الإستئنافات والايقافات: "الغيبة" ومابعد إسلام (3)؟؟

عبدالامير الركابي
مع القرن الرابع الهجري، انتهى الاسلام الفعّأل، تاريخيا وحضاريا، ومعه ختمت اي انتهت حقبة طويله، هامة وكبرى من الابراهيمية، عنوانها النبوة الالهامية، وبحسب الاليات التي اليها تنتمي الابراهيمة كتعبير كوني، ضمن عالمها الذي انتجها، فلقد تجلى طور مابعد النبوة كما هو منتظر، في المكان الذي تبلورت فيه، ان من يتحدثون اليوم، وفي الالف سنه المنصرمة، عن "اسلام"، انما يتعرضون لتاريخ، لايجدون بحدود وعيهم، مايعقلونه غيره، وفي العراق على وجه الخصوص، جرت لمرتين قراءة العراق، بدلالة منجز من خارجه، فالاسلام الجزيري في التناولات التاريخية، والتصورية كلها، تلغي الاليات المجتمعية والكيانية العراقية، فترى العراق اسلاميا، بينما المتحقق والمتفق مع العملية التاريخية، ابان الدورة الحضارية العراقية الثانية، يوجب قراءة الاسلام، بضوء ماآل اليه تحت فعل الاليات العراقية، فالاسلام في العراق، ليس اسلام الجزيرة العربية.
ومثل هذا الالغاء المتعسف، للحقيقة التاريخية العراقية، تكرر في العصور الحديثة، وعلى خلاف ماهو صائر فعلا، قُرأ العراق خلال القرن المنصرم حداثيا، واوربيا، مع طمس كلي، لاي حضور لاليات واقع، هي اصلا غير مكتشفة، ولم يتمكن او ينشغل العقل العراقي "الحديث" بمقاربتها، لتكون النتيجة النهائية "حداثة عراقية"، محركها الواقع العراقي، وبنية العراق التاريخية، وليس مفاهيم صراع الطبقات، و "المادية التاريخية"، ولا القومية، او الليبرالية، وبما ان الميل الدوغمائي الاسلاموي، ومعه الحداثي المتشبه بالغرب، لايرى الظواهر الماثلة، ويستبدلها بالتوهمات، والرؤى الجاهزه، فلقد غاب عن هؤلاء، ان ينظروا في الاسماعيلية، والتشيع، او في حركة مسيح التصوف، الحلاج، او ثورة الزنج، او رسائل "اخوان الصفا"، التي ترقى لمرتبة "قرآن الائمة"، بحسب تعبير موفق لكاتب حديث، هذا غير رفض الاسلام العراقي، المصادرة النبوية الجزيرية، وابتداعه، الامامة والعصمة، بمقابلها، لابل وايقاف العمل بجملة الاسلام، الا في المعاملات في نهاية المطاف، باسم انتهاء سلسلة الامامة، ودخول عصر "الغيبة"، اي احالة الواقع، الى طور ابراهيمي مستقبلي اخر، مابعد نبوي.
ولاداعي بالطبع لذكر المعتزلة، او القرمطية ودولتها، التي استمرت لقرن وخمس سنوات، في ارض السواد، مع كل مايضاد تلك التعبيرات المنبعثة، من اساس موضوعي مجتمعي، يعود الى تركيب وبنية اللادولة المزدوجة العراقية، اساس الرؤية الكونية التوحيدية الابراهيمية. ويظل ناقصا هنا، تاريخ عقل مجتمع اللادولة، الاسبق على قيام الدولة القاهرة، المنفصلة عن مجتمع الشيوع، في ارض السواد، فلا تذكر مثلا، مظاهر من نوع تكرار نموذج الانسان الاله السومري، كما تحقق قبل ذلك بصورة المسيد المسيح، عيسى بن مريم، وصار من الممارسات البارزة، سواء في الفاطمية التألهية، او مع الحلاج مسيح التصوف، وهي انماط اختراقات للمفهوم، او اساس المنظور القراني الجزيري، ومثل هذا التوجه، مع انه يغمط الحقيقية التاريخية، لموضع له طابع الفعالية الكونية، الا انه يبرر من قبل الاسلامويين المتاخرين، باسم وحدة الايمان، بغض النظر عما اذا كانت هذه ممكنه، او ذات جدوى، بينما هم يواصلون النفخ في جسد ميت.
