«فتنة» ماكغورك: العبادي يقود المواجهة ضد طهران!

نور أيوب

يُظهر حيدر العبادي تمسّكاً منقطع النظير بموقعه. يُدرك الرجل أن «نجمه» في طريق الأفول لحظة خروجه من مكتبه الرئاسي. مستقبله السياسيُّ على المحكّ. تشظّي كتلته البرلمانية («ائتلاف النصر») وما أعقبه من خلافاتٍ بين الفرقاء يحول دون تموضعٍ واضحٍ له في تركيبة الحُكم المقبلة. في آب/ أغسطس 2014، صعد نجم العبادي بطريقةٍ دراماتيكيّة، وبات رئيس الحكومة الاتحادية في «أسخن» ساحة اشتباكٍ (وتقاطع) بين طهران وواشنطن. أربعةُ أعوامٍ منحته الأخيرة فيها غطاءها لجملةٍ من الأسباب، في مقدمها الحرب على «داعش». أما الأولى، رغم تحفّظاتها «أحياناً»، فلم تحجب دعمها عن الرجل حتّى يتمّ ولايته. أجاد العبادي دوراً كان ضروريّاً على خطّ العلاقة بين الطرفين، والهدف بناء «حيثيّةٍ» تفرض على رُعاة المشهد العراقي المضيّ به كخيارٍ أوحد. تبدّل المشهد بين «آبَين» بطريقةٍ دراماتيكيّةٍ أيضاً. في آب 2018، لم يعد العبادي ضمن الخيارات الإيرانية لمنصب رئيس الوزراء المقبل، بعدما كان كذلك طوال الأشهر العشرة الماضية وانحيازه «تدريجيّاً» إلى المعسكر الأميركي ـــ السعودي، والانخراط في مشاريع عدّة للظفر بـ«الولاية الثانية».

مطلع آب/ أغسطس 2014، طُرح اسم حيدر العبادي كخيارٍ بديلٍ لرئيس الوزراء العراقي ـــ آنذاك ـــ نوري المالكي. سريعاً جاء الطرح، وسريعاً أيضاً أبدت طهران تحفّظها عليه. دعا رُعاة المشهد السياسي في «بلاد الرافدين» إلى البحث عن خيارٍ آخر. لكن اتصالات «ربع الساعة الأخير» أفضت إلى القبول به: العاصمة بغداد مهدّدةً بالسقوط بين يدي تنظيم «داعش»، والدولة ومؤسساتها على حافّة الانهيار.
بين آب/ أغسطس 2014 ومقابله في 2018، طغى «التوتّر» على خطّ العلاقة بين العبادي وطهران. الثقة المتصدّعة أفضت إلى «توّترٍ» آخر بينه وبين حلفاء طهران في الداخل العراقي. في حزيران/ يونيو 2014، تأسّس «الحشد الشعبي» بفتوى «المرجعية الدينية العليا» (آية الله علي السيستاني)، وشكّلت فصائل المقاومة العراقية (الحليفة لطهران) نواته الأساسية. «إنجازاتٌ وتضحيات» صعّدت نجم «الحشد» في الشارع. استقطبت كياناته جماهير الأحزاب الكلاسيكية الحاكمة. استشعر العبادي بحراجة موقفه. كان أمام خيارين أحلاهما مرّ له: التقرّب من زعيم «التيّار الصدري» مقتدى الصدر، أو العداء مع «الحشد». فضّل الأوّل، وأطلق حرباً «ناعمةً» ضد الأخير. في المقلبين السياسي والميداني (2015 ـــ 2018)، عرف العبادي كيف «يشدّ الحبل» لطهران (وحلفائها العراقيين بطبيعة الحال) تارةً، و«يرخيه» أخرى، موجّهاً رسائل مبطّنة طرحت علامات استفهامٍ عدة حول رؤية الرجل ومشروعه السياسي في المرحلة المقبلة، أي بعد سقوط «داعش».

