مياه العراق الجوفية تكفيه لقرن؟؟ /4/

عبد الامير الركابي
ـ انا وكويزومي ومجلس الحكم/ تفاصيل الخيانه العظمى
بعد عام 1972، اصبح للحزب الشيوعي العراقي وزيران في الحكومة البعثية، هما عامر عبدالله، ومكرم الطالباني، الثاني كان وزيرا للري، وكان الحزب الشيوعي وقتها، يصدر مجلته الشهرية " الثقافة الجديده" منذ عام 1969 قبل ان تصدر جريدته الاسبوعية، "الفكر الجديد" ومن بعدها اليومية " طريق الشعب" وكنت شخصيا من العاملين الفاعلين، في "الفكر الجديد"، و"طريق الشعب"، اما المجلة التي صدرت وانا في السجن، فكانت مساهمتي فيها قليلة واقتصرت على بعض اللقاءات مع شخصيات هامه، من ابرزها الحسن الطاهر زروق احد مؤسسي الحزب الشيوعي السوداني، مع عبدالخالق محجوب، ورئيس كتلة الشيوعيين في البرلمان السوداني، وله كتاب صدر في لبنان وقتها تحت عنوان "السودان الى اين؟ " صدر عن دار الطليعه، يتعرض في فصل منه، لمناقشة جرت بيني وبينه حول الحدث/ الانقلاب السوداني، الذي اودى بحياة مؤسس الحزب وقتها، نشر تباعا في مجلة "الهدف" الفلسطسنية، الناطقة بلسان "الجبهة الشعبية التحرير فلسطين"، بتحفيز من، وادارة، غسان كنفاني، (اذكر بالمناسبة انه بعث لي وقتها رسالة حث على مواصلة النقاش، الذي كنت مشتركا فيه وقتها) كما اشترك عبدالمنعم الغزالي من مصر، والطاهر زروق نفسه، وآخرين.
انذاك ولست ادري لاي سبب، كان قد طرح بين الاوساط الحكومية والسياسية، موضوع الاحتياطي المائي العراقي، وكانت مسوحات قد اجريت وقتها، بالاستناد الى مسوحات سابقة، كانت شركات اجنبيه قد اجرتها، في المناطق الشمالية الغربية من العراق، بهدف التعرف على مايملكه العراق من خزين مائي جوفي، الامر الذي ادهش وقتها المنقبين، الذين قرروا بان العراق يحتوي على قدر من المياه الجوفية، يساوي جريان الفرات لمدة قرن كامل، وان المنطقة الممتدة من اعالي الموصل شرقا، الى الشمال، وصولا الى بادية السماوة غربا، هي خزان استثنائي هائل من المياه الجوفية العميقة، الواصلة الى تخوم الفرات الاوسط، ولان المياه يومها كانت فائضة،وكوارث الفيضانات في بغداد، لم تتوقف حتى اواسط الخمسينات، فلقد جرى اغلاق هذا الموضوع، الذي عاد صدام حسين وفتحه بطريقة سرية، ربما لاجل التوثق من المعلومة، او لاغراض ودوافع اخرى، لااعرف طبيعتها بالضبط، ففوجيء هو الاخر بصحتها، و قرر مثله مثل نوري السعيد، اغلاقها لانتفاء الحاجة.
ولسبب مازلت اجهله، كلفت وقتها من جريدة الحزب، التي كنت اعمل فيها، باجراء تحقيق حول الامر، جرى تنبيهي بان ابقيه طي الكتمان، وان اضعه عند الفروغ منه، تحت تصرف قيادة الحزب، وقد عقد لي لقاء مع وزير الري، السيد مكرم الطالباني في مكتبه، الذي كان وقتها في شارع الرشيد، مقابل شارع الخيام المتفرع من الرشيد، حيث سينما الخيام الشهيرة،فوجدت الرجل بكل مايتمتع به من هيبه ووقار، وملامح نبيله، قد حضر كل المطلوب، فوضع تحت تصرفي دفاتر ضخمه عتيقة، تحمل كل ماهو مطلوب عن بعثة المسح والاستقصاء الخمسينية عن المياه، وعن النتائج التي تم التوصل اليها وقتها، وحتى الاسباب الداعية لصرف النظر عن الامر، واغلاقه الى اجل غير مسمى، مثلما اطلعت على الجهود الاخيره القريبه، ومصادقتها على النتائج التي جرى التوصل اليها في البعثة المسحية الاولى، مع اختلاف الجهات الماسحة، بين غربية في المرة الاولى، وشرقية في الثانية. 
