عقود التراخيص 2- العقود بخير.. ولكن!

صائب خليل

لقد شوهت عقود التراخيص إعلامياً عن طريق عمليات حسابية خاطئة للمبالغة بكلفة الاستخراج للبرميل الواحد من النفط، كما سنرى فيما يلي. كذلك سنرى أن هذا العمل لم يكن خطأً بريئاً، بل هو الخطوة الأولى من خطة لاستبدال تلك العقود بأخرى تناسب شركات النفط، وعلى حساب العراق. 
,
شرحنا في المقالة السابقة(1) نوعي العقود الأساسيين وأسس حساب كلفة استخراج برميل النفط بشكل مبسط، وقلنا ان هذه الكلفة تتكون من جزئين: 
جزء ثابت يقدم في البداية ويسمى “كلفة الاستثمار”، أي المبالغ المخصصة لإنشاء وتطوير الصناعة النفطية، وتمثل كلفة إنشاء الحقل وملحقاته، وهي ثابتة تقريبا سواء استخرج نفط او لم يستخرج. 
وهناك كلفة "تشغيلية" تعتمد على كمية النفط المستخرج. ونضيف ضمن "الكلفة التشغيلية" للسهولة، حصة الشركات المستقطعة عن كل برميل نفط، (وتسمى "الحافز")، وتبلغ، بعد حساب الضريبة، اقل من دولار للبرميل الواحد.(*) وتحصل الشركة على المبلغ ثابتاً بغض النظر عن سعر النفط في السوق.(**)
,
فقبل 2003، كانت التخصيصات لتطوير القطاع النفطي قد توقفت من زمن طويل، لذلك لم تكن هناك "كلفة استثمار"، وكانت "الكلفة التشغيلية" وحدها، هي الكلفة الكلية. ولهذا كانت كلفة إنتاج برميل النفط العراقي واطئة جدا وتبلغ (1,6–2) دولاراً. (فؤاد الأمير) ولكن بعد عام 2003 والعمل على زيادة الإنتاج، تم إدخال استثمارات كبيرة جديدة، لذا توجب إضافة مبالغ اندثاراتها إلى الكلف التشغيلية، من اجل حساب الكلفة النهائية لاستخراج برميل النفط"(#) وهو ما زاد كلفة انتاج البرميل الواحد، ولا علاقة لذلك بسوء عقود التراخيص.(##) 
,
لكن كم كان تأثير هذه الدفوعات الاستثمارية على كلفة استخراج البرميل الواحد؟ هل هي حقاً بحدود 22 دولار، كما حاول الإعلام ان يقنعنا؟ 
,
"إن الغالبية العظمى من الدفوعات... هي استثمارات لمعدات وإنشاءات وحفر آبار وأعمال مدنية ونصب معدات ومد أنابيب وفتح طرق حقلية وشراء ونصب خزانات ومضخات ضخمة وغيرها". وتبقى هذه المعدات تستخدم لسنوات عديدة قبل ان تستهلك. ولحساب (مبسط لـ) تأثير هذه المدفوعات على كلفة البرميل الواحد، يجب تقسيم مبالغها على عدد البراميل المستخرجة خلال سنوات استهلاكها. وطبيعي ان لكل نوع منها "عمراً" مختلفاً. وكمعدل يجب تقسيم مبلغها على مدة تتراوح بين (5–20) سنة (فؤاد الأمير). 
ويذهب الأستاذ حمزة الجواهري ابعد من ذلك فيقدر عمرها الافتراضي ب “30 أو 40 سنة وربما 50 سنة من بدء التشغيل، ...(و) حتى آخر قطرة نفط في الحقل."
,
كم هي كلفة البرميل الواحد إذن حسب هذه الحسابات؟ يقول فؤاد الأمير: "هناك حسابات كلفة للاستخراج في وزارة النفط، تصل بمعدلها حوالي إلى (6–8) دولارات للبرميل (بضمنها "الحافز") ... وقد تصل إلى (9) دولارات للبرميل في الحقول الصغيرة، والتي لا تمثل أكثر من (5%) من الإنتاج، وتنخفض إلى (5) دولارات للبرميل في بعض الحقول الكبيرة." 
,
وبما ان انتاج الحقول الكبيرة هو الأكثر، فأن معدل كلفة الاستخراج سيكون قريبا من الـ 5 دولار للبرميل الواحد، ربما تكون 6 دولار او أكثر قليلا، وليس 20 أو 22 دولارا، بالتأكيد! 
