اوراق من الذاكرة(7)

الشتاء في الصحراء مختلف عن اشتية مدننا. تزداد فيه مشاعر الوحدة والسكون، ويحلو لمن يحدث نفسه، سماع صدى الكامن في أعماقه. والعمل افضل علاج لطرد هذه التداعيات، وهأنذا اقف بجوار الخسفة(12)ناشرا خريطة الابار المحفورة فيها، ومحددا هذه الآبار على الارض بالحجارة، لأرسم تخطيط أولي لها، يوضح المدخل والطريق الى مركز الخسفة، ومكان تكديس المواد المستخرجة...الخ، راجعته بالمخيم، بعد. تدقيقه مع بيانات الحفر، لوضعه بشكله النهائي. ومن نافل القول، ان عملنا هو تحصيل حاصل لعمليات تحري وحفر آبار لتأكيد نوعية وشكل امتداد جسم الخام المستهدف
باشرت الاليات برفع طبقات الغطاء، وصولا الى السطح العلوي لخام البوكسايت. ومع ظهور  مؤشرات مشجعة لاحتمال امتداد الخام في الجوار الملاصق، خارج حدود الخسفة المحددة سلفا، طلبت بالتوسع بأعمال الكشف، لتشمل هذا التمدد. وبعد استكمال اعمال الكشف والقلع تكون الحصيلة اكثر من(50)الف طن بوكسايت، بخلاف حسابات التحري، والتي كانت بحدود(9)الاف طن، ونكون قد سجلنا اكبر وأعمق منجم للبوكسايت لحد الان، خطوة اشعرتني بالشجاعة امام تجاوز المعلومة الجاهزة، وقربتني من فهم طبيعة تكوين ومنشأ الخام
 هذه النجاحات لم تحجب ملاحظتي بداية انزياح أوصال فريق العمل، بين جنوبيين، وأبناء الانبار، برزت اكثر في عشرة محرم/يوم الاحزان، وتحولت العبارات والنكات، التي كانت مدعاة، للسخرية والضحك الى اوضاع جالبة للتوترات. ومع نفسي كنت مدرك خطورة هذا الاستقطاب على استقرار العمل، وعلى استمرار معيشة وبقاء عوائل بعض الجنوبيين، الذين إسكانهم في مجمع عكاشات
 
كنا الجهة الموردة لأطيان الفلنت لمعمل سمنت الفلوجة، والمستخدمة لغرض تحسين نوعية السمنت المنتج، وقد وزدناهم بكمية(2000)طن كدفعة أولية، ولغرض مطابقة المواصفات مع النوعية المجهزة اوفدت السمنت العراقية خبيرها (شاؤول)الى مقر المعمل بالتزامن مع حضوري في نفس الموعد، وبعد حديث قصير عن المواصفات والانحرافات المحتملة، ذهبنا الى أكداس الفلنت لنمذجتها، والتي كانت سبعة أكداس كبيرة، قمنا بنمذجتها واختزالها الى نموذج ممثل قسمناه بيننا، لإجراء الفحص الكيميائي، وكانت إجراءاتنا حسب دليل سياقات المسح الجيولوجي. اردت المغادرة ولكن شاؤول، طلب مني التريث لتناول وجبة الغداء، المهيئة من قبل المعمل. وكان مجالا للحديث بيننا، وقلت يجاورنا في سكني بالكرادة جار يهودي، من جيل والدي، وهم اصدقاء منذ فترة طويلة، وينتمون الى اليسار العراقي، ويدعى(ابو احسان)لديه ثلاثة ابناء، عرفهم على الفور. وكانت فرصة للحديث بشيء من الاريحية، عن أمور تشغل بالي، وقلت ان دراستنا الجامعية أعطتنا معرفة علمية، ولكن منقوصة التطبيق، ولكن زجي بمشاريع متنوعة والعمل مع رواد، امتلكوا تقنية العمل الجيولوجي بشكل احترافي، ساعدني كثيرا. فأجاب :نعم الدراسة الجامعية تعطينا المعرفة، ولكن الحرفية موضوعها أوسع من الدراسة وهي ذات مضامين سوسيولوجية ، وتاريخية، ودينية. فنحن كيهود، كنا نقوم بالصناعة والزراعة في الجزيرة العربية، ايام نبيكم، وكنا نمد الجمع المتحارب، بمعدات القتال وقتذاك، ونعرف قيمة الحرفية والمعلومة اكثر من غيرنا، وبادرني، بالسؤال عن الرواد الذي تتلمذت على أيديهم :الم يكونوا في الغالب مسيحيين، اكراد، صابئة، ونسبة اقل من العرب المسلمين، وافقته. واستمر في حديثه، ان ابناء الاقليات قد لا يكونوا من الاوائل،ولكنهم كذلك في موضوع استلهام تقنيات الاحتراف، لانه بمثابة دفاع وجودي عن مواقعهم في المجتمع، بحيث يكونوا خارج موجة الأكثرية، ومؤثرين عليها في نفس الوقت، بسبب أداؤهم المتميز في جميع المهن والتخصصات. ولنفس السبب فقد المجتمع العراقي جزءا من قدراته، بعد هجرة اليهود، وسيخسر بشكل اكبر، عندما يغادره المسيحيون، والصابئة، وغيرهم من الاقليات، لان المعرفة التطبيقية لها ثمنها، وتدرج في العقود المبرمة مع الشركات الأجنبية، كنت منصتا منبهرا، بهذا الكشف، والخسارة الفادحة التي يمكن تخيلها بعد القضاء على تنوعنا المجتمعي الذي يمثل قلب تطور المجتمع ومحفزه البنيوي. بعد تناولنا وجبة الغداء، انصرفنا الى بغداد، وأدخلنا النماذج الى مختبرات الكيمياء، لتظهر بعد أسبوع، وكانت متقاربة، ومطابقة للمواصفات العقدية بيننا
.