عريضة البصرة الإنفصالية سنة 1921

يعيد البديل العراقي نشر هذه المقالة نظرا لما تحتويه من معلومات مفيدة عن المحاولة المقبورة لفصل البصرة عن العراق في العشرينات من القرن الماضي رغم أنها تحاول تبرئة الاستعمار البريطاني من تلك المحاولة وتقول أنه رفضها وهذا الأمر ينفيه اعتراف كاتبها بأن السلطات الاستعمارية عينت بعض زعماء المحاولة الانفصالية كوزراء في الحكومة الملكية التابعة لها آنذاك ومهم أحمد باشا الصانع و وناجي بك السويدي و وعبد اللطيف باشا المنديل، ولكن المقالة تبقى مفيدة لأنها تحتوي على  معلومات مفيدة بهذا الخصوص وكان الباحث العراقي الراحل علي الوردي قد كتب عنها في كتابه لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث" أيضا أما الكاتب محمد لطفي جمعة فيؤكد في كتابه " حياة الشرق ص 300 بأن إدارة الانتداب البريطاني هي التي كانت وراء هذه الحركة الانفصالية إرهاب وتخويف أحرار العراق المطالبين بالاستقلال. أما المؤرخ العراقي الراحل عبدالرزاق الحسني فقد ذكر في «تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الاول» ط7 ص5 10 ان فخامة السير برسي كوكس، المندوب السامي لصاحب الجلالة البريطانية قد تلقى من احمد باشا الصانع وعبداللطيف باشا المنديل عريضة بتاريخ 20 مارس 1920م يطالبان فيها بانفصال ولاية البصرة عن العراق، وقدما مبرراتهما لهذا الانفصال. نقتطف من رسالتهما 
الآتي:
(فاننا نيابة عن سكان البصرة نود ان نعرض رغباتنا التي هي كما يأتي: إننا لا نرغب في ان يكون لنا أي نوع من الحكم بديلا عن الحكومة البريطانية وان رغبتنا هي أن نبقى الى الأبد في حماية صاحب الجلالة البريطانية. وأن تعاملنا بنفس معاملتها للرعايا البريطانيين، وأن تشملنا بمودتها وعطفها لنعيش تحت علمها وظلها الواقي، ان هذا الرأي تم التوصل اليه بعد التأمل، وانه أفضل أمر لمصلحتنا ومصلحة أبنائنا وأحفادنا، وأملنا أن لا يرفض طلبنا هذا. 
أحمد باشا الصانع 
عبداللطيف باشا المنديل )
 البديل العراقي.

لم يكن مســــــــــــــــــــــــــــــــاء يوم (23/6/1921 م ) وهو يوم وصول الأمير فيصل بن الشريف حسين إلى البصرة لغرض تتويجه ملكاً على العراق يوماً مشهوداً عند أهلها ، فقد كان رسمياً أكثر منه جماهيرياً ، حيث استقبله ممثل المندوب السامي جون فيلبي ومستشار وزارة الداخلية ، وجعفر باشا العسكري وزير الدفاع ، وأحمد باشا الصانع متصرف البصرة ، ونحو 120 شخصا فقط يمثلون وجهاء بغداد والبصرة ، وأسباب هذا الاضطراب في الرأي العام البصري وعدم الاكتراث من قبلهم بملكهم المرتقب ، هو وقوع بعض الأحداث التي تزامنت مع قدوم الأمير والتي تمثلت بنفي الانكليز للمنافس الأقوى لفيصل على عرش العراق وهو السيد طالب باشا النقيب ، وانسحاب المنافس الثاني وهو الشيخ خزعل الكعبي رغم إرادته من حلبة الصراع ، وقد عبّر الشيخ خزعل عن انزعاجه من هذا التنصيب بعدم مشاركته في هذا الاستقبال .

أمّا السبب الثالث لعدم الاكتراث بوصول الأمير فيصل فهو قيام نفر من أعيان البصرة ووجهائها ، وذلك قبل أيام قليلة من وصوله ، بتقديم عريضة إلى المندوب السامي البريطاني السر برسي كوكس يطلبون فيها فصل البصرة عن العراق ، ومنحها استقلالاً سياسياً ، وحكماً ذاتياً تحت مظلة بريطانية ، فما هي حقيقة هذه العريضة ، وما هي النتائج التي حصلوا عليها ، ومن كان وراءهم؟.