,
كيف إذن وصل البعض إلى حساب كلفة أكثر من عشرين دولاراً للبرميل؟ ما فعله هؤلاء هو انهم قسموا "الكلفة الاستثمارية" على عدد البراميل التي تم استخراجها بالفعل خلال السنوات القليلة الماضية، وليس على طول حياة المشروع أو المعدات! لقد حسبوها هكذا: دفعنا كذا مليار دولار، واستخرجنا كذا مليار برميل خلال الفترة الماضية. إذن نحسب كلفة البرميل بقسمة الكلفة الكلية على عدد البراميل الكلية التي استخرجناها. وقد يبدو هذا منطقياً جداً، لكنه خاطئٌ تماماً. لأننا لم ندفع ما دفعناه من أموال من اجل براميل النفط التي استخرجناها فقط، بل أيضا دفعنا كلفة بنية تحتية مازالت صالحة للاستخدام لسنوات طويلة. والحساب الصحيح يفترض تقسيم تلك الكلفة على ما سيتم استخراجه من براميل في المستقبل ايضاً، فبذلك نحصل على الكلفة الحقيقية للبرميل، وهي اقل بالتأكيد مما يحسب في الحالة الأولى الخطأ. 
,
لم يكن هذا هو التلاعب الوحيد بالأرقام، فمن الأرقام الخاطئة الأخرى التي اشاعها الإعلام هي "خسارة" العراق من النفط للفترة من 2011 إلى 2014، ما قيمته 14 مليار دولار. وهذه تم حسابها بالشكل التالي: كانت الخطة الأصلية للاستخراج تهدف إلى الوصول إلى 9 مليون برميل في اليوم الواحد، ثم 12 مليون. لكن هذا السقف البعيد عن الواقع (من الأخطاء الأكيدة لجولات التراخيص) لم يتحقق بالطبع، ولا يمكن ان يتحقق. ما تحقق هو بحدود الـ 3 ملايين فقط. فيقوم من يحسب "الخسارة" بحساب الفرق بين عدد البراميل المخططة وتلك المتحققة لتلك الفترة، ويضرب هذا الفرق بقيمة برميل النفط حينها، ليحصل على ارقامه الكبيرة!

ما المشكلة في هذا الحساب الذي يبدو منطقياً ايضاً؟ هناك ثلاث مشاكل وليس واحدة في الحقيقة. 
المشكلة الأولى هي أن العراق، حتى لو استخرج 9 ملايين او 12 مليون برميل في اليوم الواحد لما كان بإمكانه ان يسوقها دون ان يحطم الأوبك وحصصها، وكان سيكون لهذا أثر مدمر على مردودات النفط للدول المصدرة كلها مستقبلا حتى إن زادت مردودات الحاضر. 
,
والمشكلة الثانية في هذا الحساب انه إن تم تسويق هذه الزيادات، فسوف تتسبب في انخفاض مباشر كبير في سعر البرميل، بسبب امتلاء السوق النفطية وفيضانها عن الحاجة أصلا. وبالتالي يتوجب استعمال السعر الجديد المنخفض لبرميل النفط لحساب الفرق، وليس القديم. وهكذا فالزيادة في المردود لا يصح ان تحسب بهذا الشكل ولن تكون ابداً بهذا الحجم. بل قد لا تكون هناك اية زيادة في المردود إن انخفضت الأسعار كثيراً، بل ليس مستحيلا ان الانخفاض في السعر قد يكون تأثيره أكبر من تأثير زيادة الاستخراج، فيكون المردود أقل مما قبل الزيادة! وقد حدثت هذه الحالة الغريبة للسعودية في الماضي بالفعل، حيث كانت تسخر نفطها لتحطيم الدول لحساب الولايات المتحدة حتى لو كانت على حساب مواردها!
,
واخيراً المشكلة الثالثة في حسابات هذه "الخسائر" هي أننا في الحقيقة لم "نخسر" تلك المبالغ! فكل ما حدث اننا لم نستخرج نفطنا ونبيعه بشكل جنوني كما تفعل المملكة العربية السعودية مثلا. وما زال النفط موجودا داخل الأرض، فلماذا يحتسب ثمنه كخسارة؟ 
,
لكن العراق قد خسر مبلغا بالفعل هو 270 مليون دولار كتعويضات للشركات، دفعها العراق حسب العقود على اعتبار أن الشركات كانت قادرة على إنتاج نفط، لم يكن العراق قادراً على خزنه وضخه وتصديره، بسبب ضعف منظومة التصدير العراقية في الوزارة والشركات التابعة لها، بالخصوص شركة نفط الجنوب. 
