حول الكارثة البيئية والصحية في محافظه البصرة

Submitted on Wed, 09/05/2018 - 10:54

د. جيهان بابان

تناقلت وكالات الأنباء العراقية والعالمية خبر إصابة آلاف المواطنين فِي البصرة بإصابات مرضية معوية واسهال شديد والذي تطلب تداخل طبي وعلاجي . ولمن يتابع شؤون البيئة في العراق بشكل عام والبصرة بشكل خاص لن يفاجئ، لان ابسط تقييم لمخاطر تلوث المياه وتأثيرها على صحة المواطن العراقي يؤدي لاستنتاج ان العراق على شفا كارثة بيئية وصحية واذا كان السبب الماء الْيَوْمَ فتلوث الهواء والتربة تهدد ايضا بتبعات صحية اخرى قادمة .

والاسباب عديدة ومعروفة لأغلب المتابعين سواء بجانبها الإقليمي النابعة من سياسات تركيا وايران او التأثير المباشر للتغير المناخي الذي من مظاهره درجات الحرارة العالية وقلة الأمطار وزيادة التبخر اضافة الى ضعف كفاءة الأجهزة المكلفة بتنفيذ ومتابعة وضمان جودة المياه الصالحة للشرب وفشلها في إدارة فعالة لهذا الملف الحيوي والمهم والتي نتيجتها هدر مئات المليارات من الدولارات المخصصة للموارد المائية والإدارات المحلية ولوزارات الزراعة والصحة والبيئة ومنذ ٢٠٠٣ نتيجة ضعف الرقابة والاشراف والمتابعة وأيضا بسبب الفساد المتمثل بالمشاريع الوهمية أو التي لم تنفذ الا جزئيا وتركت والتي انعكست أيضا على الموارد المائية كما ونوعا سواء في تدني الخزين الفعلي وازدياد الملوحة خاصة في شط العرب والتجاوزات المستمرة على الأنهر والهدر العام نتيجة قدم شبكات الاسالة وانعدام الصيانة . أما على صعيد ردود الفعل الرسمية فقد شابها في البداية عدم الدقة والوضوح على المعالجات الممكنة لإيقاف هذه الأزمة الصحية والبيئية وتبادل الاتهامات واللوم بين وزارات الموارد المائية والصحة والبيئة والبلديات ومجلس المحافظة والحكومة الاتحادية وضبابية المعالجات الممكنة. ومما لاشك فيه هو صواب قرار تشكيل خلية الازمة لمتابعة الخطط والإجراءات والتنفيذ الفعلي والتنسيق بين الوزارات والجهات ذات العلاقة. ولكن تعددها اذا استمرت بإعطائها مسميات مختلفة تشكل عائقا امام الاستجابة الصحيحة الأنية والمتوسطة المدى. ويجب ان تتمتع بصلاحيات تشرف وتتابع وتراقب التنفيذ وبمشاركة فعلية من مجلس المحافظة. العائق الاخر هو التباين في أولويات الحلول فهناك من يرى ان نهر البدعة والاستخدام الجيد لأحواض التخزين هو الحل وآخر يريد زيادة الاطلاقات المائية لدفع اللسان الملحي في شط العرب وثالث يطالب بإقامة محطات تحلية للمياه على البحر او على

شط العرب او إقامة سد في ام الرصاص وآراء اخرى عديدة ويلاحظ ان البعض قد استخدم الأزمة لاعتبارات سياسية . أما الاولويات في تقديرنا هي ما يلي:

اولا: معالجة التبعات الصحية للتلوث وتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية الضرورية ودعم الجهد والخدمات التي تقدمها رئاسة صحة البصرة ومن ضمنها دعم مالي مناسب لتخطي هذه الأزمة.

ثانيا: متطلبات إيصال الماء الصالح للشرب للأهالي وبالطرق المختلقة وحسب مناطق تمركز التلوث واستخدام أليات صالحة وغير ملوثة.

ثالثا: ان تعقد خلية الازمة المختصة اجتماعا موسعا تدعوا له خبراء في المياه والصحة والبيئة كورشة عمل للاتفاق على الخطوات العملية والفنية المطلوبة والممكنة في سياق التوقيتات وتخرج بخطة عمل واقعية مع تحديد ما يلزم من موارد بشرية مالية .

رابعا: إقامة مختبرات متخصصة بأجهزة حديثة قادرة على كشف كافة انواع التلوث الكيمياوي والبيولوجي ورسم خارطة لمدينة البصرة لتوصيف مناطق تمركز التلوث .

خامسا: ان يقوم مجلس المحافظة بدوره بالأشراف ومتابعة التنفيذ وتحت رقابة الحكومة الاتحادية وبالتنسيق مع خلية الازمة وضمان ان لا يمتد الفساد الى العقود باستثناء كل الشركات الفاشلة والمتلكئة أو غير الرصينة او المتورطة في الفساد خاصة في تجديد شبكة الاسالة أو تحسين البنية التحتية لمياه الصرف الصحي أو تنقية المياه وباتباع طرق عصرية حديثة ومعالجة مياه الصرف الصحي والماء العادم وأقامه شبكة من مشاريع تحلية المياه .

سادسا: إعداد تقارير دورية علنية وبشفافية حول سير الإجراءات التنفيذية.

سابعا: القيام بحملة إعلامية مكثفة وتسخير كافة المنابر الإعلامية والمؤسسات الثقافية والدينية لتوعية المواطن العراقي في اتباع إجراءات السلامة الصحية وعدم هدر المياه.

ثامنا: تخصيص محكمة محلية متخصصة بقضايا البيئة والتجاوزات عليها واتخاذ أقصى العقوبات بالمتجاوزين والمخالفين .

تاسعا: من تجربة الحرب ضد الاٍرهاب وتقييمات مؤتمرات جمعيتنا العلمية الأربعة التي عقدت في لندن فان داعش وحلفاءها تستخدم تخريب البيئة كأحد أهدافها ، وكما نشاهد الْيَوْمَ استهداف محطات ومحولات الكهرباء فليس من المستبعد ان تستخدم المياه كسلاح. وعليه فالأجهزة الأمنية مدعوة لتنشيط جهدها الاستخباراتي ومتابعة ومعاقبة المخربين حسب القانون .

عاشرا: ان تقوم مجالس المحافظات في العراق بإجراء تقييم لوضع المياه ومستويات التلوث وعلى أساس علني رصين وبمشاركة كافة الجهات ذات العلاقة ورسم خطة عملية لمنع تكرار كارثة البصرة في محافظات أخرى.

حادي عشر: تشكيل هيئة مركزية خاصة بتلوث المياه في وزارة الصحة والبيئة مهمتها جمع المعلومات والخطط من المحافظات وتوحيدها في تقرير علني حول واقع المياه في العراق.

ثاني عشر: تفعيل العلاقة مع مشروع حماية البيئة في الامم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية وغيرها من المنظمات الدولية وايضا مع منظمات المجتمع المدني المهتمة بالبيئة في داخل العراق وخارجه .

و لابد ايضا ان نشيد بروح التضامن التي أبداها أهالي بعض المحافظات العراقية كحملة إرسال مياه الشرب النقية وستتوالى استجابات المدن الاخرى لدعم البصرة واَهلها الكرام وايضا القطاع الخاص كشركة بايونير بتزويد البصرة بالأدوية والعلاجات الطبية وجميع هذه المبادرات هي انعكاس لروح المواطنة العراقية واكثر نضجا من بعض المسؤولين الذين في محاولة التهرب من المسؤولية عبر رفع شعارات استفزازية تحريضية ضد محافظات اخرى بحجة الحرص على أهل البصرة.

وتزامنا مع أسبوع المياه العالمي ومشاركة العراق في المؤتمر العالمي للمياه في السويد يمكن الاستفادة من نتائج هذا المنبر العلمي لتعبئة الراي العام المهني والمختص بقضايا المياه والبيئة لدعم العراق في مواجهة هذه التحديات الخطيرة.

انطلاقا من رؤيتها من اجل بيئة خضراء ونظيفة في العراق سوف تعقد جمعيتنا مؤتمرها العلمي الخامس في لندن وبعنوان " التصحر في العراق بين شحة المياه والتغير المناخي" وستكون قضية تلوث الماء وتأثيراتها الصحية اهم المحاور.

 

الدكتورة جيهان بابان - أستاذة وخبيرة بيئية

رئيسة جمعية البيئة والصحة العراقية في المملكة المتحدة

السبت 1ايلول 2018

صفحة المثقف