طهران ورئاسة الوزراء
منذ إجراء الانتخابات التشريعية في أيّار/مايو الماضي والقوى السياسية عاجزة عن تشكيل «الكتلة النيابية الأكبر»، وانتخاب رئيس وزراء يحظى بإجماعها. رُعاة المشهد في «بلاد الرافدين» سعوا إلى تحقيق تفاهم بين تلك القوى يخفّف حدّة أي انقسامٍ محتمل. في أيلول/ سبتمبر الماضي، قبيل مغامرة مسعود البرزاني الانفصالية عن العراق، حلّ العبادي والمالكي وزعيم «تيّار الحكمة» عمّار الحكيم والأمين العام لـ«منظمة بدر» هادي العامري، ضيوفاً على وزير الخارجية إبراهيم الجعفري. حضر الاجتماع أيضاً قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني قاسم سليماني الذي دعا الحاضرين إلى التوقيع على «وثيقة شرفٍ» تشدّد على ضرورة الاتحاد في نسقٍ واحد إثر الانتخابات التشريعية في ربيع 2018. هذا الاتحاد/ الائتلاف من شأنه انتخاب رئيس الوزراء المقبل. لم يُحدّد المجتمعون شخص الرئيس المقبل، بل رسموا ملامح توجهه السياسيّ. وافقوا على اقتراح سليماني باستثناء العبادي الذي رفض التوقيع، بحجّة أن «الانتخابات من شأنها تحديد حجم الكتل، فكيف يمكن أن نوقّع على اتفاقٍ يفرض علينا خياراً لا يتلاءم مع تطلعات الكتل الفائزة؟». صُعِق الحاضرون بجواب الرجل. تأجّل الحديث عن وثيقةٍ كهذه مع انشغال بغداد بمواجهة تحدّي الانفصال وإعلان الانتصار على «داعش» لاحقاً. طرحت تلك «الجلسة» علامات استفهامٍ حول مشروع العبادي. الموالون لطهران يصفون خطوته بـ«التمرّد»، أما مؤيدوه، فيؤكّدون أنه متمسّك بسيادة قراره ووطنيته.

العبادي واحتواء إيران «أميركيّاً»
أجهض العبادي أي اتفاقٍ قد يخرج به المجتمعون في بيت الجعفري. أُجّلت الأحاديث الانتخابيّة حتّى شباط/ فبراير 2018. كان واضحاً لرئيس الحكومة المنتهية ولايته وفريقه المفاوض «استحالة» التحالف مع حلفاء إيران (العامري، المالكي). انتقال القوى الموالية لطهران إلى صفوف المعارضة مضعفٌ للعبادي. وجودها ضرورّيٌ إلى جانبه، لكنه يريدها أن تكون مجبرة على قبوله لولايةٍ ثانية. لا يريدها نداً له ولا شريكة، بل داعمة بلا مقابل.
قبل أيام، نقلت وكالة «رويترز» أنّ طهران سلمت حلفاءها في العراق صواريخ باليستية، وأنّها تساعدهم على البدء بصنع صواريخهم. أحد مصادر الخبر كان من «المخابرات العراقيّة»، لكن الأخيرة لم تصدر نفياً صريحاً. صحيحٌ أن التقرير يأتي في سياق الحديث عن الدعم الإيراني المتواصل لـ«الحشد»، لكنّ طيّاته تحمل مشروعاً متكاملاً (داخليّاً/ عراقياً، وإقليميّاً)، والهدف الرئيسي الحدّ ـــ بغطاء يوفّره العبادي ـــ من النفوذ الإيراني في العراق، فضلاً عن تأمين مادة دسمة للغرب الرامي إلى وضع الدور الإقليمي لإيران وبرنامجها الصاروخي على طاولة مفاوضات ما بعد الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي.

انحياز العبادي إلى الأميركيين قطع «خطوط الرجعة» مع الإيرانيين


في نيسان/ أبريل الماضي، يروي مسؤول أمني عراقي رفيع المستوى، لـ«الأخبار»، أنه عُقد اجتماعٌ في العاصمة الأردنية عمان حضره مسؤولان رفيعان في «المخابرات العراقيّة»، أحدهما رئيس «قسم إيران» (أسّس المدير العام الأسبق للمخابرات اللواء محمد الشهواني، خلال الاحتلال الأميركي للعراق، قسماً خاصّاً بالتجسّس على إيران، بإشراف الاستخبارات المركزية الأميركية)، إلى جانب فريقٍ من «سي آي إيه»، لمناقشة «الاستراتيجية الأميركية لمواجهة النفوذ الإيراني». قدّم الفريق العراقي مقترحاً لتضخيم الدعم الإيراني لفصائل «الحشد»، والتركيز على «تكنولوجيا الصواريخ»، والمبالغة في خطورتها على حلفاء واشنطن في المنطقة كإسرائيل والسعودية. لهذا الغرض، شُكّل في «المخابرات العراقية» فريقٌ من المعارضين لنظام الرئيس السابق صدّام حسين، وعلى علاقة وطيدة بـ«سي آي ايه». هؤلاء كانوا من المشاركين في «فبركة» أدلة أسلحة الدمار الشامل. رسمت خطّة متكاملة، أسندت مهمة تنفيذ بعضها إلى مبعوث الرئيس الأميركي لـ«التحالف الدولي» بريت ماكغورك. عالجت تلك الخطّة ضرورة إبقاء العبادي في موقعه، شرط الالتزام بمشروعٍ يحدّ من النفوذ الإيراني تحت شعاراتٍ «الوطنيّة» و«السيادة».