,
ربما نستطيع القاء اللوم على من وقع عقود التراخيص بخصوص هذه النقطة، حين اتفق مع الشركات على كميات طموحة جداً وغير مدروسة، من النفط، لا نستطيع التراجع عنها إلا بدفع التعويضات للشركات. ومن المؤكد ان حال العراق سيكون أفضل بدون تلك الشروط، لكننا لا نستطيع الجزم بأن الشركات كانت ستقبل بالعقود بدونها. فعقود التراخيص كانت محدودة الربح نسبيا للشركات إلى درجة ان بعض الشركات تركتها لتذهب لتوقيع عقود كردستان الباذخة بسبب الفساد الشديد فيها (والذي كتب الأستاذ فؤاد الأمير وكتبنا عنه كثيرا) والتي كانت تعطي الشركات في وقتها أربعة اضعاف الأرباح التي اعطتها لها عقود التراخيص في بغداد، بالنسبة لنفس النوع من الحقول. كما ان بعض الشركات باعت حصصها أو تركتها دون ان تحصل على مقابل، وهذا دليل آخر على سلامة عقود التراخيص من الجانب العراقي بشكل عام. 
,
لماذا إذن هذا الهجوم على عقود التراخيص ولماذا هذه الحسابات الخاطئة؟ قد يكون السبب هو الجهل بالنسبة للبعض، لكنه ليس بريئا بالنسبة للبعض الآخر الذي يعرف عم يتحدث. فما هو الهدف من المبالغة بكلفة استخراج برميل النفط وفق العقود، وكيف يمكن ان يستفيد منه أحد؟ 
,
يجب ان نذكر بما قلناه في المقالة السابقة، من ان العقود تقسم بشكل مبسط إلى نوعين، وان النوع الأفضل هو عقود الخدمة لما فيه من مردود اعلى وحرية في السياسة النفطية للبلد. وبالمقابل فالأفضل والأكثر ربحا للشركات هو نوع "مشاركة الإنتاج"، والذي يعطي مردودا اقل للدولة. وقد كانت عقود التراخيص من نوع "الخدمة" الأفضل للدولة، بينما عقود كردستان "مشاركة"، أي الأفضل للشركات. 
ومن الطبيعي ان الشركات حاولت المستحيل لتغير عقود التراخيص إلى "عقود مشاركة انتاج" مثل كردستان، لكنها فشلت حتى الآن. وتخشى الحكومة والمأجورين للشركات فيها وفي مجلس النواب ان تكون الفضيحة كبيرة حين تأتي النتائج قاسية على اقتصاد البلد، في الوقت الذي يعاني من ضائقة مالية (شارك في خلقها عادل عبد المهدي باعترافه، كما اوضحنا في مقالة سابقة). لذلك فمن الضروري إعطاء انطباع عن "خسائر ضخمة" وكلف انتاج مبالغ فيها اليوم لكي تبدو العقود الجديدة أفضل منها. 
وهكذا تم رفع مبلغ التعويضات المذكورة من 270 مليون دولار (أكثر قليلا من ربع مليار دولار) إلى 14 مليار، بحيل حسابية، مثلما تم حساب كلفة البرميل الواحد بحيل مماثلة. 
,
فكما رأينا، فأن كلفة استخراج البرميل من النفط وفق عقود التراخيص يبلغ بالحساب الصحيح بحدود 6 دولار. فإذا قورن ذلك بعقود جديدة تكون فيها كلفة البرميل 15 دولاراً مثلا، فستكون فضيحة كبيرة لمن وقع تلك العقود الجديدة. أما إن تم اقناع الناس قبل ذلك بأن كلفة الاستخراج لعقود التراخيص كانت 20 دولاراً للبرميل الواحد، فسيبدو الـ 15 دولار اقل كلفة ويوفر 5 دولارات للبرميل الواحد! 
