فرهود اليهود ....هل كان مذبحة عنصرية  ؟ !

Submitted on Mon, 09/10/2018 - 13:56

عارف معروف

اذا طلبت مادة " فرهود " في محرك البحث غوغل او غيره ستجد رفقة السرد الذي يخص الحادثة والذي يكاد يكون متطابقا وموافقا لرواية واحدة  تكرر بالعبارات نفسها تقريبا ذات الحكاية في مختلف المواقع والمحركات والصفحات مما يدل على ان مصدرها واحد ، صورةً لجمهرة من عراقيين بالزي البغدادي للأربعينات و الخمسينات ويهتفون وهم يحملون السيوف او الخناجر او العصي في احد الشوارع وتطل عليهم من شرفات قريبة نساءٌ وأطفال ورجال وشيوخ ليقال لك في هامش الصورة جملة مثيرة للمشاعر والتعاطف :" فرهود اليهود في بغداد عام1941... اليهود من فوق بيوتهم ينظرون للمسلمين وهم يحملون الخناجر والسيوف والعصي التي فتكوا بها باليهود " وكأننا امام لوحة تعبيرية من لوحات العصور القديمة تلك التي يصور بها الغزاة او الفاتحين اسفل سور القلعة او المدينة وهم شاكي الرماح وشاهري السيوف في حين يطل عليهم من اعلاها جنود الدفاع عن المدينة وهم يبادلونهم النبل بالنبل ،اما في صورتنا موضوعة البحث فالحال مختلف جدا اذ انك ترى من يطلون من الأعلى ويفترض انهم ضحايا هجوم محتدم  يجلسون على الشرفات آمنين مطمئنين يتفرجون على المهاجمين ويشجعونهم بالابتسام او الاعجاب او التصفيق !! ، انه مثال واضح على مدى الصفاقة التي يستهان بها بالعقل البشري وإمكانية شّله عن التفكير وتعطيل ملكة النقد لديه بالايحاء والتكرار ، اذ كيف يعقل ان يجلس اليهود بهدوء تام ورضا وقناعة يتفرجون على تجمع مسلح جاء للفتك بهم ؟! بل وكيف يمكن قبول ان يصفق بعضهم لهذا التجمع كما يظهر من وضع الرجال في الشرفة " البالكونه " الثانية ؟!وكيف تطمئن النساء الى "محّجر" الشرفة ويستندن اليه وهن يتفرجن على الوحوش الذين جاءوا لانتهاكهن ولماذا يرتدين العباءات ويقفن بكل احترام وهدوء بانتظار ذلك بدلا من ان نراهن مولولات، منفوشات الشعور،  يصرخن طلبا للنجدة كما يتوقع كل عاقل في مثل هذه الأحوال ، بل ولماذا يظهر في اقصى الصورة ، والذي يغيب عنها في معظم النسخ المتداولة ، من يرفع علم المملكة العراقية ، هل ينشغل من ينهب ويسلب ويقتل بعلم المملكة ؟! 

المؤلم ان معظم المواقع والنشريات العراقية التي تنشر هذه الصور تتقبلها  بتسليم ودون مراجعة وفحص على انها صور الفرهود الذي وقع في 1941 ، في حين انها ، جميعا ، صور لتظاهرات المواطنين قبل شهر من حصول الفرهود تأييدا لثورة مايس 1941 وابداء الحماسة والاستعداد للوقوف معها ضد القوات الإنكليزية التي بدأت الحرب عليها ، خصوصا وان كل قوى الشعب العراقي تحمست ضد الإنكليز واصدر جميع مراجع الدين ، سنة وشيعة ، في حينها ، فتاوى الجهاد ضد القوات البريطانية المعتدية ، ولذلك ترى الناس يتظاهرون بالسيوف والمدى والعصي وتقف النساء مشجعات مهللات لهم على الاسطح وفي الشرفات  !

لا استطيع ان اجزم بحكم في دوافع جميع هذه المواقع الالكترونية والوسائل الإعلامية للترويج لتلفيق مفضوح لكنني احدس دوافع بعضها على الأقل !.

