الدولة العراقية : سنوات الضمور والاضمحلال !

عارف معروف

معروف ان الدولة العراقية الحديثة ، ككيان سياسي بحدود معروفة ، هي من صنع سايكس بيكو والانكليز وبإدارة العائلة الهاشمية . لكن العراق ، عراق التاريخ والمجتمع والثقافة كان موجودا ومعروفا عبر التاريخ ، وكانت الولايات الثلاثة : الموصل والبصرة وبغداد ، مترابطة دوما برباطها العراقي الذي كانت بغداد ، منذ عهد العباسيين ، مركزه وروحه . وغنيٌ عن البيان ، ان تلك الولايات لم تكن محدودة بحدود المحافظات التي تحمل اسمها اليوم ، كما قد يُفهم ، خصوصا من جيل الشباب ، فولاية الموصل كانت تشمل كل شمال العراق وجزء من تركيا الحالية ، وولاية بغداد كانت تشمل كل الوسط العراقي الحالي مما يلي ولاية الموصل وحتى حدود ولاية البصرة ، اما ولاية البصرة فقد كانت تشمل كل الجنوب العراقي إضافة الى كل الأراضي جنوب البصرة لتشمل الكويت والبحرين وقطر وحتى شمال الامارات ، وكان ذلك الامتداد يتسع ويتقلص بحسب قوّة ونفوذ الدولة العثمانية وقوّة وامكانية والي البصرة على لجم وإخضاع القبائل في صحارى الجنوب العربي المنتهية بالخليج والبحر .وفي المصادر التاريخية ، العربية الإسلامية القديمة والتي سبقت قيام الدولة العثمانية ، تجد ان هناك إشارات متواترة الى " العراقي " كشخصية تتميز بسمات معينه . 
لقد ادرك فيصل الأول، بحسّه العملي وتجربته المباشرة ان اقوى التهديدات بالنسبة للكيان العراقي السياسي الجديد تتمثل في عدوّين لدودين : البداوة والقبائل وروحها الرافض للانتظام والخضوع لمتطلبات بناء دولة حديثة ، من جهة . وروح الفرقة وغلبة الولاء للهويات الفرعية ، طائفية واثنية بين بقية السكان المدنيين ، من جهة أخرى .وادرك ان أسلحته التي ينبغي ان يعتمدها ويشحذها في مواجهة ذلك هي : جيش قويّ أولا ، وحكومة مركزية بجهاز اداري متمكن ثانيا ، وتعليم وطني يؤكد على قيم الوحدة ويُعّد للدولة والمجتمع ما يحتاجانه من كفاءات ثالثا .
لقد عززت موارد النفط التي أصبحت ذات تأثير منذ مطلع الخمسينات من نمو هذه الأدوات الثلاثة بسرعة كبيرة ، لكن هذا النمو كانت له عوارضه الجانبية بالطبع وكان أهمها وأكثرها تأثيرا هو تشوه إمكانية ودور الطبقة الوسطى . فنمو وتضخم البرجوازية البيروقراطية ضمنها ، قابله ضعف وتدهورمساحة وتأثير الرأسمالية الوطنية ، الاجتماعي والانتاجي والسياسي .
كان الاقطاعيون في الوسط والجنوب ومشايخ البدو في الشمال والغرب واغوات الكرد في كردستان قد تحولوا الى قوّة مضادة للمجتمع ومصالحه الأساسية ففي الجنوب حولوا الأراضي الزراعية الخصبة الى قفر بفعل سوء الإدارة في الموارد البشرية والطبيعية وتسببوا في افقار الريف بصورة غير مسبوقة وهجرة الفلاحين المليونية الى المدن مما حوّلها الى خرائب بفعل عدم قدرتها على الاستيعاب المنظم واوجد جملة نتائج اقتصادية واجتماعية وسياسية بقي المجتمع العراقي يعاني من عقابيلها المتفاقمة عقودا طويلة . وفي الشمال وكردستان تحّولوا الى مُلاك مطنبي الثراء على حساب الأراضي الاميرية ( أراضي الدولة ) من جهة وأبناء جلدتهم من صغار الفلاحين من جهة أخرى ناهيك عن وقوفهم جميعا ، في الشمال والوسط والجنوب كقوة في خدمة التاج وبريطانيا ضد مصالح الشعب العراقي عند كل طاريء.