(2)

ظهرت أولى بوادر الحركة الانفصالية ـــ قبل العريضة المشار إليها ـــ خلال اجتماع عقد بين برسي كوكس واثنين من كبار التجار وملاكي الأراضي في البصرة ، هما أحمد باشا الصانع ( نجدي الأصل ) ، وعبداللطيف المنديل (نجدي الأصل أيضاً ) ، فقد سبق لهذا المندوب أن تلقى من الصانع والمنديل عريضة فــي (20/3/1920م ) ، طالبا فيها نيابة عن أهالي البصرة ـــ بحسب ادعائهما ـــ بإدارة منفصلة للبصرة تحت الحكم البريطاني المباشر ، جاء فيها : (( فإننا نيابة عن سكان البصرة نود أن نعرض رغباتنا التي هي كما يأتي : إننا لا نرغب في أن يكون لنا أي نوع من الحكم بديلاً عن الحكومة البريطانية ، إن رغبتنا هي أن نبقى إلى الأبد في حماية صاحب الجلالة البريطانية ، وأن تعاملنا بنفس معاملتها للرعايا البريطانيين ، وأن تشملنا بمودتها وعطفها لنعيش تحت علمها العظيم وظلّها الواقي )) ، ولم تلق مطاليب الصانع والمنديل أذناً صاغية ، إلا من قبيل مكافأتهما بمنصبين في الدولة الجديدة ، فاختير الأول وزيراً بلا وزارة في الوزارة النقيبية ، واختير الثاني وزيراً للتجارة ، وكان كوكس هو صاحب الاختيار.

(3)

وفي 20 حزيران من السنة التالية 1921 سافر وفد يتكون من ستة أو سبعة أشخاص من البصرة إلى بغداد ، وطلب من السكرتيرة الشرقية للمندوب السامي ( المس بيل ) أن تتوسط لهم للمثول بين يدي السر برسي كوكس لتسليمه عريضة موقعة في 13 حزيران 1921 تحمل 4500 توقيع ، تتكون من ثلاث وعشرين نقطة ، تنطوي على تقديم الحجج الداعمة للانفصال عن المركز ، مع تقديم مخطط لاستقلال سياسي مستقبلي منفصل للبصرة ، جاء في مستهلها والنقطة الأولى منها : (( إلى صاحب الفخامة السير برسي كوكس حامل لوسام إمبراطورية الهند من درجة قائد عظيم ، ووسام القديسين ميخائيل وجورج من درجة فارس ، ووسام نجمة الهند من درجة فارس المندوب السامي لأراضي العراق المحتلة ، نحن الموقعين أدناه من فئة الأغلبية الراجحة من أهالي مقاطعة البصرة ، نرجو بكلّ خضوع ، عرض آرائنا الآتية على حكومة جلالة الملك ، فيما يتعلق بمستقبل مقاطعة البصرة ونوع الحكومة الخاص بها ، والتي نرجو من حكومة جلالته أن تسمح بتأسيسها )) .

وبينوا في النقاط الأربعة التالية مدى الارتباط الوثيق بين سكان البصرة والسلطة البريطانية وحسن سلوكهم وعدم تأييدهم لثورة العشرين ، وإنهم لا يؤيدون أي انسحاب للقوات البريطانية من العراق ، وفي النقطة السابعة والتاسعة أشارت العريضة إلى موارد البصرة وضرورة صرفها على الإقليم فقط ، لانتعاشها وضمان مصالحها ، واخيراً عرضت النقاط الباقية صراحة المطالبة بالتمتع بالحكم الذاتي ، وتقديم مشروع إداري سياسي تكون فيه البصرة مقاطعة منفصلة يشرف عليها الأمير أو الملك الذي يحكم العراق ، وتحمل الدولة الجديدة اسم ( ولايتي العراق والبصرة المتحدتين ) ، ويكون للولايتين علم مشترك يرمز إلى اتحادهما ، مع احتفاظ البصرة بمجلس تشريعي منتخب خاص بها ، وختموا العريضة بعبارة : لنا الشرف أن نكون خدامكم المطيعين .

(4)

لقد كانت ردود الأفعال البريطانية كأغلبية على مشروع حكومة لامركزية أو حكومة إقليم في البصرة سلبية ، وسبباً رئيساً من أسباب إجهاض المشروع ، فقد ندد المندوب السامي كوكس صراحة بفكرة الانفصال ، وكتب إلى لندن بأن مثل هذا المخطط سيكون ضاراً بمصالح العراق ككل ، وذكرت المس بيل في رسالة لها مؤرخة في 23 حزيران 1921 بأن زعماء الوفد طلبوا منها أن تؤيد استرحامهم ، فأجابت بالنفي وعقبت قائلة : ((إن كلّ شئ تقرره حكومة صاحب الجلالة يحظى بتأييدي الخالص كخادمة من خدام الحكومة ، وحتى تأمر تلك الحكومة بما تقرره يجب عليّ أن استخدم رأيي الخاص الذي يفيد بأنّ ما يطالبون به ينافي مصلحة البلاد بوجه عام ، كما أنّ البراهين ستثبت لهم إن ذلك في غير مصلحتهم هم أيضاً على الدوام).

