انتفاضة أم حركة احتجاج ؟ ما العوامل المحبطة؟

انتفاضة الجنوب 18

نصير المهدي

هل أن ما يجري في العراق مفاجئ أم أنه متوقع حتى في وقته ومكانه ولا خلاف على تسميته ثورة إنتفاضة حركة إحتجاج .

هذه الاحتجاجات هي ثورة الكهرباء التي تقع في هذا الزمن من كل عام وقد انفجرت في البصرة المنطقة الأشد حرا والأسوأ عيشا مع أنها في ظل التدمير المنظم لكل قطاعات الإقتصاد العراقي خزنة المال لكل العراقيين وهي بهذا المصدر الأساسي لنهب الأموال الذي تمارسه الطبقة السياسية الحاكمة التي حملها الإحتلال الى السلطة لتنفيذ مخططاته في تدمير العراق فضلا عن الشركات الأجنبية والدول الأخرى التي جعلت العراق سوقا لمنتجاتها من أبسطها الى أعقدها بل وحتى البضاعة الكاسدة المنتهية الصلاحية في ظل نظام فاسد قذر لا يحوز على أدنى الضوابط الأخلاقية والخلاصة هذه البصرة هي مصدر الثراء لكل هذه الاطراف وهي في المقابل الطرف الوحيد الذي لا يستفيد من هذه الثروة والبصرة بدورها تعني العراق كله مع تفاوت لا يخفى في المساهمة في تكوين مفردات الدخل القومي للعراق وفي درجة المعاناة من الأوضاع السائدة .

ليس هذا المنشور نقاشا في مشروعية التحرك أو في متابعة التفاصيل في الإنتفاضة أو الثورة أو الحراك الجاري والتسميات هنا لا تعني شيئا في وصف الحال ومن التفاصيل هذه التصرفات المنفعلة التي ألحقت أضرارا فادحة بالمرافق العامة والأمر قد يكون حالة هياج جمعية تحدث حتى في أرقى المجتمعات أو اندساس تخريبي لجهات تهدف الى خلط الأوراق والاساءة الى صورة الحراك الجاري ومن نافل القول بأن هناك جيوشا جرارة للطبقة السياسية الحاكمة والدول ذات الشأن في العراق أو حتى بتوجيه من مافيات الفساد والنهب التي ستتولى الاستيلاء على مقاولات التصليح عندما تهدأ الأوضاع وعني فكل تحرك مشروع وهو استجابة طبيعية لمعاناة المواطن العراقي ولست ممن يرون أدنى أمل في إصلاح الأوضاع من داخل العملية السياسية التي أحكم الإحتلال بناءها وسد كل الثغرات التي يمكن أن ينفذ منها من يسعى الى التغيير نعم لا تتغير الأحوال في العراق الا بنسف العملية السياسية برمتها وهدمها على رأس الطبقة السياسية التي حملها الإحتلال الى السلطة وهذا الهدف يتطلب شروطا موضوعية وذاتية قد تتراكم عبر الزمن ولكنها غير متوفرة الآن .

والحال هذه فإن الغرض هو استشفاف إمكانات الثورة والتغيير والآفاق التي يمكن أن يصلها الحراك الجاري الذي أتمنى لو يتطور الى ثورة كاسحة ولكن للأسف ليس هناك ما يعزز هذا الامل .

لنرى العوامل المثبطة والمحبطة لآمال الثورة في العراق كي لا نذهب بعيدا في التوقعات :

* غياب الوعي السياسي الحقيقي عند الجمهور العراقي بشكل عام وعجز النخبة المحدودة أصلا عن رفع مستوى الوعي لدى المواطن العراقي ودوافع الرفض والانفعال الثوري ذاتية وآنية وليست جزءا من مشروع شامل وهذا الحراك ستنتهي مفاعيله عندما تنتهي مسبباته المباشرة وهي درجات الحرارة ومعاناة المواطن من غياب الخدمات الضرورية اللازمة وأول شروط الوعي هو فهم دور الإحتلال وأغراضه وقد انتظر الناس خمسة عشر عاما من المعاناة وخسارة الأرواح والأموال وفرص التطور لتلمس حقيقة واضحة منذ اللحظات الاولى للإحتلال .

* فقدان الأداة السياسية التي تمتلك برنامجا ومشروعا وطنيا وتستطيع الأخذ بيد هذا الجمهور الذي يمتلك استعداد عاليا للتضحيات ولكن بدون مردود حقيقي مناسب والأحزاب السياسية في العراق جميعها متواطئة على الحفاظ على هذه العملية السياسية التي تديم وجودها أيضا من خلال حصتها في السلطة والمال وهذا التشخيص لا يستثني أي طرف سياسي إطلاقا مهما كانت هويته وخارج هذه المنظومة قد ترتفع عناوين سياسية لا قيمة لها ولا دور فضلا عن أنها قد تكون ردود أفعال طائفية في الغالب وبالطبع فحزب البعث مستبعد من هذا التوصيف كله فواقع الحال يقول بأنه قد ذهب الى مزبلة التاريخ بدون أمل في عودته الى الحياة حتى وإن كانت الطبقة السياسية الحاكمة تحرص على التذكير به لتخويف الناس من عواقب إرسالها هي الأخرى الى نفس المزبلة وشخوصها الى جهنم .

* العملية السياسية والطبقة السياسية التي تمارسها من خلالها عمليات التسلط والنهب وتنفيذ الأجندات الخارجية تمتلك رصيدا كبير من الوسائل التي تستطيع من خلالها مواجهة هذه التطورات واحتواءها ومنها المرجعية الدينية ودور جماعة الصدر والإثارات الطائفية عند الضرورة والتخويف من عودة البعث والطيف السياسي السني الى السلطة وغيرها من الوسائل الناجعة فضلا عن وجود جمهور واسع من أصحاب الامتيازات الهائلة والمتحزبين وأدوات المخابرات الأجنبية وغيرهم ولا ننسى هنا أن هذا الطيف يمتلك فصائل مسلحة مدججة بالسلاح تجاه جمهور يبقى أعزل ومن السهل أيضا اختراقه للأسباب المنوه عنها أعلاه .

ما يجري حراك مشروع نتمنى أن يتطور الى ثورة عاصفة تطيح بطل شئ والقادم ليس مخيفا حتى لو كان مجهولا فهو في كل الاحوال خير من هذا الوضع الكارثي الذي يعيشه العراق في ظل هذه الطبقة السياسية الفاسدة والعميلة والمجرمة ولكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه .