"الغائية التاريخية" مقابل "المادية التاريخية"(1/2)

 من بين القضايا التي يشتمل عليها عملي القادم ، موضوعة "الغائية التاريخية" كواحدة من المحاور الرئيسية التي يتوجب توجيه النظر صوبها ,والاعتناء بها ركيزة، ومقوما أساسيا ضمن منظومة الأفكار الواجبة الإقرار، بناء لطبيعة الوعي الموافق للمستقبل المقترح بناء على "الامبراكونيا"، ذلك بعني انها سترد طبعا في كتابي القادم المخصص للبيان "الامبراكوني". وقد وجدت ان ابادر مسبقا وقبل صدور الكتاب، لعرض معالجة، وان أولية، تتعامل مع شبكة الأفكار المترتبة عليها، وبالأخص التي تشكل معها وحدة، او منظومة شاملة، موضوعها الجوهر، السعي الى قلب طبيعة التبصر بالكون والوجود، وحركة التاريخ، ومصير الكائن المعروف بالإنسان حسبما يعرف الان، او كما هو كائن منذ ظهور العقل، والانتقال لإنتاج الغذاء، وظهور المجتمعات. والمادية التاريخية التي وضعها ماركس، هي واحدة من رؤى المصير البشري والمستقبل، مثلها مثل المسيحانية والمهدوية، وغيرها من التصورات المتعلقة بالإنسان ومآلات تاريخه المتوقعة فوق هذا الكوكب، ورغم ان ماركس وانجلز اعتمدا السبل "العلمية المادية " في النظر لظواهر التاريخ كما يريانها، الا انهما لم يتسن لهما برغم ذلك، تحقيق الانتصار الكامل، أوكسب المعركة نهائيا، كما كانا يتوقعان او ياملان، على الرؤى الأخرى، "غير العلمية"، و"المثالية" الدينية منها على سبيل المثال. وليس هنالك من شك بان الماركسية والشيوعية الحديثة، ونظرية "المادية التاريخية" بالدرجة الأساس، قد اقنعت اعدادا غفيرة من الناس، من أبناء عصرنا، وكادت تصبح قوة تذكر بالاديان من حيث اعداد مريديها، ودرجة قناعتهم بها، واستعدادهم للتضحية تحت رايتها. والنظرية المذكورة تعيد علينا تكرار فعل قانون اتسم في التاريخ البشري بثنائة (القناعة / الايمان)، وقد تكون موضوعات ماركس، من بين كل النظريات الوضعية غير الدينية، قد تميزت بكونها تشتمل كمنظومة تفكير، على مثل هذا العنصر الاقناعي الايماني، حيث يصبح البشر "متأكدين" من شروط وجودهم ومستقبلهم، ويعرفونها تماما، وبناء لحتميات مقررة، كما هي الأفكار المتلقاة عبر معادلة: الاله والنبي، والكتاب المنزل من السماء، وصولا الى "القيامة" والعالم الآخروالجنة والنار. وكان من البديهي بعد القرن التاسع عشر والعشرين، ان تنشا اعتقادات تمح الحداثة قدرة لاشك فيها على احداث التبدل الشامل الحياتي والتصوري، بما في ذلك قضية الايمان، بحيث تبدو ظاهرة الماركسية من قبيل الانقلاب في ملمح أساسي من ملامح الممارسة البشرية، حتى انها اغرت بحلول انعطافة نهائية على هذا الصعيد، بالأخص خلال النصف الأول من القرن العشرين، حتى الستينات منه، قبل ان تبدا علامات تغيير جدية في القواعد التي ترتكز لها اجمالي فكرة الحداثة والتطبيقات الايديلوجية المنتمية للاشتراكية، وقد تبين ماينم عن تفارق التكوين الانساني مع الاحاديات التطبيقية، ذلك كله بالاجمال وبالتركيز المختزل للغاية، لم يكن لنا منه مهرب، قبل ان نذهب نحو عرض تصورنا المباين كليا لعموم التصورات البشرية المتعارف عليها، بما فيها الدينية بتياراتها الكبرى،طبعا. ولكي نعين بداية، نقطة الإفتراق عن المنظورات المتداولة، سنحتاج لان نفصل بخصوص موضوع الاهتمام، او المعطى المحفز، والذي حوله وبالانطلاق منه، تتاسس الأفكار التي نحن بصددها، فماركس او الديانات النبوية، محكومة من حيث موضوع المعالجة بفكرة "الكائن البشري النهائي"، هذا الكائن المتشكل من الجسد والعقل، بصفتهما وحدة لا انفصال لها، بقدر ماهي نهائية، بحيث لايمكن تصوّرما بعدها، او ماوراءها. ومعطى كهذا لن يكون في اقصى الحالات، وحتى في أكثرها جذرية، قابلأ لان يتيح الذهاب ابعد مما ذهبت اليه "المادية التاريخية" التي تتعامل بالدرجة الأولى، مع الحقيقة الموضوعية الإنتاجية المجتمعية، وهي خاضعة بنائيا من المخطط الابتدائي حتى نهاية المطاف، لممكناتها الملموسة/ بغض النظر عما اذا كان هذا العنصر نفسه "محليا/ اوربيا"، وليس عالميا كما