التقرير، او التحقيق الذي اتحدث عنه، لم ينشر، وقد سلمته وقتها لرئيس التحرير، ولم يعد هو كما لم اعد انا، للتحدث عنه، وكان تلك كانت مناسبة، وجدت من قبل اقدار غامضة، لتحضر حية بعد ان تعبر زمنيا، قرابه اربعين عاما، هي بالاضافة لحدث مهم اخر، كان وقع قبلها، هو "انتفاضة الاهوار المسلحة في جنوب العراق 1967/1968 " وهو مالايستقيم مع الايقاع العادي المتداول، والوهمي، عن الحسابات الملموسة، وتفاعل المعطيات والظواهر الآنية، من نوع مستوى "صراع الطبقات"، والتوازن الدولي، وموازين القوى المجتمعية الانية، المرسومه والمنظور فيها كلها، بناء على مقومات متخيله، لااساس لها، ولا توافق الايقاع التاريخي الفعلي، المتحكم بالحركة التاريخية الحديثة والمعاصرة، وراء، وفي خلفية التصورات الحداثية المفبركة عن الواقع.
يومها وفي عام الغزو الامريكي،2003 ، كان تاريخ فبركة مايسمى بالعراق الحديث، على يد الانكليز، خارج السيرورة التاريخية العراقية المستمرة من القرن السابع عشر، وبالضد منها، ولغرض تحويرها، قد انتهى الى مازق تاريخي، استوجب سحق اسس ماجرى تاسيسة بعد ثورة 1920، بالاقدام على اقامه مااطلق عليه في حينه، "الحكم من وراء ستار"، اي الشكل الاول الاضطراري الضد كولونيالي، من اشكال ماصار يعرف في الستينات ب "الاستعمار الجديد"، مابعد القديم. مع كل مايلحق به من اشكال وتجليات الافكار، ومنظومة الوطنية الايديلوجية الجزبية المستعارة، المخالفة للوطنية العراقية، والموافقة للايقاع البراني الغربي السائد.
اكثر من 82 عاما، تبدا من 1921 ،كانت البنية التي قرر الغرب ممثلا بالولايات المتحدة، محقها والاجهاز عليها، اي تاريخ مايعرف ب "الدولة الحديثة" قد انتهىت ينهايته كفصل غير عادي، من التاريخ، جوهره محاولة الغرب المستميتة، ببنيته المهيمنه كنموذج، وكحضور مباشر، تحوير البنية والاليات الحضارية التاريخية العراقية، ماقد اورث لحظة جديدة غير مسبوقة من الفراغ المجتمعي التمثيلي، مازال مستمرا الى الان، بغض النظر عن الترتيبات التي ارساها الاحتلال، ومازال يرعاها كخيار متوافق مع اغراضه، ضمن الظروف والاشتراطات الحاصلة على بنية الراسمالية العالمية، وعلى انماط السلوك الامبريالي.
