الاستئنافات والايقافات: النجف وانتهاء زمن -الغيبه-(4)

عبد الأمير الركابي

تواجه النجف عاصمة " الغيبة"، او "الايقاف" الحديثة، منذ عشرينات القرن، ازمة مفتوحة، لاشك انها تعاظمت في العقود الثلاثة الماضية، ابان انهيار تجربة الحداثة، وتهاوي ماعرف بالدولة "الحديثة"، وسحقها من قبل الغزو الامريكي، بعد 82 عاما من اقامتها، ووقوع العراق قبلها، تحت اقسى حصار فرض على دولة، والتبدل العنيف المتسارع في التوازنات، والمفاهيم والقيم، مع سقوط ثنائية الريعية النفطية/ الحزب العقائدي العائلي، واعتلاء قوى ماقبل الدولة واجهة السلطة، بظل افتقاد للهوية الوطنية، وتشظي الوزن الكياني، وتوزع، قواه السياسية النافذة على مراكز القوة الاقليمة والغربية، ماولد حالة، يمكن ان يطلق عليها اسم "عراق اللاعراق"، حيث لاقوة ولاتعبير، يملك طاقة الفعل، بصفته هيئة وطنية، وحيث الجزئية المستشرية، كأنها دالة على ماقبل التشكل الكياني المجتمعي، او كأن العراق لم يكن، او ان العراق الذي فبرك في العشرينات، على يد الغرب، لاضطرارات كولونيالية، قد عاد الى ماقبل العشرينات، فوجدها وقد اختفت، ولم تعد هي ذاتها، ولا الاليات التي ظلت تتحكم بها، هي نفسها.
ويشمل هذا العود الى مالم يعد قائما، مكانة ودور العاصمة الحديثة السابقة على بغداد، ومركز القيادة الوطنية، والتشكل الوطني، الثانية، بعد العاصمة الاولى، في "سوق الشيوخ" جنوب العراق، حيث مركز قيادة الطور القبلي، من التشكل الوطني العراقي الحديث، الراهن الثالث، والاثنتان مدن "دول لادولة"، الاخيرة من بينهما اخذت بالتبلور، منذ القرن الثامن عشر، وراحت تبلوراتها بالتسارع، بعد فشل الثورة الثلاثية، ذروة تجلي الطور القبلي في 1787 وانتصار الوالي المملوك، سليمان باشا الكبيرعليها،في المعركة الاخيرة الفاصلة بينهما في المنتفك.
ومن يومها صار من الملح بالنسبة للمشاعات القبلية العراقية، غير المتلائمة بنية وطبيعة مع القيادة القبلية "التغلبية"/ من اصول جزيرية ( آل شبيب)/ بعد ان كانت استقدمتها، وو ضعتها بموقع القرار، لاستحالة تميز احدها على الاخرى فيما بينها، بحكم كبنونتها، وطبيعة بنيتها اللاتغلبية، المشاعية المساواتية، النافية للتمايز، مع الحاح ضرورة تبلورها، في تعبير شبه كياني، بعد انحسار مفاعيل حقبة الانقطاع الحضاري الثاني، المستمر من 1258 ،وعودة اليات التشكل الحديث للعمل، في القرن السابع عشر.
ويبدو ان النجف، كانت من جهتها، مع بعض المدن الفراتية مثل الحلة، مشموله هي الاخرى بمفاعيل التشكل الجديد، في ارض السواد، ومع انها بالذات، كانت قد تحولت لموضع فعالية محتملة، مؤجل، منذ القرن التاسع، مع انتفال العلامة المفيد اليها في حينه، بعد مجيء المتوكل للخلافة، وازدياد الضغط المذهبي في بغداد على الشيعة، وهو ماقد عاصر تاسيس الازهر في مصر، على يد الفاطميين، من الفرع الشيعي الاسماعيلي، العراقي الاصول، لكن النجف ظلت، من دون فعاليه تتجاوز نطاقها، لتمتد الى بحرها العشائري، المساواتي اللادولوي، الى القرن الثامن عشر، اي بعد قرابة قرن على بدء التشكل الوطني الحديث، اي تشكل مجتمع "اللادولة" الجنوبي، السومري، القرمطي تاريخيا.
ووقتها تسارعت الفعالية الضرورية، المطابقة لمقتضيات تشكل مركز قيادة لادولة، متداغم مع المحيط العشائري المساواتي المشاعي، يمارس السلطة بحسب قوانين "اللادولة"، فلا يحتكر السلاح، ولا الادارة المسيرة "البيروقراطية"/ بحسب ماكس فيبر/ وليس لها جيش، ومؤسسات سلطوية اكراهية. الامر الذي سيستحث نوعا من الابداعية اللادولوية، المرتكزه من جهة الى "الايمان"، وبتجسيد قانون "اللادولة" وهو مايتمثل في اعتماد مفهوم "الغيبة"، وتحريم السلطة المنفصلة، مع مايناسب مثل هذا المبدأ، من قواعد اجرائية، تمثلت في ثلاثية ( الاجتهاد/ التقليد/ الحوزة) ومع تطابق مبدأ " الغيبة"، مع طبيعة اللادولة العراقية الجنوبية التاريخية، فقد ظلت، حتى بداية القرن العشرين، تلبي الحاجة لتاكيد الذات، عبر لصراع مع العثمانيين، والمماليك، فالتشكل الوطني الحديث، بدا متزامنا مع حكم المماليك، المواكب لبداية التشكل الحديث، والمنتهي في 1831 اي مع عودة الدينامية الوطنية للفعل، بعد بضعة قرون من غيابها، وخضوع العراق لحقبة من "الانقطاع الحضاري" الثاني، بعد انهيار دورة الصعود الثانية العباسية/ القرمطية.
