عطش البصرة وتصحير العراق: الحل ليس في قناة البدعة بل خلف سدود تركيا وإيران

Submitted on Fri, 09/14/2018 - 22:26
ناظم البدعة سنة 1959

علاء اللامي

عطش البصرة وتصحير العراق: الحل ليس في قناة البدعة بل خلف سدود تركيا وإيران...ونقل المياه من الشمال الى الجنوب، يعني الاستسلام للعدوان التركي الإيراني على الرافدين! إن بدء تزويد البصرة - هنيئا مرئيا على البصرة وأهلها الطيبين الشجعان- بمياه عذبة من قرية البدعة على نهر الغراف وعلى مسافة 240 كم شمال البصرة في عهد النظام السابق واستمرار حكام المحاصصة الطائفية اعتماده كحل وحيد للمشكلة بعد الاحتلال سنة 2003، يعني عمليا الموافقة العراقية على موت نهري دجلة والفرات على امتداد 240 كم جنوب البدعة لانعدام أو ندرة وجود مياه عذبة هناك.
أما شرقاً، فتقل إطلاقات المياه العذبة من دجلة عند ناظم قلعة صالح يوما بعد آخر بسبب قلة الوارد المائي من الشمال. ومعروف أن الطرف الذي يتحكم بالمياه في الفرات وبنسبة 100% هي تركيا وهي تسيطر على أكثر من 50% من مياه نهر دجلة بعد تشغيل سدها "أليصو"، كما وتسيطر إيران على نسبة مهمة تصل الى 30% من مياه دجلة وشط العرب والأهوار، إلى جانب نسبة أخرى تنبع من الأراضي العراقية. 
الحل ليس في نقل المياه العذبة من شمال البصرة بمسافة 240كم، لأن هذه النسبة ستقل وتندر أيضا، وسوف تنقل مضخات سحب المياه إلى شمال شيئا فشيئا حتى نصل الى شمالي بغداد. إن هذا الحل يعني موافقة عراقية ضمنية على المشروع التركي الإيراني بقتل الرافدين وتنشيفهما وتصحير العراق تدريجيا وحتى سنة 2040 كما قالت دراسة لمنظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة قبل عدة سنوات.
لقد بدأنا التحذير من هذه المأساة قبل ربع قرن ولم يستمع إلينا أحد، هاهو عويل الجميع يعلو الآن، بما يذكرنا بقول الشاعر دريد بن الصمة:
أَمَرتُهُمُ أَمري بِمُنعَرَجِ اللِوى فَلَم يَستَبينوا النُصحَ إِلّا ضُحى الغَدِ 
واليوم، ظهرت الكارثة بأوضح صورها، وستتفاقم، ولكن الجمهور الضحية وفي البصرة خصوصا لا يرى إلا ما هو قريب منه، ويضع اللوم على إيران فقط وينسى تركيا التي تتحكم بـ100% من مياه الفرات وأكثر من 50% من مياه دجلة! هذا الخطأ المدمر يجب ألا يستمر لأنه سيفاقم المشكلة ويعني الاستسلام النهائي لتركيا ومشاريعها!
إن الحل الوحيد والصحيح هو في إجبار تركيا وإيران بقوة القانون الدولي - إنْ أمكن ذلك - أو باستعمال ما بحوزة العراق من أوراق ضغط سياسية واقتصادية وعسكرية على توقيع معاهدات دولية لتقسيم مياه النهرين الدوليين بين الدول المتشاطئة وإعطاء منزلة خاصة للعراق بوصفة دولة المصب النهائي التي تستقبل جميع الملوَثات والسموم والمياه السيئة النوعية والقليلة من حيث الكمية الواردة إليه. ولكن هذا الحل لا يمكن أن ينهض به ساسة جبناء وانتهازيون وفاسدون في حكم المحاصصة الطائفية ممن يأتمرون بأوامر السفارتين الأميركية أو الإيرانية بل في وجود نظام حكم وطني ديموقراطي مستقل استقلالا حقيقيا، ولا تُسَيّرهُ أوامر ومرضاة هذا المعمم السياسي أو ذاك من محركي الدمى بالخيوط غير المرئية! 
*الصورة لسدة أو ناظم البدعة التي شُيِّدت في ثلاثينيات القرن الماضي. لاحظوا مناسيب المياه المرتفعة سنة 1959 والتي انخفضت في أيامنا هذه الى الثلث وما هو أقل منه في الصيف، إلى درجة أن صبية القرية يعبرون النهر -الغراف- مشياً على أقدامهم في الصيف، والبدعة في المناسبة هي مسقط رأسي وما تزال عائلتي تعيش فيها حتى اليوم.