بمناسبة ماتردد عن مشروع حكومي لتحويل مدرسة الراهبات البغدادية الى مول للتسوق!

مدرسة الراهبات ببغداد في الأربعينات من القرن الماضي

الشاعر إبراهيم البهرزي

من المستحيل الاقتناع بأن ما تمارسه هذه الحكومة والمتنفذين بها هو نتاج الجهالة وحدها 
انهم جهلة أجلاف فاقدون للذوق ، هذا امر مفروغ منه !
ولكن هل بهذا وحده يمارسون هذا التدمير الممنهج لكل ما يمت للروح والذاكرة العراقية بأثر طيب ؟
مبنى عمره اكثر من قرن مثل مدرسة راهبات التقدمة (ثانوية العقيدة للبنات ) بمعماره الفذ وبكيانه المعنوي كرمز من رموز التعليم المتحضر الذي كان ، ودلالاته الرمزية كمكان للعلمانية التربوية التي سادت مرة في العراق حيث تدرس المسيحية والمسلمة واليهودية والمندائية في ثانوية واحدة بمنتهى الوئام والمحبة ، كم صحبة عابرة للاديان نشأت في ظلال هذا الصرح الخالد 
كم ذكرى لبلاد كانت رحبة القلب والروح طافت في ارجاء هذا المبنى ؟
لا يعرف ساسة المولات من الجوعية شيئا عن ذاكرة هذا المكان ، وان عرفوا لن يعنيهم لان أية ذاكرة فيها روح المواطنة العراقية تكشف مدى قبحهم الطائفي الذي اسسوا عليه دولة العصابات والمولات 
حين يفكرون بتحويل هذا المبنى الأثري الى مول تجاري فانهم ، وعن قصد واصرار يسعون لتدمير ذاكرة اجيال نادرة مرت بهذا الصرح ، ربما هي من خيرة اجيال التعليم والتحضر والمدنية وهذا ما يشعرهم بقزميتهم وخواء ارواحهم 
يتحدث ياقوت الحموي في ( معجم البلدان ) عن هذا المكان تحديدا ويذكر انه كان موقعا لدير ٍ عظيم زمن الدولة العباسية. كان يسمى (دير الزَنْدوَرْد ) وانه كان شأنه شأن الديارات في تلك الأيام (راجع :كتاب الديارات للأصفهاني )كان مكان نزهة لاهالي بغداد على اختلاف دياناتهم واطيافهم لما فيه من البساتين وعرائش الكروم ، وان له في الذكر النؤاسي حضورا حيث يقول ابن هاني :
واسقِني من كرومِ الزنْدِوَردِ ضُحَى ً 
ماءَ العناقيد ِ في ظل ِّ العناقيد ِ
غير ان الدير اختفى كما يبدو بسبب الفيضانات المتواترة لنهر دجلة ، وربما انتبه لذلك مستشرق او دارس فرنسي فأوعز الى جمعية تعود لطائفة اللاتين الكاثوليك تدعى ( جمعية اخوات المحبة الفرنسيات ) 
بطلب لإنشاء دير في المكان نفسه 
كان الحاج عبد الرحمن الاورفلي يمتلك هذه الارض التي سُميت فيما بعد بالاورفلية ، وكانت عبارة عن بساتين ممتدة على ضفة النهر ، فأهدى الحاج الاورفلي قطعة من بستانه للجمعية ( ويقال ان ذلك تم برجاء من الملك فيصل الاول ) وان شركة معمارية فرنسية باشرت البناء مطلع العشرينات وكان المعمار على غرار دير قديم كان الفرنسيون قد بنوه في القرن التاسع عشر في منطقة عگد النصارى وأسموه ( دير راهبات التقدمة المركزي ) او الكوليج دي سانترينو
تذكر صحف تلك الأيام ان الماسيرة جوزيف كانت هي المشرفة على بناء الدير، وكان يتكون اول أمره من سرداب ومبنيين ، احدهما يطل على موقع جسر الجمهورية الحالي وكان مخصصا كدير، والآخر كان يطل على جهة شارع السعدون الحالي كمدرسة للراهبات ، وأما السرداب فكان مكانا لمعيشتهن
لهذا الدير مفخرة علاج مرضى الطاعون الذي داهم بغداد في عشرينات القرن الماضي ، كان يقدم الخدمة الصحية للجميع بغض النظر عن الديانات والمذاهب ، حيث ان الراهبات في الدير كن جميعا يعملن ممرضات في المستشفى المجيدي القديم ( موقع الأبنية القديمة لمدينة الطب الحالية ) 
بعد ذلك أضيف للمبنى طابقين اخرين وأبنية جانبية ملحقة ليتم افتتاح ( مدرسة راهبات التقدمة ) التي اشتملت على روضة وابتدائية وثانوية ، وكانت السيدة ( إميلي رزق الله ) اول مديرة للروضة ثم لم تلبث ان أصبحت مديرة للمدرسة بروضتها وابتدائيتها وثانويتها 
وكان الكادر التعليمي من الراهبات الأجنبيات والمحليات ممن حزن تعليما متقدما ،فكانت الامريكية ( الماسيرة جوزفين) تدرس اللغة الانكليزية والفرنسية ( الماسيرة دومنيك ) تدرس الفرنسية ، اما الماسيرة روز فكانت استاذة للموسيقى وآلة البيانو !!
في العام ١٩٦٤ ويبدو ان وزيرا للتربية لم يحتمل عقله ان تسمى مدرسة للراهبات بهذا الاسم وان تدرس فيها بنات مسلمات ويهوديات فاصدر أمرا بتغيير اسمها الى (ثانوية العقيدة للبنات )!
كانت لإدارة المدرسة كما شاهدت بعيني سيارات باص صفراء تجلب البنات من أنحاء بغداد كلها ،
مع بزوغ صرعة الاشتراكية الاستعراضية التي داب عليها الحكم في السبعينات قام بتأميم هذه الثانوية وأحال ادارتها لوزارة التربية ففقدت المدرسة خصوصيتها المستقلة وامتيازات منهجها المتقدم 
قسمت المدرسة الى روضة الشقائق ، ومدرسة دجلة الابتدائية وثانوية العقيدة ويقال ولست متأكدا انه بعد الاحتلال أضيفت لها مدرسة ثانوية على غرار كلية بغداد المعروفة 
هذا الأثر يراد له ان يصبح مولا ً 
مجرد مول من مولات بغداد الاستهلاكية التي يمتلكها سراق السياسة الحديدة في العراق ، هؤلاء الذين لايقف في عيونهم وخاطرهم اثرا ولاذكرى ولا موروثا ولاحضارة 
انهم المظليون الذين هبطوا كالجراد على سواد بغداد 
واه بغداد
ساجلس على جسر الجمهورية منشدا :

واسقني من كروم الزندرود ضحى 
ماء العناقيد في ظل العناقيد
علني أسكر سكرة لا أقوم بعدها ولا ارى بغداد على هذه الحال