هل كان العراق لحظة الغزو، وانهيار الدولة القائمه وقتها، بلا خيارات اخرى، غير تلك التي ارساها الامريكيون، وبمقدمتها "مجلس الحكم"، اساس وقاعدة " العملية السياسية الطائفية المحاصصاتية" ؟، لا بالطبع، حتى وان بدا الخيار الغالب والمسيطر على مقاليد الحكم، وكانه الوحيد، بحكم مرور الوقت، ومحاولة ترسيخ اكذوبة تمثيل "العملية السياسية الطائفية" للنصاب المجتمعي والوطني، مع كل مايرافق محاولة كهذه من جهود جباره، ماديا و سياسيا، واعلاميا ، عدا عن الدعم والتغطية الامريكية والايرانية، لحالة يراد لها ان توحي بقيام نظام " ديمقراطي"، بالاستناد لقوى مناقضة تكوينا وبنية، لاي مطمح من هذا النوع، بحكم كونها قوى ماقبل دوله، مناقضةجوهرا لما تدعيه.
ثمة خيارات اخرى، كانت حاضرة بوجه خيار "مجلس الحكم" الامريكي، ابرزها:
ـ خيار المقاومة المسلحة.
ـ خيار المجلس التاسيسي الوطني.
والاول برغم اهميته، الاانه ظل يعاني من علة الرئيسية، كشفت عن عمق المتغيرات والضرورات المجتمعية التاريخية، تلك هي "جزئية" ظاهرة المقاومة، وتعبيرها الموضوعي بناء عليه، عن الحاجة لزمن من التمخض، والتجارب والمتغيرات، بانتظار تشكل الوطنية الثانية، مابعد الايديلوجية، او التحويرية بمختلف صنوفها، الاسلاموية والايديلوجية الحديثة.
وهذا ماكان خيار "المجلس التاسيسي" يستجيب له، بحكم انطلاقه من موضوعة تقول : " ان صيغة من الحياة الوطنية والتعايش المفروض، والمستعار،قد انهارت وانتهت، وان صيغة للتعايش تعبر عن النصاب الوطني، يجب ان تقوم من هنا فصاعدا، بناء لمقتضيات اللحظة، الامر الذي يوجب التقاء كافة المكونات العراقية، في مؤتمر مفتوح، يتقرر بموجبه مايتم التوصل اليه بالحوار بين المكونات وممثليها، ومايتم الاتفاق عليه، يسجل كبنود دستورية، يقننها مختصون، املا في التوصل لصيغة تعايش جديدة، تضمن وحدة الارادة المجتمعية، وتؤسس لقاعدة قابلة للتطوير، باتجاهوطنية عراقية، قائمة على وحدة المنظور الوطني" والخيار المذكور، طرح عمليا بعد اسبوعين من الاحتلال عبر التلفزيونات، وبمقدمها قناة "الجزيرة" ووجهت نداءات بهذا الخصوص، للمكونات والمراجع، وممثليها، وكافة القوى الفاعلة، من دون استثناء، وبغض النطر عن اية تباينات، مذهبة، او قومية، او مناطقية، او غيرها..
هذا الخيار الاخير، له تاريخ، واستدعى مواقف موافقة له، وتؤكد روحه وطبيعته، منها مؤتمرات، ومنها لقاءات مع جهات وهيات مؤثرة، عربيه وعالمية، ومنها مؤتمرات تمهيدية عقدت في حينه، وفي هذا السياق، ومن بين ماقد امكن تحقيقه وقتها من خطوات ذات دلالة، تعيد بناء الوطنية العراقية، اللقاء الذي جمعني برئيس الوزراء الياباني كويزومي، وماجرى فيه، وبالتحديد، موضوع المياه عموما، والاهوار، وقضيه المياه الجوفية التي ظلت مطوية من اوائل السبعينات الى تلك اللحظة. والاهم هو كيف ان هذا اللقاء، كان بالاحرى يفصل بين خيارين، خيار المجلس التاسيسي، وخيار الامريكيين "مجلس الحكم"، الذي تدخل بدفع من الامريكيين، لكي يخرب مسعانا مع اليابان، ويمنع امكانية استعمال الاحتياطي المائي العراقي المخزون.
ـ يتبع ـ
"مجلس الحكم" ضد العراق... بخدمة الامريكيين