حول الدولة الطائفية/تحجر البنية الاجتماعية ــ الاقتصادية في لبنان [2]

صفية أنطون سعادة

لا نزال نحيا في لبنان ضمن نظام قروسطي من طوائف مغلقة وحارات طائفية مقفلة (أرشيف)

إدارة الدولة الطائفية

من المعروف عالمياً أنه كي تكون إدارة الدولة ناجحة يجب أن تتبع مؤسساتها قوانين تتماشى وتتناسق مع بعضها، وتتبع المنطق نفسه. فالإدارة التي يتبع موظفوها نمطين متناقضين من القوانين، تنتهي بالفوضى والفساد. لقد انسحب النظام الطائفي اللبناني على كل مرافق الحياة من اجتماعية واقتصادية وسياسية وحتى نفسية، وادارة الدولة التي يُفترض بها ان تقوم على اسس منطقية بحت، هي في الحقيقة اللبنانية محاصصات، وصراعات على مراكز الدولة بين الطوائف ما جعل مؤسسات الدولة بمنزلة مؤسسات خاصة لهذه الطوائف، فاختفى مفهوم الشأن العام، وهذا هو السبب الأساس في فساد الإدارة. من المهم أن نعي أن الطوائف شأن خاص، وشؤون الطائفة إلى حد كبير هي مواجهة الطوائف الأخرى، بينما مصدر سلطات الدولة الحديثة، أي الدولة القومية/ الوطنية، نابع من الشعب ككل بمعزل عن انتماءاته الدينية والعرقية والجندرية أو العقائدية، ومن أجل تحقيق هذا الهدف نُصت قوانين «عامة» تؤمن المساواة بين المواطنين فلا فرق بين «خاصة» و«عامة» كما كان سائداً ما قبل الدولة الحديثة، ولا تفرقة وتفضيل بين مذهب وآخر.
مؤسسات الدولة الحديثة تقوم على خدمة الوطن والمواطنين والمواطنات، ويؤدي انشاؤها إلى تنظيم العمل والأعباء بشكل عقلاني يقود إلى الأهداف الوطنية المتوخاة، كما أن المناصب محددة المهام والتراتبية، والسلطة ممنوحة للمنصب وليس للشخص الذي يحتل المنصب، لذلك حين يترك موظفاً ما مركزه يعود مواطناً عادياً كغيره من المواطنين، إلا في النظام الطائفي حيث يحمل المسؤول المغادر سلطة المنصب معه!
إن عمل الدوائر الحكومية في الدولة معطل لسببين رئيسيين: أولاهما، هو ممارسة توزيع مراكز الدولة وكأنها هبات للطوائف المختلفة حيث تستطيع هذه الطوائف الاستفادة من هذه المراكز لتوزيع المغانم على أبناء الطائفة؛ وثانيهما، التعيينات القائمة على نظام الملة. هذه الممارسات أدت إلى العواقب التالية:
أولاً، يعيّن الموظفون بحسب طوائفهم لا بحسب كفاءاتهم في ادارات الدولة، خاصة وأن الوظائف مقسمة بحسب التعداد السكاني لكل طائفة، ليس كما هو في القرن الواحد والعشرين، بل كما كان منذ قرن من الزمن، لأن ذلك يناسب الطوائف المسيحية التي تضاءل عددها عبر السنين، فنجد مثلاً وزير الداخلية السابق ميشال المر يصرح أنه لن يسمح للمسلمين، وخاصة الشيعة بدخول الجيش لأن أعدادهم ستزيد عن أعداد المسيحيين (1). هكذا يتحول الجيش المفترض به أن يكون حامي الوطن إلى بؤرة تنازع بين الطوائف، ما يؤدي إلى تشرذمه فيُنزع عنه اداؤه الوطني، ويبخّس من دوره واحترام المواطنين له.

