عقود التراخيص مالها وما عليها – 1- مدخل إلى صناعة النفط وتسعيره

صائب خليل

كثر الكلام في الفترة الأخيرة عن عقود التراخيص، وتم توجيه النقد الشديد لها في مقابلات وتصريحات ومقالات ودراسات عديدة واتهم القائمون بها بالفساد، حتى صارت هناك قناعة عامة بفساد تلك العقود. لكن الحقيقة مختلفة بعض الشيء، فلعقود التراخيص محاسنها ومساوئها. إلا ان المشكلة التي يعاني منها المواطن غير المختص هي صعوبة تكوين رأي سليم بشأن هذا الموضوع لأن ذلك يتطلب فهماً ولو جزئياً للعوامل الأساسية المتعلقة بالصناعة النفطية واسعارها، وهو ما لا يتوفر عادة بشكل مبسط كاف، رغم أهمية الموضوع الشديدة بالنسبة لمستقبل البلد وأهمية تكوين رأي سليم ودقيق حولها. فليس كل من يريد تغيير شيء، يريد ان يفعل ذلك لصالح البلد، وهذا ما يعرفه العراقي اليوم أكثر من غيره، فقد دفع لهذا الدرس ثمنا كبيراً.
.
فالنفط يمثل في الحقيقة كل الاقتصاد العراقي وبالتالي مصير البلاد. ولكثرة الأموال في هذا المجال فأن الدافع للخداع كبير جداً، ولا يجب ان يستسهل المواطن الثقة بالآخرين لتحديد موقفه، بل يتطلب الأمر منه ان يبذل بعض الجهد لفهم ما يجري. 
هذه المقالة ستكون من جزئين، الجزء الأول الذي بين يديك، مخصص لشرح مبسط للمفاهيم الأساسية للصناعة النفطية وتجارتها. أما الجزء الثاني فسوف يتناول ما اثير حول عقود التراخيص ويناقش ما هي نقاط قوتها وما نقاط ضعفها، وما مدى فسادها وكيف يمكن تصحيحها، وأين يجب الحذر، لأن المؤامرات على قدم وساق، وهي بالتأكيد لا تستثني النفط. 
.
أرجو أولاً صبركم على الجزء الممل اللازم لتوضيح بعض المصطلحات الأساسية مثل عقود الخدمة وعقود المشاركة وكلفة الإنتاج وكلفة رأس المال والكلفة التشغيلية والاندثار، فبدون معرفة هذه المصطلحات ولو بالحد الأدنى، لا يمكن أخذ صورة عن ملف النفط.
.
تتكون كلفة الإنتاج من قسمين، القسم الأول هو ما يسمى "كلفة رأس المال"، ويشمل كلفة المكائن والانابيب والأبنية وغيرها من الأشياء الثابتة. اما “كلفة التشغيل” فتشمل رواتب العمال والموظفين والوقود وغيرها من الأمور المتغيرة التي تعتمد بشكل رئيس على عدد البراميل المنتجة. ونلاحظ (مع بعض التبسيط) ان “كلفة رأس المال” تدفع في البداية، بينما تدفع “الكلفة التشغيلية” بشكل مستمر مع الوقت. 
.
كيف نحسب كلفة البرميل الواحد من النفط؟ بالنسبة لما يصرف من "كلفة تشغيلية" ليس الأمر صعباً لأنها تتناسب مع عدد البراميل المنتجة. يمكننا ان نقسم “الكلفة التشغيلية” لليوم الواحد على عدد البراميل المنتجة في اليوم الواحد. فإن كلفنا تشغيل حقل 50 الاف دولار في اليوم الواحد وكان انتاجه 100 ألف برميل في اليوم، فأن الكلفة التشغيلية للبرميل الواحد هي نصف دولار. أما حساب "كلفة رأس المال" للبرميل الواحد، فهو أصعب قليلا. فالمبلغ الاستثماري، أي "رأس المال"، قد صرف في البداية ولمرة واحدة، ولا ندري كم ستستمر الانابيب والآلات بالعمل. لذلك يتم تقدير الفترة التي يجب ان يسترد بها المبلغ بعشرة سنوات مثلا. وتسمى هذه الفترة بفترة "الاندثار". 
