقد ان الحزب الشيوعي العراقي ، بحاجة حقيقية وحيوّية الى الاهتمام بتعزيز المبحث النظري  لا الاستخفاف به بدعوى النشاط العملي والمطلبي ، وان جهدا مخلصا وتأصيلا في هذا الجانب يمكن ان يوضح الطبيعة الحقيقية للصراع العالمي ومحتواه الجوهري وانعكاساته المحلية  ودور الشيوعيين فيه وكذلك طبيعة المجتمع وطبيعة قواه المتصارعة وحوافزها وممكنات هذا الصراع وآفاقه وبما يضع الأساس لاسهامات جادة ونجاحات حقيقة ويجنب الشيوعيين مطبات ومهاو لانرجوها لهم !