ولعل معضلة هؤلاء الكبرى، كما معضلة المجال التفكري الابراهيمي الناطق بالعربية، منذ الف عام، متاتية من انغلاق الافق التصوري، والجزم بنهاية التاريخ/ الختام النبوي/، مع الثورة المحمدية التاريخية الكبرى، مخالفين بذلك سنة التناسخ، والتتابع النبوي، كما داخل النبوة الواحدة، بجانب عجز هؤلاء، بناء عليه، عن تصّور دياكتيك ابراهيمي، صاعد، وسائر الى الامام، وبالمقارنه مثلا، بين احمد الكاتب، الذي يتعرض لمسالة المهدي، من زاوية الحدث الحرفي، وليس الاسطوري الواجب، بناء لاليات تشكل الرؤى والافكار، في موضع وزمن بعينه،. ولايجوز بالطبع ان نقارن بين مافعله اولئك الذين ارسوا دائم المنظور الانتظاري في القرن الرابع الهجري، وما يفعله هو اليوم، مما لاقيمة ولا دالة له، ذات مغزى تاريخي، سوى انه ينقلب الى جملة محاولات "الاستئناف المستحيل"، وهو المظهر الثاني الانقطاعي، مابعد الاسلامي، السائد منذ ابن تيمية، فهو يريد اليوم بعث اسلام لايبعث، بينما كانت عبقرية الوكلاء الاريعة، ابان مايسمى بالغيبه، قد تجرات على القول باستثنائية واجبه، بنهاية الاسلام، متوافقين مع الحقيقة التاريخية الكونية.
الكاتب احمد، معني، ومشغول، بمحابات الخرافة التاريخية، بينما هو يتصوّر انه يزيل من عالم الافكار، والاسلام، وطاة لحظة، يظنها مفبركة وخرافية. وهكذا يحدث حين يكون العقل المتراجع، ابان زمن التردي/ الانقطاع/، موضوعا داخل صندوق مقفل، لانه ينتمي الى عهد مضى، عهد النبوة الالهامية، و "الوحي" الباقي طاغيا، ومهيمنا على العقل، الى اليوم، بعد انتهاء مفعوله التاريخي، قبل ان تهل على العالم، لحظة مابعد النبوية، اي "الابراهيمية العليّة"، التي تحتكم الى قوة وحضور الاليات المعاشة، ومايكمن خلف الوحي والنبوة. 
من الطرف الاقرب للنبوة المحمدية؟ والصق بها؟، ذلك الذي يقر بعظمتها كمنجز، اختص بتحرير منطقة الابراهيمية التاريخية، وحرر واطلق الاليات الحضارية المتوقفة، تحت وطاة وثقل الامبراطوريات، ام من يريدون، لاسباب ودوافع ذاتية، وامبراطورية، خلفيتها فارسية، كما حال الصفويين، والخميني، او من يكررون القول، بان الغيبة والعمل بها، يحرم الشيعة من الحضور في التاريخ، فيقترحون عليهم، باسم الشورى، الخروج من النمط والنموذج الابراهيمي المجتمعي التاريخي، الى نمط نظام ونموذج في الممارسة، مستعار من بيئة مجتمعية تفكرية اخرى، مايعني وضع المحمدية، الابراهيمية جانبا، والتعكز عليها، واستغلالها لمايضادها ويتعارض مع جوهرها، وذلك بالطبع نمط من الممارسات الانية، المستمرة بالتناسل، باسم الاستئنافات المستحيلة، ابتداء من الوهابية، الى الصفوية، والخمينه، والتي تتحقق ان تحققت، مكرسة خليطا من نكوص الاسلام، والابراهمية، ومن الاستعارة الكاذبة، باسم "ديمقراطية كسيحة"، تحققت بفعل الغزو، في حالة العراق، وبدوافع امبراطورية خلفيتها فارسية في ايران، ولا داعي لان نصف حالة الدولة الريعية السعودية، ودرجة تشويهها الفاضح، للمحمدية الاسلامية التي تدعي استئنافها.