لا وجود لدولة حديثة بمعزل عن الدولة القومية/ الوطنية


الشواذ عن هذه القاعدة حصل حين قام الرئيس اميل لحود بدمج الألوية التي كانت مؤلفة من طوائف منفصلة بعضها عن البعض الآخر من أجل تكوين جيش وطني، والزم الشبان الذين اتموا الثامنة عشر من عمرهم بخدمة العلم لسنة كاملة. وكانت المفاجأة أن الطائفة المسيحية هي من اعترضت على خدمة العلم وطالب نوابها بالغائها وهذا ما حصل. فمن جهة يرفض المسيحيون الانخراط في الجيش، ومن جهة أخرى تمنع القيادات المسيحية المسلمين التواقين لخدمة الوطن من ولوج هذا الباب. هذا مثال ساطع على أن النظام الطائفي لا يستطيع أن يبني دولة حديثة، ولا دولة قوية، لأنه ينظر إلى الامور من منطلقات خاصة بالطائفة لا بالوطن والشأن العام ككل.
ثانياً، يتم تضخيم الكادر الإداري جراء التعيينات الطائفية، ذلك أن رئيس كل طائفة يعد أبناء الطائفة بأنهم سيلتحقون بمراكز إدارية في الدولة إن تم انتخابه. وبما أن كل طائفة تقدم الوعود نفسها يصار إلى تمثيل كل الطوائف في الإدارة بمعزل عن حاجة مؤسسة من المؤسسات إلى هذا العدد الكبير. والمضحك أنه حتى في باب الجنايات والجنح والجرائم والمحاكمات يؤخذ في عين الاعتبار الحكم على أفراد ينتمون إلى طوائف مختلفة لا إلى طائفة واحدة من باب المساواة بين الطوائف!
ثالثاً، يؤدي هذا الوضع إلى الاستغناء عن مبدأ المحاسبة، إذ إن الموظف يعرف أن ولاءه لرئيس طائفته وتقديم الخدمات الإدارية له هو الذي يبقيه في مركزه لا الانصياع لرئيس الدائرة التي يعمل ضمنها، وينتج عن ذلك ليس فقط الهدر والفساد بل انهيار مؤسسات الدولة وانتاجيتها.
أخيراً، تتمحور الترقيات في إدارات الدولة على المقربين من رؤساء الطوائف بدلاً من أن تأتي نتيجة العمل الدؤوب ونزاهة واخلاص الموظف الإداري، ما يؤدي إلى انهيار مستوى الادارات وانتشار الفوضى وامتناع المثقفين الذين يحترمون انفسهم وشهاداتهم من الانخراط في مؤسساتها.
حاول اتفاق الطائف التحايل على هذا الوضع لا اصلاحه عبر ادراج المواد التالية: «الغاء قاعدة التمثيل الطائفي، واعتماد الكفاءة باستثناء وظائف الفئة الأولى، وتكون هذه الوظائف مناصفة بين المسلمين والمسيحيين». فكيف يستوي هذا الأمر؟ من الطبيعي أن يبادر من تعيّن على أساس طائفي إلى توظيف أكبر عدد ممكن من مناصريه ضمن طائفته ليضمن استمراريته في السلطة، وهم بدورهم سيدعمون بقاءه لأن بقاؤهم من بقائه!
أمر آخر ينص عليه اتفاق الطائف هو «اللامركزية الادارية»، وهذه غير ممكن التطبيق لأن لا إدارة مركزية في لبنان كي نطالب بـ«لامركزية»، فالطوائف ترفض وجود سلطة مركزية، وتحكم على الطريقة الوفاقية العشائرية؛ الدولة بجميع مؤسساتها غاطسة باللامركزية الإدارية وغير الإدارية.