ولحساب الكلفة الاستثمارية او “كلفة رأس المال” لكل برميل، يجب أن نقسم "رأس المال" المستثمر على عدد البراميل المنتجة المتوقعة خلال عشرة سنوات. فإذا صرفنا على الحقل 8 مليار دولار من استكشاف وآلات حفر ومضخات وانابيب وغيرها، وكان المقدر له ان ينتج لنا ملياري برميل خلال عشرة سنوات، فان كلفة رأس المال للبرميل الواحد هي قسمة 8 على 2، وتساوي 4 دولارات. 
وبجمعها مع النصف دولار الخاص بالكلفة التشغيلية، يكون لدينا الكلفة الكلية للبرميل الواحد = 4,5 (أربعة ونصف) دولار.

وطبيعي فأن هذه الكلفة تختلف من حقل لآخر، حسب عمق البئر وطبيعة أرضه وكمية تدفق النفط الخ. وبشكل عام كلما كانت الحقول أكبر وأقل عمقاً، كلما كانت الكلفة الكلية لبرميل النفط اقل. ويعتبر العراق من المناطق الأقل كلفة في استخراج النفط في العالم. 
****
.
عقود “الخدمة” وعقود “مشاركة الإنتاج”

بشكل مبسط، تقسم العقود النفطية الحالية إلى نوعين، هما عقود الخدمة وعقود مشاركة الإنتاج. وعقود الخدمة هي عبارة عن استئجار الدولة لـ "خدمات" شركة نفطية تقوم بالعمليات النفطية لحساب الدولة، مقابل مبالغ متفق عليها. وهذه هي العقود الطبيعية المعتادة، والتي تتطلب من الدولة أن تتكلف بكل المصاريف وتتحمل الاحتمالات المختلفة (المخاطر)، إلا أنها تحفظ للدولة حرية التصرف بنفطها، وتحقق لها اعلى الأرباح عادة. 
متى ولماذا إذن يتم التعاقد بشكل عقود "مشاركة الإنتاج"؟ 
قلنا ان عقود الخدمة أفضل للدولة، فعقد مشاركة الإنتاج يحرم الدولة من كمية أكبر من عائد النفط، وإضافة إلى ذلك فهو يقيد حريتها في التصرف بنفطها. فجزء من هذا النفط، حسب العقد، يعود قانونيا إلى الشركة. ولذلك فأن الحكومة تضطر إلى التفاهم مع الشركة على كمية النفط المستخرج وكيفية التصرف به. بينما تكون الحكومة حرة في التصرف بنفطها في حالة عقود الخدمة. ولهذه الأسباب كلها فأن الحكومات الوطنية لا توقع أية عقود مشاركة مع الشركات، إلا إذا كانت مضطرة لها، ولم تكن تملك خياراً غيرها. 
.
متى تكون الدولة مضطرة لعقود "مشاركة الإنتاج"؟ في حالة التنقيب في مساحات استكشافية جديدة، تكون هناك مخاطرة أن تفشل الشركة باكتشاف النفط، او ان يكون قليلا غير اقتصادي او لا يكفي لتسديد الكلفة. ولا تريد الحكومات عادة، تحمل مخاطرة دفع أموال ضخمة بدون ضمان. لذلك تتقدم الشركات المستعدة للمخاطرة بعرض للحكومة، تتحمل به المخاطرة في حالة الفشل، مقابل حصة من النفط المكتشف في حالة النجاح. فإن لم يكتشف أي نفط، فأن الدولة لا تخسر شيئا. ولكن إن اكتشف النفط، فستكون حصة الشركة منه أكبر، وأرباح الدولة منه أقل مما هي في "عقود الخدمة". وهذا أمر مقبول في حالة وجود مخاطرة بالفشل، وباعتبار أن النفط كان سيترك تحت الأرض لأنها لم تكن تريد المخاطرة بأموالها. 
.
إذن، إن كان الحديث عن استغلال حقول منتجة او مناطق تم اكتشاف النفط فيها أو كان هناك مؤشرات قوية بأن النفط موجود بصورة شبه مؤكدة، فأن الحكومة تتعاقد بشكل عقد "خدمة"، لأنه لا توجد هناك مخاطرة كبيرة. 
