عراق بين مستنقعين يهزالعالم؟؟

عبد الاميرالركابي
ليس ممايمكن تصوره، على الاطلاق، ان يتمكن شعب بعد قرابة نصف قرن، من الحروب، بينها حرب اهلية رهيبة ( 2006/2007)، و60 الف انفجار، بما يساوي قرابه ضعف ماعرفته الكرة الارضية من انفجارات،خلال نصف قرن ضحاياها يزيدون على ضحايا حرب بين دولتين، وغزو ماحق، بعد حرب اولى كونية ( 1991)، اعقبت حربا اقليمية مع ايران دامت لثمان سنوات (1980/1988) هي الحرب الاطول بين دولتين، بعد الحرب العالمية الثانية، وحصار هو الاقسى المفروض على دولة في التاريخ، وسحق للدولة المسماة حديثة، بعد 82 سنه من قيامها، ونمط نظام ماقبل دولة، وتكالب اقليمي، ومحو لكل البنية الانتاجية، ونهرين يكادان يموتان، وحكم طائفي محاصصاتي، قائم منذ 2003 يتصميم، وهيكلة، احتلالية، قانونه النهب، وتدمير كل ماله علاقة بالوطنية، سيادة ومصالح عليا، وكل مايخص اهل البلاد، ويتفق مع رغباتهم، وطموحاتهم، او حتى حاجاتهم الاولية كبشر.
ليس مما يمكن تصوره، ان يتمكن شعب، هذا مسار حياته، من تكرار النهضات الكبرى، من عام 2011 ومن ثم 2015 ، الى الهبة التموزيه الحالية بعد 60 سنه بالتمام والكمال على يوم 14 تموز 1958، بينماتائر وتائرالاحتجاج تتصاعد تباعا متجاوزة سقف الاحتواء الممارس في الجولتين المنصرمتين، من قبل احزاب "العملية السياسية"، وجناحها الدجال، الحزب الشيوعي العراقي، وتيار الصدر، وقطعان المجتمع المدني، التي تبيع كذبه الاصلاح المستحيل، وتتاجر بها، لاجل تحسين مواقعها ضمن "العملية السياسية الطائفية المحاصصاتية".
عام 2011 ،يوم بدات التحركات الجماهيرية في العراق، متزامنه مع ايقاع ماعرف ب " الربيع العربي"، كان من الواضح، ان ماهو حاصل في ارض الرافدين، مختلف كليا عما هو حاصل في بعض الاقطار العربية، فلا الخلفيات، ولا السياق، ولا البنية الحداثية، متشابهة على الاطلاق، والحاصل في العراق على مستوى النظام، المركب من قوى الاحتلال، وخلفياته ينتمي لنمط معركة كونية، سياقاتها متصل بمابعد غرب، فالعراق ليس بلدا ممكن اخضاعة لسياقات صعود الغرب الحديث، ونمطي امبرياليته، واستعماره الكولونيالي، و وماجاء بعده اي "الاستعمار الجديد" الامريكي، الموافق لايقاع القطبية الدولية، لقد ظلت مصر مستعمرة انكليزية لمدة 75 عاما، في حين اضطر الانكليز، بعد ان فكروا جديا بالانسحاب من العراق، خلال عام 1920 تحت وطيس الثورة، الى ابتداع اول شكل من اشكال "الاستعمار الجديد" الذي ستكرسه الامبراطورية الامريكية، بعد ذلك باربعين عاما، ومع ان الحملة البريطانية جاءت الى العراق، متسلحة بالنظرية الاستعمارية الهندية المتغطرسة، فقد اضطرت العاصمة البريطانية، لتبني نمط استعمار "الحكم من وراء ستار" باقامة "حكم من اهل البلاد" رضوخا لاحكام الثروة الكونية الاولى العراقية في العصر الحديث عام *1920.
فكانت النتيجه، او التدبيرية الاولى، المقامة من حكم من خارج النصاب المجتمعي، عام 1921 ، ماقد حفز ديناميات ثورة كونية ثانية، خارجة عن السقف المتاح دوليا، وقعت كما سبق وذكرنا قبل ستين سنة بالتمام والكمال عام 1958، وسحقت كليا بناء الحكم القائم وقتها، واكلت رموزه في الطرقات، دالة على شساعة التعارض النوعي، بين جموح مجتمع "اللادولة التاريخي"، بازاء فبركه كيانية وسلطوية، من عالم مغاير ومخالف طبيعة، الامر الذي استدعى كما حصل مع الثورة الكونية العراقية الاولى، تدبيرا جديدا، غير ذلك الذي ارسي عام 1921 ، فجرى وبظل عجز العسكريين، عن احتواء دفق الحركة المجتمعية المضادة للتدبيريات الغربية، الى استعمال خط الهجوم الثاني ( الاحزاب العقائدية الايديلوجية الحديثة) التي ظهرت في العراق بعد الثلاثينات، فجرت عملية تحوير في بنية، وقيادة، وتركيب الحزبين الاكبر( الشيوعي ـ والبعث) كي يتلائما مع اشتراطات القطبية الدولية، ويحققا المطلوب من الامساك بالوضع العراقيوضبط ايقاعه ، هذه المرة بقوة، (العقيدة، والريع النفطي، والنواة القرابية)، فكانت عملية وتدبيرية ( صدام / عزيز محمد)،برعاية قطبيه دولية، استكمالا لللتصفية الدموية للحزب الشيوعي في شباط 1963 ،وسطو صنو صدام على قيادة الحزب، ونقله من مجال المتماس مع مجتمع اللادولة والوطنية الجنوبية، الى كردستان، نازعا عنه صفته الوطنية ليكرس الجزئية، بالمتعاون مع قيادة حركتها، حالما بداية بلعب دور "بعثيي الجبال" ضمن نظام البعث بعد 1968 ،الجبهة الوطنية والقومية التقدمية (1973/1978 ) وهو مالم يتهيا له الدوام لاسباب خارجة عن ارادة الفاعلين الاساسيين، غيرت اولويات الحكم البعثي، بعد صعود الحركة الاسلامية، ونذر التغييرفي ايران، مع ان "عزيز محمد" واصل مهمة تصفية الحزب الشيوعي العراقي، وفي المؤتمر الرابع عام 1985 ، اكمل مهمة الشباطيين البعثيين، وعملية تصفيتهم للحزب في 8 شبط 1963 بطرد كل اعضاء قيادة الحزب الفراتيين، وصولا به، الى التعاون مع الغزو الامريكي، و"العملية السياسية الطائفية المحاصصاتيه،.