يحلو لماركس وانجلز ان يتصورا معممين إياه بإلحاح وتركيز ملفتين/. لم يكن متاحا لماركس، او لبناة "مملكة الله" على الأرض من الأنبياء، تصور احتمال ان يكون الوجود الإنساني / الكوني، مصمما لغايات تتعدى "الكائن" ( نتحاشى قدر المستطاع اعتماد تسمية "الانسان"، حين نكون قادرين على ذلك، لاعتقادنا بعدم انطباقها على الكائن المتحوّل، الا عرضا وآنيا) فالكائن الذي تنقل متحولا ـ بعد عدة صيغ واشكال ـ كانت مهياة كلها، كما حال الكائن البشري اليوم،لان تتصور نفسها نهائية، سواء تعلق الامر بالعضية، او اللبونات، ليس وفقا لاعتقادنا كائنا نهائيا او منهتى سلسلة من التعاقبات التحولية، بل هومازال خاضعا لقانون التحولي الكوني، وهذا جدير بان يدفع به نحو عبوروتجاوزصيغته او شكله الحالي. ولست اعتقد ان هنالك من سبب من شانه ان يجيز الاعتقاد الراسخ بنهائية الصيغة البشرية الحالية، واما الراي النشوئي الداروني، الذي يعتقد بان العضو الجسدي الإنساني اكتمل، وان إمكانات التحول انتفت، من هنا فصاعدا، وان ظلت التغيرات الجزئية ممكنه ووارده، فلاشيء يسنده، او يجعله حقيقة قابله للتبني والإعتماد، أولا لان الانسان ليس جسدا، والقول بجسديته، ناجم عن خضوع موضوعي لسطوة الجسد على العقل، مما يحد من طاقة العقل وحضوره، ويحصره داخل نطاق ادنى من عقلي متحرر، وحسب رايي فان الجسد البشري مصيره الانقراض، وهو مصمم ليس لكي يبقى الى الابد، كما ان الحقبة التحولية للكائن، ستقوم على قاعدة انفصال المكونين، او العنصرين الداخلين في بنية الانسان الحالي، كما ان الافتراق بين "العقل" و "الجسد"، سيصير باطراد الظاهرة المستقبلية الجديرة بالانتباه منذ لحظة ظهور العقل قبل اكثر من خمسين الف عام، وفي حين كانت الدارونيه ماخوذة بتركيز جهدها البحثي الهام للغاية، على الجسد، فانها توقفت دون ملاحظة ماكان يفوق قدرتها على كمنوج بشري حالي على الاستيعاء والتحري. ولايمكن من دون المزج بين المعالجة التاريخية من زاوية القوانين الناظمة، بالإضافة للتاريخ التحولي النشوئي البيولوجي وملاحظتهما معا، ملامسة، البعد النشوئي التحولي مابعد البيولوجي، خلافا لما هو متوفر بين أيدينا، وكما مارسة وانغمس فيه رهط من العلماء الافذاذ ضمن زمنهم التحولي، بمقدمهم دارون، هذا مع العلم ان المقصود بالتاريخ هو أيضا، ومثل النشوئية الدارونية، مفروض تخليصه من سطوة حاجز الجسد النهائي الابدي، النافذة كليا حتى اليوم. وليس القصد هنا ان نذهب لافتعال منظور تاريخي مصمم على مقاس التحولية والانقسام المتوقع بين عنصري الكائن الحاليين، اننا نوافق بين الممكنات، والمتاح، والحاصل، وهذه تقول بان حياة الانسان مصممة، بما يجعل الاصطدام بحائط الجسد الابدي، نهاية حتمية، ومع افتراض ان الانسان تجربة منقرضة، كما نعتقد جازمين، وان الشيوعية التي افترضها ماركس، والعدالة المهدوية المطلقة، السابقة على القيامة وانتهاء العالم، هي تخيلات لنهايات تطابق مستقبل كائن منظور اليه باحادية بيولوجية، وبعجز عن التمييز والفصل بين عنصري كينونته،وطبيعتها غير الموحدة نوعا، فان تغييرا في اصل واساس التصورات المهيمنة، يستلزم حتما انفتاح الأفق على مسارات أخرى، من المفترض ان يحفزها بداهة ومنطقيا، ماهو مستجد ومكتشف على حالة وطبيعة الأصل، أي الكائن المتحول المعروف راهنا ب " الانسان". يعني هذا، ان "الغائية التاريخية" ليست بحثا يطبق على تاريخ كائن نهائي، كما حال "المادية التاريخية"، وانها على العكس، معنية بالأحرى بسيرورات معاشة، مصممة مسبقا، ومتجهة نحو تامين، او مايمكن وصفه بتخليق إشتراطات "التحول" الاكبر، الذي هو مبدئيا، انفصال العقل عن الجسد، وبدء انتقال الكائن المتحول/ الانسان حسب تسميته الراهنة/ من الكوكب الأرضي، الى الكون، تاركا خلفه فكرة ابدية وجوده ودوره الأرضي المغلقة، هذا مع كل مايقتضيه الفصل المقبل من صيرورته اللانهائية، من تحورات وتبدلات جوهرية في الإمكانات المتاحة له، والمستجدة، الكامنة فيه، بحسب كينونته الحالية، وخفاياها. ـ يتبع ـ