هل الايقاف المهدوي، اقرب لايقاع التاريخانية، وللحقيقة الكونية بغض النظر عن شكلها البنائي الاسطوري، غير الموثق، اقرب الى جوهر حركة وسيرورة الابراهيمة، واشكال تحققها عبر التاريخ واليوم، ام مدعيات الوثوقية، والغيرة الزائدة على "الحقيقة التاريخية"، ان بعض من يتعرضون لهذا الامر، يدعون انهم يعالجونه من داخل التشيع، وحركته، وتطورها، وهنا يكمن الخطأ الاخطر، فالتشيع ليس حركة " شيعية بذاتها"، وتطورها نصيا، ليس معزولا عن الدوافع والمحركات الاشمل، العراقية، اي انه ظاهرة ابراهيمية عراقية،قاعدتها ومحركها استحالة "الشورى"، ان اسلام العراق وعملية ايقافه، ناجمه عن شعور عميق، وقناعة باستحالة تحقق الشورى، اي فشل الاسلام في تحقيقها في زمنه، وهذا الاستنتاج حصيلة لفعالية تشكلت في تاريخ العراق، منذ الفتح في القرن السابع، واشتملت على منجز هائل، ديامي، من الافكار والرؤى، هي الدورة الابراهيمية الثانية، بعد تلك الاولى، التي رافقت الدورة الحضارية السومرية البابلية، في ارض مابين النهرين، وانتهت الى استحالة التحقق الاولى في حينه، وانتقال الابراهيمة، الى ارض الشام، تحت شعار "الوعد الالهي خارج ارضه"، للتعذر، ولاستحالة التحقق في حينه، الامر الذي عاد وتكرر مرة اخرى، ابان الدورة العباسية/ القرمطية، ممثلا بالمهدوية والغيبة.
تتحقق الابراهيمة في ارضها، كونيا، وتظل متعذرة خلال دورتين حضاريتين، بينما نحن نواجه اليوم، زوال التعذر، ودخول طور "اكتشاف كتاب ارض الرافدين الضائع"، وعند هذه اللحظة، تعاد بالطبع، قراءة ظواهر من قبيل، "الغيبة"، والمهدي، بعزلهما عن طابعهما الاسطوري، والتأكيد على ناحية التوافق مع الايقاع التاريخي، والمؤكد، ان مسالة غيبة الامام الثاني عشر، ووجوده، لاصحة لهما، ولاقيمة لهما بذاتهما، برغم دلالتهما الكبرى، وصحة مايومئان اليه، على صعيد المستقبل، ان تحقق مجتمع اللادولة العراقي، من هنا فصاعدا، هو المقصود الواقعي بالمهدي، وهذا امر لاتجوز على الاطلاق، شخصنته ولا حصره في اي انسان، مهما كان، ومن اية ارستقراطية عربية، انحدر.
منذ الف عام، والمنطقة الابراهيمية الناطقة بالعربية، خارج الفعل التاريخي، تغط تحت سبات الاستئناف المستحيل، ومقابله "الايقاف"، اي "الغيبة"، المتبقي الوحيد، المتطابق مع حقيقة عمل الاليات الحضارية التاريخية، فهل هي اليوم على موعد مع "الظهور"؟ ومع تجاوز اجترار الاسلام المنقضي، الميت، في غير زمنه، او استعارة النماذج والافكار الاستبدالية الغربية، الحديثة، من دون اي فعالية حية؟ مما يظهر، وما هو معاش، ثمة كارثة، حالة على هذه المنطقة راهنا، ما يجعل الامل بعيد جدا.. وقد يكون قريبا.