يمكننا هنا ان نضيف المعلومة السياسية التالية دون تعقيب: ان جميع العقود التي ابرمتها بغداد مع الشركات، هي "عقود خدمة" بينما العقود التي ابرمتها كردستان، كانت "عقود مشاركة انتاج"، فهل كانت هناك مخاطرة تحاول كردستان تجنبها؟ لا ابداً.. إنما هو الفساد. 
.
لنعد إلى الشرح الأساسي، ولنحاول تحديد كلفة البرميل الواحد من النفط. ولنبدأ بإلقاء نظرة على العلاقة بين سعر النفط وكمية الاستخراج (بشكل عام يتم استخدام كلمة "إنتاج" بدلاً من "استخراج"، لكني لا أرى في استخراج النفط "انتاجاً"). 
نحن نعلم ان العلاقة بين سعر أية سلعة وكمية المعروض منها في السوق، هي علاقة عكسية دائما. أي أنه كلما كان المعروض أكثر، كلما كان سعر السلعة الواحدة أقل، وكلما قل المعروض، وندرت السلعة، ازداد سعرها. وهناك سلع تتأثر بهذا القانون اكثر من غيرها ومنها النفط.
.
ماذا يعني هذا؟ إنه يعني أن أي زيادة في استخراج النفط وعرضها في السوق، سوف تسبب خفضاً كبيراً في سعر البرميل الواحد. فالسوق النفطية محددة الاستهلاك الى حد بعيد، ولا يسهل زيادة استهلاكها. فلو زادت الدول النفطية تصديرها بنسبة بسيطة جداً، ولنقل 6 ملايين برميل في اليوم، فأن هذه الملايين الستة ستبقى زائدة تدور باحثة عن مشتر. ولأجل بيعها سيضطر أصحابها إلى بيعها بسعر منخفض. وطبيعي ان تخفيض سعر هذه الملايين الستة سينعكس على كل المعروض النفطي ويخفضه بنفس النسبة. وبالتالي فأن زيادة استخراج النفط قلما تكون نافعة في زيادة المردود، حتى على من قام بزيادة تصديره، بسبب انخفاض السعر المصاحب له، بل ومن الممكن ان تباع الكمية الجديدة كلها بأقل من سعر الكميات القديمة الأقل، وان تتسبب الزيادة في الاستخراج بخسارة حتى الجهة التي زادت استخراجها وتصديرها للنفط، كما حدث في الماضي للمملكة العربية السعودية أكثر من مرة. لذلك كان من الضروري جدا لمصدري النفط أن يتفقوا على "سقف انتاج" محدد لكيلا يعانوا من انخفاض في المداخيل إذا تم تجاوزه. وعلى هذا الأساس تم إنشاء منظمة الدول المصدرة للنفط، أوبك. 
.
لماذا اذن يتم تجاوز هذا الحد وتنخفض الأسعار بهذه الشدة بين الحين والآخر، إن لم يكن لها مردود اقتصادي؟ الحقيقة ان الدافع وراء زيادة استخراج وتصدير النفط، بالنسبة للدول المصدرة الأساسية هو دائما تقريبا سياسي ويهدف إلى تحطيم اقتصاد دول معينة مصدرة للنفط لهدف محدد. فالأزمة الاقتصادية التي يقال انها اسقطت الاتحاد السوفيتي كانت من صنع المملكة العربية السعودية. كما ان دخول صدام الى الكويت تم بعد محاصرته بأسعار النفط التي تم خفضها بشكل شديد عن طريق زيادة التصدير من كل من السعودية والكويت بشكل رئيسي، مما سبب ازمة مالية خانقة له، عجز بسببها عن تسديد أرباح ديون الحرب التي قد خرج منها تواً. ومن المثير للانتباه ان ذات الدول التي زادت تصير النفط وعملت على خفض سعره، هي التي كانت مستهدفة مباشرة في المؤامرة التي تسببت للكويت بشكل خاص، بخسائر هائلة مثلما تسببت للعراق بخسائر أفدح، ليس على المستوى المالي وحده وإنما على المستوى السيادي والبشري أيضا. 
.
هكذا نكون قد تعرفنا على الخطوط العامة لصناعة النفط وحساب الكلف والأسعار وتغيرها، ونحن الآن جاهزين بشكل أفضل للنظر في عقود التراخيص وتقييمها، وهذا ما سنفعله في الجزء الثاني من هذه المقالة.