العراق… حقوق مُنتهَكة بمياه مُلَوّثة

خالد سليمان

يحمل فلّاح عراقي من جنوب البلاد أسماكاً صغيرة بين كفيه قائلاً: “الله يساعدك رئيس الوزراء، هذه الأسماك ماتت، ونحن نموت مثلها”. ليس هناك كلام أوضح ممّا يقوله هذا العراقي الجنوبي عن كارثة بيئية إنسانية تتفاقم إثر الجفاف والملوحة في جنوب البلاد، فيما النخبة السياسية غارقة في الصراع على النفوذ والسلطة والمال.

وفي منطقة الفيروزية التابعة لقضاء شط العرب شمال البصرة، ماتت أعداد كبيرة من الجواميس بسبب الملوحة القاتلة في المياه، فيما تعرّضت أعداد أخرى إلى حالات العمى. أمّا جنوباً، فترك الكثير من سكّان ناحية السيبة، وهي أقدم ناحية عراقية في المحافظة، قراهم وبيوتهم وبساتين نخيلهم، متّجهين إلى مركز المحافظة، ذاك أن الملوحة تمادت عمّا يملكون من مصادر للعيش مثل النخيل الحيوانات والأسماك ناهيك عن مياه الشرب. لقد حلّت كتل ملحية بيضاء محل انسيابية المياه التي يحمل اسم تلك البلدة الجنوبية معاني جريانها. لقد سميت تلك الناحية بالسيبة على وقع انسيابية مياه وجريان شط العرب.

ولكن لا شيء يضمن الحياة في مركز المحافظة، البصرة، ذاك أنها أيضاً، تعاني من كارثة بيئية سببها تعرض شبكات توزيع مياه الإسالة فيها إلى تلوث غير مسبوق في تاريخها. وتسرّبت مياه الصرف الصحي والمجاري وفق معلومات دائرة صحة المدينة إلى شبكات مياه الشرب، ولم تبق البصرة مستثناة من ارتفاع نسبة التلوّث الكيميائي التي بلغت 100 في المئة في عموم المحافظة، فيما بلغت نسبة التلوث الجرثومي 50 في المئة. وقد سبّب هذا التلوّث في مياه الإسالة التي يستخدمها السكان للأغراض المنزلية والطهي والغسل، انتشار حالات الإسهال والمغص المعوي والتسمّم في مركز المحافظة وتوابعها. ووصلت أعداد المصابين إلى الآلاف وفق احصاءات غير رسمية، فيما تكتمت الجهات الحكومية على الأرقام الصحيحة ولم تعلن سوى بضع مئات من المصابين.

Image removed.

صيّاد يجمع أسماكاً نافقة في البصرة

تسرّب المياه الملوّثة

ما حصل في البصرة كما يقول وزير الموارد المائية العراقي حسن الجنابي في مقابلة أجراها معه كاتب هذا المقال على هامش مؤتمر (الأسبوع العالمي للمياه في ستوكهولم) نهاية الشهر الماضي هو: “حدوث حالة تلوّث في شبكة مياه الشرب بعد المعالجة، وتسمّم آلاف أبناء البصرة ولكن لم يحدث شيء في مياه الخام”. ليس للأزمة الحالية علاقة بملوحة شط العرب بحسب الوزير العراقي، ذلك أن مياه الغراف باعتقاده “تصل إلى منطقة (آر زيرو) بكمّية 7 أمتار مكعبة في الثانية وهذه الكمية تكفي لثلاثة ملايين إنسان على أساس 200 ليتر في اليوم لكل فرد، و6 ملايين إنسان على أساس 100 ليتر لكل فرد”. إن الأزمة وفقاً للوزير الجنابي هي “أن المواطن لا يحصل حتى على ليتر واحد من الماء النظيف، لأنه مهما كانت كمية ضخ المياه، تلوّثها المياه المُسرّبة إلى الشبكات التي تعاني من العطل والإهمال منذ عشرات السنين”.

“النقطة الأبرز في امتداد الملوحة إلى مصادر مياه البصرة هي قلة تدفّق المياه من الأنهار الدولية”

وفي السياق ذاته، أكّدت مفوضية حقوق الإنسان العراقية، أن البصرة منكوبة. وجاء ذلك في بيان أصدرته يوم 25 شهر آب/ أغسطس الماضي (2018): “إن المشاريع الصحية والخدمية والبيئية في البصرة تعاني من أبسط مقوّمات الحياة وعدم وجود المنشآت الخاصة بتحلية المياه ومعالجة التلوّث البيئي، إضافة إلى وجود العدد الهائل من الآبار النفطية وتقدم اللسان الملحي على المناطق الزراعية المطلة على الأنهر وقنوات الري وعدم استخدام الطمر الصحي، ما يجعل محافظة البصرة مدينة منكوبة”.

يقول حسين عبد وادي، وهو صحافي من البصرة، إن سكان البصرة، باستثناء أهالي القرى والبلدات النائية، يعتمدون مياهاً معدنية للشرب بينما يعتمدون مياه الإسالة للاستخدام الخارجي فقط. إن أصل المشكلة كما يذكر حسين وادي “هو الملوحة وذلك بسبب قلّة التدفّقات المائية من نهري دجلة والفرات ونهر الكارون من جانب، ورمي مياه البزل في شط العرب قرب ناحية السيبة من قبل إيران من جانب آخر”. ولم تتوقّف جارة العراق اللدود عن هذا العمل المضر بالبشر والبيئة والطبيعة منذ 2006، ناهيك بتحكّمها الكامل بنهر الكارون ومنعه من التدفق إلى العراق. تالياً، تصعد المياه الملوّثة نحو البصرة عبر شط العرب، وذلك بسبب عدم التدفقات المائية الكافية وعدم القدرة على منع اللسان الملحي من الامتداد والتعرّض لحياة البصريين ومصادر عيشهم. يذكر أن محطات التصفية في المحافظة، وبسبب العطل والاهتراء، لا تتحمّل هذه المياه الثقيلة التي تهديها كل من تركيا وإيران إلى جارهما الذي لا يستقوي سوى بضعفه المستفحل.