خطواتٌ متسارعة
حتى الآن، فشلت مساعي ماكغورك الحثيثة للتجديد للعبادي، وفشل حلفاء طهران في تسمية رئيس الوزراء أيضاً. تنقل مصادر أمنية عراقية أن «الإدارة الأميركية ستعود قريباً إلى تفعيل ملف الصواريخ الإيرانية، وهي تلوّح بإمكان أن تعطي الضوء الأخضر لإسرائيل لتنفيذ ضرباتٍ على مواقع الحشد وثكناته». تضيف المصادر أن عقوباتٍ أميركيّةٍ جديدة ستفرض قريباً تحت هذه الذريعة. هذا المشهد لا يمكن فصله عمّا يجري في الصحراء الغربية للعراق، حيث يعيد الأميركيون انتشارهم بغطاءٍ سياسي أمّنه العبادي، ولا يمكن أيضاً فصله عن بعض الإجراءات التي اتخذها الرجل بهدف «حماية نفسه»: إزاحة فالح الفياض من رئاسة «هيئة الحشد الشعبي»، واستمالة بعض قيادات الحشد الميدانيين، وهذا جزءٌ من مشروع سعى إليه منذ وقت، ويتناغم مع المشروع الأميركي: حصر قيادة «الحشد» بيده، وتفريغ المؤسسة العسكرية بطريقةٍ ناعمة.
أعلن العبادي نفسه رئيساً لـ«الحشد». زار مقر «الهيئة». الحاضرون يؤكّدون أن تلاسناً حادّاً جرى بينه وبين نائب رئيس «الهيئة» أبو مهدي المهندس. ما وقع دفع بعض المقرّبين من الأخير إلى القول إن رئيس الوزراء سيكفّ «يد أبو مهدي عن ممارسة أي مسؤولية في قيادة الحشد في الأيام المقبلة، خاصّةً إذا اعتبرت المحكمة الاتحادية أن «تحالف البناء» (المالكي ـــ العامري) الذي أعلنته كتلتا دولة القانون والفتح الكتلة البرلمانية الأكبر، له الحق في تشكيل الحكومة. وسيكون قرار العبادي حينذاك الثأر من سليماني عبر معاقبة حليفه المهندس».

حكومة طوارئ
انحياز العبادي إلى المعسكر الأميركي قطع «خطوط الرجعة» مع المعسكر الإيراني. صحيحٌ أنّ الحكومة الاتحادية تصرّف أعمالاً، لكن التخوّف السائد حالياً من إعلان «حكومة طوارئ» بحمايةٍ أميركية. سيناريو مطروح منذ أشهر تتهامس به القوى السياسية، خاصّةً أن العبادي ـــ في أكثر من مرّة ـــ كان قريباً من اتخاذ خطوةٍ مماثلة. مثلاً، عندما دخل المحتجون «المنطقة الخضراء» في أيّار/مايو 2016، لجأ العبادي إلى مقر «جهاز مكافحة الإرهاب»، لكن المهندس سارع إلى «إخراجه» من هناك، قائلاً: «توجهكم إلى مركزٍ عسكري، وإعلان حكومة طوارئ، يسهّل انقلاباً ضدكم». حظي العبادي بدعم «الحشد»، وباحتضان إيراني مباشر (تحرص طهران على أن يتم أي رئيسٍ ولايته)، أما اليوم، فالعلاقة بين الطرفين تشهد «توتّراً» آيلاً إلى الانفجار. هذه المرّة، حكومة الطوارئ تُفرغ العبادي.

الأخبار