والحزب الشيوعي العراقي، هو القوة الوحيدة، التي تجمع مجد الانتماء الى المستنقعين، الاول المعني بتامين الاحتواء الغربي، وابقائه ضمن سقف النظام الدولي القطبي، والثاني المرتكز لقوى ماقبل الدولة، المهشمة، والفاقدة بسبب تبدل الظروف، للمحركات التاريخية العائدة لقوة حضور مجتمع اللادولة الاسفل، والمدمرة لكل ماله صله بالوطنية، اي ان تاريخ العراق المعروف ب "الحديث" قد افرز مستنقعين، تواليا على الحكم، الاول من عام 1968/2003 وازيل بقوة الغزو الامريكي، ضمن ظروف اختلال في نظام الضبط الدولية، بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، والخوف مجددامن تكرار ماكان عليه الحال خلال مناسبتي 1920/ 1958/ من تفلت العراق الجامح، كما قالت الايكونوميست البريطانية، ابان انقلاب 8 شباط 1963 حين صدرت وقتها عددها بالقول : " لقد عاد الحصان الجامح الى حظيرته"، وخوفا من حصول خرق غير قابل للاحتواء، على حافة خزان النفط الدولي.
في العراق تحتدم معركة كونية، بعدها التاريخي "مابعد غرب"، محركها التاريخي البنيوي، حضور مجتمع "مزدوج"، من نمطين مجتمعيين : اسفل هو "مجتمع لادولة"، واعلى "مجتمع دولة قاهرة"، مقابل مجتمع احادي طبقي، هو الاوربي، الاعلى دينامية، ضمن نمطه من المجتمعت الاحادية، بانتظار الانتقال الى "فك الازدواج"، وانتهاء الثنائية المجتمعية العراقية، لصالح مجتمع اللادولة التاريخي، مع اقتراب موعد تحققها، الذي ظل ممتنعا على مدى اكثر من سبعة الاف عام، بانتظار، الانتقال الى وسيلة، ونمط الانتاج المطابق، والذي هو نمط الانتاج (المعرفي/ التكنولوجي)، المتحقق من هنا فصاعدا، بعد ان انتهى، طور الانتاج الآلي، وقبله اليدوي.
وحتى حينه او قريبا من مشارفه، يظل القصور في الوعي، عاملا اساسيا، معيقا لانطلاق عملية الانتقال الكوني، بالاخص مع هيمنه المنظور والنموذج المجتمعي الغربي الحديث، من دون نسيان الاستئنافات الاسلامية، في غير زمنها، وبعد انتهاء وتوقف مفعول زمن النبوة الالهامية، مع الدعوة المحمدية الاخيرة، بعد فشلها في تحقيق الغرض الابعد من التحرري منها، واقتصارفعلها الكبير التاريخي، على ازاحة ثقل الامبراطوريات، واطلاقها للاليات الحضارية المعطلة، في منطقة التوحيدية التاريخية، والعراقية منها بالذات، فالاسلام لم يفلح، وهو اصلا لم يكن مصمما، لكي يحقق انتصار مجتمع "اللادولة" ونمطه، ونموذجه الحياتي، وتوقف دون هذه المهمة، فانتكس ابتداء مع قيام حكم الملك العضوض في ساحل الشام، على يد معاوية بن ابي سفيان، وفشل سيل انتفاضات مجتمع اللادولة العراقي،في الكوفة والبصرة، في منع تجدد ذات النمط من الحكومات الامبراطورية، مع اعتلاء العباسيين سدة الحكم، ماكان قد اوجب اغلاق هذه الامكانية، بالاخص مع تعذر استمرار القرمطية، او تعديها نطاق ارض السواد نحو العراق الاعلى، ما اوجب قرارا بايقاف العمل بالاسلام، وابتداع مفهوم "الغيبة" و"الظهور"، مع ايقاف الولاية العامة، الى اخر الزمان، اي احالة التحقق، الى طور اخر مقبل، من اطوار الابراهيمية، بدا ت ملامحه تتجلى اليوم، بصورة "الابراهيمة العليّة"، مابعد النبوية الالهامية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*لانعتمد هنا اطلاقا، السردية الاستعمارية، او الحداثية الاستعمارية المبطنه، عن تاريخ العراق، ولا السرديات المنتمية لمايعرف بادبيات القوميين والمتاسلمين، كما هي معروفة، وبالاخص ادبيات ، الماركسيين، والليبراليين، والقوميين. ونعتمد بدلا منها منظور "مابعد غرب".
ـ يتبع ـ
البحث عن قرآن العراق الضائع