المشكلة الأخرى هي في اعداد الشباب العراقيين الذين أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي وصفحاته  متنفسهم الوحيد ومصادر ثقافتهم و معلوماتهم الغالبة وربما الوحيدة أيضا والذين يصدقون ويتداولون هذه الصور وما يكتب في هوامشها من اضاليل وموضوعات بصدد اليهود ومذبحتهم ! وعدوانية ووحشية أهلهم  العراقيين ونكرانهم السريع للعيش والملح ! اما الكارثة الحقيقية فهي في اعداد المتحذلقين من " الكتاب والمثقفين "  الذي يتداولون هذه الصور وينشرونها على مواقعهم ورفقة مقالاتهم دون نظر فاحص وتقييم عقلاني لإمكانية توافق المشهد مع المضمون الذي يكتبون حوله ، وفي تقديمهم لعقولهم واقلامهم هدية مجانية في خدمة مراكز تضليل تعمل بمهارة وحرفية وتسعى الى اهداف محددة تريدها !

ان الوقائع الموثقة لتلك الفترة ، والتي تناولتها تقارير اللجنة التحقيقية المشكلة للتحقيق في حادثة الفرهود وكل أعضاءها من رجال العهد الملكي الذي كانت تتحكم بكل مفاصله بريطانيا ، تبين بما يصعب دحضه ان وقائع السلب والنهب والاعتداء التي حصلت يومي 1و2 حزيران 1941 واصطلح عليها تسمية فرهود اليهود حصلت وفق التسلسل التالي :

1-      صادف يوم عودة الوصي عبد الاله الى بغداد بعد هزيمة حكومة رشيد عالي الكيلاني والجيش العراقي امام القوة البريطانية ، على متن طائرة إنكليزية وبحماية إنكليزية  عيد زيارة النبي يوشع( عيد الشفاعوت)  ومقامه قرب مطار بغداد ( مطار المثنى ، لاحقا ) لدى اليهود وقد خرج جمع من يهود بغداد للاحتفال بهذه المناسبة قرب المطار وللفرجة والاحتفاء أيضا بعودة الوصي ، خصوصا ، وان قسما كبيرا منهم ، لاسيما الأغنياء والمتنفذين ، كانوا يظهرون موالاتهم للوصي والانكليز ، وقد حصلت ملاسنة بين احد شبابهم واحد الشباب المسلمين المتحمسين للجيش العراقي الذي كانت بعض قطعاته تنسحب  ، في تلك الاثناء من بغداد ، تطورت الى عراك ثم توسعت الى صدام اسفر عن جرح سبعة عشر يهوديا ، توفي اثنين منهم نتيجة جراحهم  ، وقد اعتقلت الشرطة بعض المعتدين  ونقل الجرحى الى المستشفى وأعلنت انتهاء  الحادث ، الاستفزازي ، والعارض ، كما يبدو ، ولكن دون ان تتعقب المشاركين الاخرين وخصوصا من الجنوداو تتخذ الإجراءات والتحوطات الواجبة  .

2-      ورغم شيوع أجواء التوتر وامتداد الهستيريا الى الرصافة فأن اللجنة الأمنية المكلفة بأمن العاصمة الداخلي ، وهي لجنة مؤلفة من متصرف لواء بغداد "( المحافظ كما نسميه اليوم ) وامين العاصمة ومدير الشرطة العام وممثل عن الجيش ، والتي كانت قد منعت التجوال ليلا بعد الساعة التاسعة قبل ذلك ، اذاعت في مساء اليوم المذكور رفع منع التجول اعتبارا من اليوم التالي (!!) 2حزيران دون تحديده بسقف زمني او مكاني ، باعتبار عودة الاستقرار والحياة الطبيعية وخرج الناس للتنزه  ، فبدأت مماحكات واستفزازات أخرى بين الشباب اليهود والمسلمين بسبب  بقاء الجو متوترا حول حادثة الامس و سخرية الاولين من الجيش المنسحب وتحمس الاخرين له ، وبسبب غياب القوات المكلفة بحماية الامن من قبل اللجنة المذكورة ،التي غاب أعضاءها عن ساحة الفعل في ذلك اليوم غيابا مشبوها ، حيث قام عدد من الجنود والاعراب بأعمال اعتداء ونهب وسلب شملت دورا ودكاكين ليهود وغيرهم وانتهبت اغراضها وبضائعها في أماكن ومحلات مختلفة كما اعتدي على الأشخاص  حتى نزلت قوات الشرطة والخيالة المكلفة بالأمن وحفظ النظام اثر  صدور بيان يتوعد مرتكبيها بعقوبات قاسيه بعد ان غُض النظر عنها طوال يوم كامل (!)  واطلقت قوات الشرطة ، التي شارك بعضها قبل ذلك في اعمال النهب ، النار على البعض فتوقفت تلك الاعمال ، وتركت بعض المنهوبات في الشوارع ، خلال ساعة واحدة فقط وبقوة من الشرطة صغيرة نسبيا .