اختصاراً، إن النقطة الأبرز في امتداد الملوحة إلى مصادر مياه البصرة هي قلة تدفّق المياه من الأنهار الدولية التي تصب من خارج الحدود، وذلك بسبب بناء سدود كثيرة وعملاقة وتغيير مجراها في دولتي المنبع، إيران وتركيا.

ويمكن الإشارة في سياق المعلومات التي كشف عنها الوزير العراقي وبيان مفوضية حقوق الإنسان، إضافة إلى الأسباب التي ذكرها الصحفي البصري، إلى سبب آخر من أسباب التلوّث في مياه الإسالة في البصرة وهو خلو محطّات التنقية من مادة الكلور. واستطاع الكاتب الحصول على وثيقة صادرة من دائرة صحة البصرة حول استخدام نسبة الكلور في محطات تنقية وتوزيع المياه على مناطق المحافظة. وتُبيّن الوثيقة التي تحمل توقيع المدير العام للدائرة المذكورة، أن نسبة الكلور في غالبية مشاريع ومجمّعات توزيع المياه صفر، ناهيك بتوقف الكثير منها عن العمل. يذكر أن مديرية ماء البصرة التابعة لوزارة البلديات والأشغال العامة هي الجهة المعنية بتوفير المياه الصالحة للشرب لسكان المحافظة، فيما تعود مسؤولية التحليل والمراقبة والإرشادات الصحية إلى وزارة الصحة والبيئة. الحديث هنا هو عن انتهاك حق أساسي من حقوق السكان وهو حق الحصول على المياه النظيفة للشرب، فحين تفشل الحكومات في توفير مياه صالحة للشرب وضمانها، بسبب الضعف الاقتصادي، الصراعات المسلّحة، أعمال التخريب أو الفساد، فهي تنهتك حقوق مواطنيها، بخاصة إذا لم تقدم طلب المساعدة للمؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة، مجموعة البنك الدولي ومؤسسات الاتحاد الأوروبي… إلخ.

Image removed.

ولكن ماذا بعد؟

يتجنّب الموقف الرسمي العراقي الحديث عن الملوحة في مياه البصرة وتوابعها، فيما يؤكد السكان المحليون على إثر امتدادها الكبير إلى كل شيء في المحافظة مثل انتشار الأمراض، إزالة مساحات واسعة من أراض زراعية وبساتين النخيل، التأثير في الثروة الحيوانية والزراعية كماً ونوعاً. ويتحدث البصريون اليوم عن موت أعداد كبيرة من الأسماك والرُبيان داخل شط العرب وتشقّقاته النهرية، حديثة الولادة تحديداً، وذلك إثر ازدياد الملوحة في شط العرب حيث لم يعد بإمكان البصريون حتى السباحة فيها مثلما كانوا يفعلون في الأيام الخوالي. وتعود أسباب الخوف من السباحة في الشط من جانب ثان إلى تكاثر مخيف لنبتة “الطحالب الحمراء” الضارة داخل المياه نتيجة التلوّث والملوحة وندرتها بطبيعة الحال. إلى جانب هذه المأساة البيئية، يتم توزيع أرصفة الموانئ العراقية على الشط ذاته على الأحزاب الإسلامية الحاكمة والشركات التابعة لها.

هناك أسباب أخرى محلّية أدت إلى تفاقم الأزمة المائية الحالية أبرزها: الإهمال الحكومي لمحطات وشبكات توزيع المياه التي تعاني من الاهتراء بسبب عدم الصيانة والتجديد، الفساد، هدر المياه بأساليب الري القديمة وتجاوزات مستمرّة في الحصول على المياه من قبل السكان المحليين. وتتحمّل كل من الحكومة الاتحادية والمحلية مسؤولياتهما تجاه هذه المحافظة الجنوبية بسكانها و طبيعتها ومصادرها الاقتصادية والزراعية، ذاك أن مقدّمات أزمة المياه الحالية ظهرت قبل سنوات، إنما دون تحرك حكومي يلزم جميع القطاعات الحكومة والمدنية في البحث عن حلول قائمة على الإمكانات البشرية والطبيعية.

لقد لجأت وزارة الموارد المائية إلى خطة سريعة وآنية لإنقاذ البصرة وهي كما يقول الوزير الجنابي زيادة إطلاقات المياه من السدود: “اتخذنا قرارات صعبة جداً وأمرنا بزيادة إطلاقات المياه من السدود، لأننا لا نملك إطلاقات قريبة جداً من شط العرب. تنصبّ الجهود كلّها باتجاه إنقاذ البصرة من هذه الكارثة، ذلك أننا أمام حالة تدهور ويجب أن يكون هناك موقف لمعالجتها وإيقافها في البصرة مهما يكون الثمن”. ولكن التدهور الصحي الذي حصل، وقد يتكرّر في محافظات أخرى، في حاجة إلى خطة عمل شاملة ومستقبلية، تبدأ بإصلاح محطّات تنقية المياه وضمان سلامة شبكات إيصالها إلى السكان. وهذا حق، يدخل ضمن حقوق الإنسان الجوهرية وفقاً للائحة الأمم المتحدة.

درج