ومع عودة الديناميات التاريخية الحديثة، تبدا حالة الازدواج المميزة لبنية العراق بالعودة، وتتغير قوانين الحياة، والصراع، ووتيرة النمو، ان منظور الغرب الحديث، المتغلب والسائد في النظر للعراق، ولعملية تشكلة الحديث، تلغي بسبب قصورها، العراق الفعلي لصالح عراق " حديث" مختلق، مركب ومفبرك، وفق مقاسات ونموذج الغربي الحديث، مثلما كان العراق قد غاب، في الدورة الثانية الحضارية، ليخضع لما عرف بالمنظور الاسلامي، وفي الحالتين، تنهض مهمة ليست عادية، طال الزمن على العقل العراقي، قبل ان ينهض بها، لصالح كينونته الغائبة، المتعذرة، ومكانتة المفترضة ككيان ازدواج مجتمعي، بحيث تنقلب المعادلة، فيقرا الاسلام عراقيا، وتقرأ الحداثة الغربية هي الاخرى، عراقيا، انطلاقا من تكريس قانون التشكل الخاص بمجتمع وكيان الدولتين والمجتمعين والياته، فالعراق، اي ارض الرافدين، ومن دون اي كيان معروف على الارض، ينمو ويتشكل من الاسفل، حيت الديناميات الاعلى، هذا ماحدث في الدورة السومرية البابلية، وهو نفسه الذي حدث في الدورة الثانية العباسية القرمطية، وهو ذاته الحاصل في الدورة الثالثة اليوم، منذ ظهور الاتحادات القبلية، في ارض سومر التقليدية، في "المنتفك"، وقانون النمو والصعود من الاسفل، لاعلاقة له بما يسبقه عادة، من توقف الديناميات، خلال فترات الانقطاع الحضاري، كما حصل بين 539 قبل الميلاد مع سقوط بابل، الى القرن السابع، تاريخ الفتح العربي الاسلامي، ومابين 1258/ الى القرن السابع عشر اليوم، حيث تقوم الدول في الاعلى، اي في عراق الجزيرة،خلال فترات الانقطاع، متحررة من قوة فعل مايناظرها عادة، اي مجتمع الادولة الرافيديني، المطابق لطبيعة عراق السواد، الاسفل.
ولم يكن التشيع الحديث ليتبلور، كمزكز قيادة وكقيادة دولة لادولة، لولا عملية التشكل العراقي الحديث، وعملية صعودها المطرد، وتغير متطلباتها، مايجعل منها لحظة ضرورة، متطابقة مع ضرورات تاريخية، الامر الذي لايمت باية صلة، الى العملية المعروفة بظهور السوق الراسمالية العالمية، التي لم تكن قد وجدت في حينه، حتى وان ظهرت لها بعض الملامح التجارية، البعيدة عن العراق، في الخليج العربي، وعلى الطريق الموصل للهند، قبل الامبراطورية البريطانية، ونقصد البرتغالية والاسبانية، والهولندية، قبل ظهور شركة الهند الشرقية، ومن المفيد التنبيه هنا، الى تعاصر بدء عملية التشكل الوطني العراقي، مع الثورة الصناعية الاوربية، وحصولهما في القرن نفسه، مما يقطع، في كون عملية الصعود العراقية الراهنه، موكوله حصرا، الى الاليات الحضارية التاريخية العراقية، بخلاف القول الاكراهي المختلق، عن ارتباط هذا الجزء من العالم، بما يسمى السوق الراسمالية العالمية.
ونحن نعمد هنا الى التذكير، بظروف وشروط نشاة العراق الحديث، وكينونته، لكي نتحرى الدور الذي كان من الناحية التاريخية والضرورة، مناطا بموضع مثل النجف، وظروف تراجعه، بعد الثورة الكونية الاولى، التي قادها عام 1920 ضد الاحتلال الانكليزي، ومااعقبها من هجوم استعماي مضاد، اتخذ صيغة الخروج على المباديء الكولونيالية، الاستعمارية المعتمدة حتى وقتها، بانتقال الاستعمار الانكليزي، لصيغة "الاستعمار الجديد" الامريكية، التي لم تتبلور لاحقا، الافي الستينات من القرن المنصرم، وهو مااطلق عليه في حينه: ب "الحكم من وراء ستار"، واقامة حكومة من اهل البلاد، ماقد اصاب المركز القيادي الوطني، بنوع من الانتكاسة شبه الشامله، لم توفق لتحاشي ضررها القاتل، الا باللجوء كما حدث في الثلاثينات، وقت ابعاد عدد من رجال الدين النجفيين، الى ايران، على يد عبدالمحسن السعدون، باعلان التمسك بالايقاف، وبتعطيل الاسلام، اي رفض الولاية العامة والعمل بها، وهو ماكان جوهر الالتماس، الذي قدمه رجال الدين المعنيين للحكومة، لاجل العودة وممارسة دورهم الديني حصرا( لايمكن هنا نسيان ممارسة التقية عند تلك اللحظة الخاصة )، بظل نمط حكم متشبه بالغرب، من حيث اشتراط المركزية، ووحدة القوانين، واحتكار السلطة والسلاح. وجملة المفاهيم الحديثة والعصرية الطاغية وقتها.
يتبع
ـ النجف وانتهاء زمن الغيبة