3-      لقد توصلت اللجنة التحقيقية الحكومية المشكلة لهذا الغرض والتي أصدرت تقريرها في تموز من العام  نفسه بان مرتكبي جل حوادث الاعتداء والقتل والنهب والسلب كانوا من الجنود وقد شاركهم لاحقا وغض النظر عن فعلهم افراد من الشرطة وكذلك قوة الانضباط العسكري المكلفة بضبطهم وان بعض الأهالي والاعراب شاركوهم ذلك نتيجة التشجيع والانفلات وقد قصّرت اللجنة جميع المسؤولين الإداريين والامنيين من متصرف لواء بغداد الى امين العاصمة و  مدير الشرطة العام وكافة مدراء الشرطة في المناطق المعنية وآمرية الانضباط العسكري وقائد الفرقة الأولى الذين اتهمتهم بالتغاضي أيضا  واوصت بسحب يد البعض واحالة الاخرين الى المجلس العرفي وغير ذلك كما امرت بإحالة الافراد الى القضاء .

4-      تشير الوقائع والشهادات الى ان اعمال العنف والنهب شملت يهودا ومسلمين وقلائل من االمسيحين ، رغم ان طابعها العام كان موجها نحو اليهود وقد خلصت اللجنة التحقيقية الحكومية الى ان الاحداث قد اسفرت عن مقتل 110 اشخاص من المسلمين واليهود ، اكرر ، من المسلمين واليهود ، وان عدد الجرحى مائتين وأربعين كانوا كذلك ( يهود وأسلام ) بحسب تعبير اللجنة في حين يقول رئيس الطائفة اليهودية في حينه ان الضحايا كانوا 130 قتيلا والجرحى 450 من اليهود  اما الكاتب اليهودي حاييم كوهين فيقول انهم 170 قتيلا من اليهود  ، في كتابه " النشاط الصهيوني في العراق " اما السيد عبد الرزاق الحسني فيقول نقلا عن تأكيد  مدير شرطة لواء بغداد والسيد عبد الله القصاب عضو اللجنة التحقيقية المذكورة له بأن عددهم ناهز الستمئة قتيل ثلاثة ارباعهم من المسلمين وبعض المسيحيين ، في حين ذكر عضو البرلمان البريطاني " سمرسيت " في كتابه " الهلال الفضي " ان السفير البريطاني السير كنهان كورنوليس قدر عددهم بالفين ثم انزله الى 700 ! وهكذا نرى ان الأرقام لم تكن واحدة وكذلك وصف الوقائع والمجريات ، وهذا في حينها !!

5-      لقد حددت اللجنة السبب المباشر لهذا الاعتداء بدافع الانتقام  اما الأسباب غير المباشرة فارجعتها الى الدعاية النازية والتطرف القومي وغير ذلك ، ان ما يهما هنا هو توصيف الحادثة فهي ليست " هولوكوست " كما تصفها الدعاية الصهيونية الحالية ويتبعها الجهلة المتحذلقون هنا لانها لم تحدث جراء سياسة عنصرية ممنهجة تستهدف الإبادة الجماعية لعنصر او طائفة او دين وتتواصل لفترة زمنية طويلة نسبيا لغرض اجتثاثه والقضاء عليه بل هي حادث استفزازي عارض وقع لأسباب وتوترات سياسية واجتماعية او اشعل بتدبير جهة حكومية او اجنبية او داخلية ،  ولم يستمر سوى ليوم ونصف وكان موقف المجتمع والهيئات الرسمية منه الرفض والادانة ، في حينه ولاحقا ، كما ان ضحاياه ، رغم ما اشيع ويشاع من باب التوظيف السياسي والعنصري لم يكونوا يهودا فقط !

( للحديث صلة ....)