الهيئات السياسية
الدولة الحديثة هي الدولة القومية (nation-state)، ولا وجود لدولة حديثة بمعزل عن الدولة القومية/ الوطنية، فهي سُميت حديثة لأنها وضعت معالم جديدة مختلفة عن نمط الامبراطوريات الدينية كما كان الوضع في أوروبا خلال هيمنة الكنيسة الكاثوليكية، أو في المشرق العربي خلال الامبراطورية الاسلامية العربية، ثم العثمانية.
مع انهيار السلطنة العثمانية تحت ضربات بعض الدول الغربية، سارع الجيش التركي وبمؤازرة النخب التركية المثقفة إلى اتخاذ قرار تحويل تركيا إلى دولة قومية لمواجهة المد الغربي، والاستغناء عن النظم التي سادت إبّان الفترة العثمانية. عنى ذلك ثورة على المفاهيم السائدة والمنتشرة بين عامة الشعب من جهة، ومواجهة كل المجموعات المستفيدة من النظام القديم التي ستقاوم هذا التغيير من جهة أخرى.
إن التحول من الدولة الدينية الى الدولة القومية/ الوطنية بدأ في الشرق الأوسط مع نهاية الحرب العالمية الأولى، أي في بداية القرن العشرين، بينما كان الغرب قد سبقنا بقرون في بناء هذا النظام الجديد والمتفوق.
عمد أتاتورك إلى الغاء النظم العثمانية بقوة السلاح وهو العارف أنها الطريقة الوحيدة للتغيير السريع وانقاذ تركيا من براثن الاستعمار الغربي. وتمحورت أيديولوجية أتاتورك وحزبه الكمالي على المبادئ الست التالية (2):
دولة قومية - جمهورية – علمانية - شعبية – اصلاحية – اشتراكية. وأصبحت هذه المبادئ جزءاً من الدستور التركي عام 1973.
في المقابل، بقي لبنان محافظاً على النظام الطائفي - الملي العثماني (3). ونحن، في عام 2018، لا نزال نحيا ضمن نظام قروسطي من طوائف مغلقة، وحارات طائفية مقفلة على «الغريب» من أهل البلد، ولكل حارة مستشفاها، ومدارسها، وجامعاتها، ونقابتها، وأحزابها، ودور عبادتها، ومقابرها، ورؤسائها الذين يورثون سلطتهم إلى أولادهم. ولا تزال وراثة الوظائف سارية في لبنان ليس فقط في القطاع السياسي (4)، بل أيضاً في البيوتات التجارية، وأصحاب المصارف، وحتى في المهن الحرة كالطبابة والهندسة. أما الدوائر والمؤسسات الحكومية فهي أيضاً مقسمة بين رؤساء الحارات والملل، وليس أدل من ذلك الأزمات المتكررة بين الوزراء والنواب بسبب التعيينات الادارية (5) ليس بسبب كفاءة أو عدم كفاءة الموظف الحكومي، بل بسبب طائفته ومذهبه، أي لون جلده! أما الصعاليك في هذا النظام فهم العلمانيون الذين ينشدون إدارة عقلانية، منطقية، علمية، متخصصة بعيدة عن النسب الطائفي. هؤلاء منبوذون من جميع الطوائف دون استثناء، ولا مكان لهم ضمن الملل، لذلك هم يغادرون إلى الخارج حيث تُحترم مؤهلاتهم العلمية. ولقد حاول البعض اقتراح قانون يسمح للعلمانيين بالانتخاب ضمن طائفة خاصة بهم كونهم غير ممثلين في الدولة، فرُفض الطلب من الغالبية العظمى، والأمر نفسه حصل حين طالبت المرأة بكوتا تسمح لها ان تتمثل في المجلس النيابي. والغريب أن بعض اليساريين أبدى استهجاناً لطرح موضوع «الكوتا»، وأكد أحد هؤلاء أن الحل هو بالعمل ضمن الأحزاب، لكن كيف ينخرط علماني في نظام يمنعه من ممارسة حقوقه المدنية؟ وكيف يتمثل علماني في نظام طائفي لا وجود ولا حقوق فيه للمواطن أو المواطنة؟ وفي مجمل الأحوال، الأحزاب اليمينية منها، واليسارية التي تدعي التقدم والانفتاح، تمانع تبوؤ المرأة مراكز السلطة في الشأن العام. إن عدم تمكن المرأة من الوصول إلى هذه المراكز بأعداد تتناسب ووزنها العددي لا علاقة له بتبريرات من نوع أن المجتمع محافظ وتقليدي، فالمجتمع في سورية والعراق والأردن لا يقل تقليدية ومع ذلك المرأة ممثلة باعداد تفوق تلك التي نراها في لبنان (6). الحقيقة المرّة هي أن الغالبية الساحقة من السياسيين ترفض ادراج «كوتا» للعلمانيين وأخرى للمرأة، لأن مجرد قبول هاتين الفئتين يعني انهيار النظام الطائفي ككل. المرأة صنف لا طائفي، وكذلك العلماني/ العلمانية، وانخراطهم في التمثيل النيابي، يعني أن هذا التمثيل ليس متوقفاً على الطائفة وحسب.
إن دولاً عريقة في الديمقراطية أقامت نظام «كوتا»، حتى أنها أعطت أفضلية في الوظائف الادارية للمرأة في حال تساوت كفاءتها مع كفاءة الرجل للوقوف في وجه المنحى القمعي للمجتمعات التقليدية، وحتى الجامعات في الولايات المتحدة الأميركية حددت «كوتا» الزامية للطلاب السود والمكسيكيين بسبب التمييز العنصري. فلا مناص من أن يقوم المجتمع بتحمل مسؤولية الغبن الحاصل، وتخصيص نسبة معيّنة إلى حين استتباب المساواة، وفقط حينئذ، يصبح الغاؤها ممكناً.
أراد رؤساء الطوائف تغطية وضعهم اللاديمقراطي بادراج قوانين دستورية لا تُمارس على أرض الواقع. والظاهر أن مواد الدستور وُضعت للمتعة النظرية البحت، وغايتها دعائية وترويجية لنعلن للدول الغربية أن نظامنا يتطابق مع نظامهم الديمقراطي والجمهوري.

المصادر
1 - انطوان سعد، «دعوة فتح التطوع في الجيش دون الاخذ بالاعتبارات الطائفية»، جريدة «الأخبار»، 25 أيار 2007.
2– Elizabeth Ozdalga. Late Ottoman Society: The Intellectual Legacy. London: Routledge, 2005. Page 14
3– Kamal Salibi, A Modern History of Lebanon, pp. 110f.
فؤاد خوري، النيابة في لبنان (1860-1977)، صفحة 37. مسعود ضاهر، الجذور التاريخية، صفحة 440.
مع نهاية الحرب الأهلية في جبل لبنان عام 1860، وتدخل الدول الغربية تحت ذريعة حماية الاقليات الدينية، ترسخ النظام الطائفي المؤاتي للمصالح الاجنبية التائقة الى انتزاع المنطقة من يد العثمانيين.
4 – أسعد أبو خليل، «تيمور جنبلاط والتوريث السياسي في لبنان»، «الأخبار»، 24 آذار 2018. أيضاً، حسن عليق، «أين غازي كنعان؟»، «الأخبار»، 19 آذار 2018.
5– رؤوف شحوري، «هذا النظام المهترئ»، جريدة «الأنوار»، 19 أيار 2007. أيضاً، ابراهيم الأمين، «السنيورة طلب الفصل السابع»، جريدة «الاخبار»، 13 نيسان، 2007.
6– Sofia Saadeh, “Women in the Sectarian Politics of Lebanon”, in Views from the Edge, New York, 2004, p. 230.
* أستاذة جامعية

الأخبار