لقد اودعت الطبقة الوسطى خلاصة رؤيتها البنائية الاجتماعية في خطط ومشاريع مجلس الاعمار ، تلك التي كان من شأن تنفيذها وضع العراق والمجتمع العراقي على سكة التحديث والبناء والتقدم المستدام ، لكن قوى الاقطاع ومصالح الضباط الشريفيين الذين تحولوا الى طبقة بقيادة نوري السعيد ومصالح البيت الهاشمي حالت دون التنفيذ الجدي لتلك الخطط ومنعت التطوير الذي كانت تخافه وتخاف نتائجه الاجتماعية بالفعل وكانت ثورة 14 تموز هي الوسيلة التي حاولت بها الطبقة الوسطى ان تشق كفن الخمول والموت عن المجتمع وان تنفذ خطوات رؤيتها البنائية التحديثية ، وقد عبرت ثورة تموز ومنذ الأيام الأولى عن ذلك البرنامج الاجتماعي الواعد...
لكن التشوه البنيوي للطبقة الوسطى وغلبة القاعدة البيروقراطية والبرجوازية الصغيرة على تكوينها ، يومذاك ، وضعف وضيق القاعدة الاجتماعية للرأسمالية الوطنية ، افقدها زمام المبادرة والتأثير ولم تعد قادرة على تقديم شخصية وطنية كاريزمية مثل جعفر أبو التمن ، اواحزاب وقوى سياسية مثل الحزب الوطني او حزب الاستقلال والتي كانت قد ضعفت بل وانتهت عمليا لصالح أحزاب وقوى البيروقراطية والبرجوازية الصغيرة والفئات الهامشية حتى انتهى قادتها الى السير في ركاب وتأثير تلك الأحزاب ، فكان كامل الجادرجي وحسين جميل ومحمد حديد الى جانب الحزب الشيوعي في حين اصطف محمد مهدي كبة الى جانب حركة القوميين والبعث .
لقد شكلت وقائع 1959 وما بعدها من سنوات ، بداية تدهور المنحى الصاعد للدولة العراقية والنظام القائم على القانون فيها وعظمت تدريجيا صور وأساليب انتهاك النظام والقانون وهيبة الدولة لصالح اللاانتظام حتى دشن العام 1963 بداية خروقات غير مسبوقة للقانون والنظام فشهد العراق الاعدامات دون محاكمة ومنح الرتب العسكرية دون استحقاق وصرف الرواتب والمكافاءات المالية دون ضوابط وخارج التعليمات ،وسادت عقلية وممارسات البرجوازية الصغيرة الأقرب الى الغوغائية ، وانتهى امر البناء والتحديث وتمكين الدولة باعتبارها وسيلة واداة اجتماعية الى غير رجعة .
شهد العام 1964 توجيه طلقة الرحمة الى الرأسمالية الوطنية العراقية ، كوجود مادي واجتماعي مؤثر ، وان كان حسير ، بعد ان انتهى تأثيرها السياسي قبل ذلك . وأتت تأميمات ، 1964التي لم تكن لها اية حاجة او ضرورة ،على صناعات وإمكانات وقدرات إدارية واعدة ، لمجرد محاولة نظام عبد السلام عارف تقليد او التشبه بالنظام الناصري ، الذي كانت ظروفه ودوافعه وآفاقه مختلفة جدا عن مثيلتها في العراق .. فغابت أسماء مثل فتاح باشا والقاضي وكتانة وغيرهم ، بمضامينها الاجتماعية المهمة، مثلما غابت أسماء ممثليهم السياسيين من قبل ، لصالح أسماء أخرى لعسكريين وحزبيين وذوى قربى عشائريين ستنعكس آفاقها وطرائق ادارتها وتفكيرها على الدولة العراقية والمجتمع العراقي ... تلك الدولة التي ستفتض بالكامل بعيد ذلك ، لصالح الحزب والفرد . وذلك المجتمع الذي سيقع في براثن عبودية من نوع جديد وخراب مختلف المضمون . وسيسجل التاريخ بداية سطوة أخرى للبداوة على الدولة والمجتمع وتغلب لروح اللا انتظام على النظام وان بمحتوى واشكال أخرى غير مسبوقة !