كما أشار إلى مشروع فصل البصرة بحكومة مستقلة لا مركزية ونستون تشرشل ، وزير المستعمرات البريطاني ، في خطاب له بمجلس العموم البريطاني ، تناول فيه مراحل القضية العراقية ، فقال : ((وكذلك قد طلب البعض فصل البصرة عن العراق ووضعها تحت إدارة بريطانية تامة ، ولا نرى أن هذا الأمر أيضاً ممكن ، لأنه يخالف مصلحة الحكومة الوطنية إجمالاً ، فسياستنا هي إنشاء حكومة عربية وطنية وإرشاد هذه الحكومة وتأييدها )) .

(5)

ومن الأسباب الأخرى التي أدت إلى دفن مشروع الانفصال في لحد عميق ، وتحويله إلى ظاهرة هامشية ، هي كون العريضة المذكورة لم تحظ إلا بدعم قلة من المتنفذين البصريين تساندهم فئة من التجار من أصول أجنبية كاليهود والأرمن والإيرانيين لا يدعمهم سند شعبي ، كما أنها جوبهت بمعارضة قوية من قبل شخصيات بصرية متنفذة سياسياً واجتماعياً ، كان أبرزها محمّد أمين عالي باش أعيان ، والمحامي محمّد زكي ، وعبدالكاظم الشمخاني ، وأحمد حمدي الملّا حسين ، وحبيب الملّاك ، وغيرهم ، وأثار المعارضون دعاية واسعة ضد حركة الانفصال بعد أيام قليلة من تقديم العريضة المذكورة إلى المندوب السامي ، حتى أنهم استغلوا مناسبة استقبال الأمير فيصل عند مجيئه كمرشح للعرش ، وعلقوا شعارين معاديين للحركة وضع الأول منهما عند مدخل منطقة العشار جاء فيه (لتحيى الجامعة العراقية ) ، ووضع الثاني عند مدخل البصرة وقد كتب به ( لتحيى البصرة جزء من العراق ) ، ثمّ شكلوا وفداً سافر إلى بغداد وقابل المندوب السامي فيها برسي كوكس ، في شهر آب من السنة نفسها ، وطرح وجهة نظره المعادية للانفصال ، وبالرغم من أنّ كوكس لم يتخذ موقفاً حاسماً تجاه القضية ، لكنه أكد لهم تفهمه لأبعاد موقفهم .

(6)

وبسبب التكتم البريطاني الشديد والمقصود على أسماء الوفد الذين قدموا العريضة رسمياً إلى المندوب السامي ، وعلى النص الأصلي لمطاليبها ، وعلى من باشر كتابة نصّها الانكليزي ، لم تنشر العريضة في الصحافة الوطنية لأول مرة إلا بعد سنة من تاريخ تقديمها ، إذ نشرتها جريدة الرافدان في عددها المؤرخ في 19 مايس 1922 وطبع أول كتاب يتطرق إلى ذكر العريضة سنة 1924 وهو كتاب ( تاريخ القضية العراقية ) من تأليف شاعر ثورة العشرين محمد مهدي البصير ، وتلاه المحامي سليمان فيضي في مذكراته ، وقد أشاروا ـــ من باب الحدس والتخمين ـــ إلى أسماء بعض زعماء الحركة البارزين ، وهم : أحمد باشا الصانع ، وعبداللطيف باشا المنديل ، والحاج عبدالسيد العويد ، وناجي السويدي ، وعبدالرزاق النعمة ، ويعقوب نواح عن اليهود ، ويوسف عبدالأحد عن المسيحيين ، وسليمان بك الزهير ، وعلي بك الزهير ، وعبود حمود الملّاك .

(7)

أخيراً ، فإنّ حركة خلق كيان سياسي منفصل عن العراق في البصرة ، والدعوة لتشكيل حكومة لا مركزية تحت مظلة بريطانية ، قد أخفقت إخفاقاً ذريعاً ، لأن أقطابها الأقوياء أخفقوا في إثارة الحماس الشعبي المؤيد لمشروعهم ، إضافة إلى انتشار أفكار الوطنية العراقية بين نخبة من شباب البصرة ، بعيداً عن المذهبية المقيتة والنظرة الإقليمية الضيّقة ، كما أن الصحافة الوطنية آنذاك حاولت ، ونجحت في محاولتها ، في إقناع أكبر عدد ممكن من العراقيين بأن عريضة الانفصال ما هي إلا عملية ( احتيال ) من قبل بعض الوصوليين المستفيدين ، لم يعرف غرضها الحقيقي سوى أشخاص معدودين يقدرون بعدد أصابع اليد ، ولم يكن على دراية حميمة بمحتوياتها الدقيقة غير إثنين فقط وهما أحمد باشا الصانع وعبداللطيف باشا المنديل ، أما أهل البصرة من الأميين والبسطاء من الناس وقليلي الخبرة ، فقد خُدعوا أو أجبروا على توقيع العريضة .

الزمان