نعم، هناك ما يمكن تحسينه في شروط عقود التراخيص، لكنه ليس كثيراً، كما انه من غير المتوقع ان توافق الشركات على أي تغيير مهم. لأن ما هو في صالح العراق، يكون غالبا في غير صالح الشركات، إلا ما ندر. وتقديرنا ان أكثر من يثير الضوضاء حول تلك العقود وينادي بتغييرها، لا يقصد هذا التغيير الأفضل للعراق، بل التغييرات نحو الأسوأ التي تناسب الشركات! ويمكننا ان نلاحظ أن هؤلاء يتحدثون كثيرا عن ضرورة تغيير العقود، دون ان يتكلم أي منهم عن ماهية ذلك التغيير الذي يطالب به، لأنه سيفضح نفسه بذلك! 
,
عقود التراخيص بخير إذن.. لكنها مثل بقية ما في البلاد معرضة للخطر الشديد، فالأرقام كبيرة جدا، والعالم في ضياع متزايد وتقارب سريع من التحول الى غابة لا قانون فيها. ومن الناحية الأخرى، العراق ضعيف جدا، بحكومة من المأجورين الذين يتحينون الفرص الآمنة لتنفيذ أوامر الكبار، وإعلام معادِ للشعب، يعمل لحساب نفس الخصوم. 
,

(*) خشية ان يأتي من يقدم أرقاما مختلفة ويحاجج بها القراء، فأن تلك الحصة تبلغ 1,9 دولار، تستعيد الحكومة منها حوالي الدولار لأن لها حصة في أرباح الشركة نفسها، إضافة الى الضرائب، فيبقى منها 93 سنت للشركة عن كل برميل. ويتأثر هذا المبلغ بنسبة حصة الحكومة إلى حصة الشركة، فيزداد مع انخفاض حصة الحكومة في الشركة ويقل مع زيادتها، وكذلك يتأثر بالضرائب التي تفرضها الحكومة على أرباح الشركة. وطبيعي ان هذه الحسابات تتعرض للتغيير ان تغيرت حصة الحكومة من شركة النفط. وفي بعض المفاوضات اضطرت الحكومة الى التنازل عن جزء من حصتها من اجل تغيير شروط أخرى في العقود لصالحها، بسبب انخفاض سعر النفط، لكن هذه الحسابات تبقى ضمن مبلغ الـ 1,9 دولار – أي اقل من دولارين، (مطروحا منها الضرائب الحكومية) حتى لو تنازلت الحكومة عن كل حصتها في الشركة. وعندما احتاجت الحكومة إلى تخفيض إنتاج الذروة المتفق عليه في العقود (وهو من نقاط الضعف في تلك العقود) لأنها لم تكن مستعدة للتعامل معه من ناحية البنية التحتية من انابيب ومخازن يجب عليها توفيرها، وكذلك صعوبة بيع النفط الزائد بدون انخفاض كبير في سعره، فقد طلبت الشركات من الحكومة التنازل عن حصصها في مفاوضات 2013–2014 فهبطت من 25% في بعض العقود إلى 10% فقط. 
(1) عقود التراخيص مالها وما عليها – 1- مدخل إلى صناعة النفط وتسعيره
https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/1331916256865440:0 
(**) عندما يكون سعر النفط 100 دولار للبرميل الواحد فإن مبلغ الدولار الواحد للبرميل يعادل 1% من قيمة النفط، لكن عندما تهبط الأسعار إلى تحت 40 دولار مثلا، فأن هذه النسبة ستزداد إلى أكثر من 2% من قيمة النفط المستخرج. وهكذا فان عقود الخدمة تكون اقل جدوى بدرجة بسيطة، للدولة، مما تكون عندما تكون أسعار النفط مرتفعة، لان الشركات تأخذ حصتها بغض النظر عن سعر البرميل في السوق، فلا تخسر في انخفاضه ولا تربح من ارتفاعه.
(#) لاحظ حمزة الجواهري ان معظم الكلفة التشغيلية هي مبالغ سوق يعاد تدويرها في الاقتصاد العراقي، مثل رواتب الموظفين.
(##) وليست هناك زيادة كلفة بسبب الديون المتراكمة للشركات من السنوات السابقة، كما ادعى البعض. “قد يقول البعض أن العراق "مدين" للشركات، وهذا هو سبب الكلفة غير المعقولة للإنتاج. وأوضحنا في الفقرة السابقة أننا دفعنا جميع استحقاقات الشركات إلى نهاية الربع الثالث لعام 2015، واستحقاق الربع الرابع يتم اعتيادياً دفعه في السنة اللاحقة، لذا فإن وزارة النفط (والعراق) غير مدينين للشركات النفطية”. (فؤاد الأمير، 2016)