الباب العالي في واشنطن

Submitted on Sat, 09/15/2018 - 02:53

عامر محسن

«السلطة الحقيقيّة هي الخوف»

دونالد ترامب

«ترامب هو شخصية الحقير المثالية. انّه الأب السيء، الزوج الأوّل المريع، الحبيب الذي خدعك وأضاع منك كلّ تلك السنين؛ أعطيته شبابك ثمّ طرحك جانباً. هو ربّ العمل الفظيع الذي (يتحرّش بك) ويهينك طوال الوقت»
ستيف بانون عن دونالد ترامب.

خلال نقاشٍ مع صديقٍ من الجزائر، شرح لي كيف أنّ الدّولة الفاطميّة، التي بنت امبراطورية قويّة وناجحة في شمال افريقيا، ظلّ مذهب حكّامها الاسماعيليّين «دين نخبة»، ولم تجرِ (لأسباب مختلفة) الدعوة إليه حتى يتحوّل «ديناً شعبياً»، له طقوسٌ جماعيّة وفقهٌ وأحكامٌ تميّز جمهوره - عبر المسجد والعبادة والمظهر - عن غيره من المذاهب، وظلّت رعيتهم على عقائدها القائمة. كانت النتيجة أنّ الباطنية الاسماعيليّة (وهي غير النزاريّة المتأخرة الأكثر انتشاراً اليوم) ارتبط نفوذها حصراً بوجود هذه النخبة في الحكم، وهيمنتها على مؤسسات الدّولة والثقافة؛ وحين خسر الفاطميون امبراطوريتهم، اندثر مذهبهم تماماً وانطفأ في أرض مولده، حتّى اننا لا نعرف اليوم عنه الّا القليل.
أحاجج بأنّ هناك شيئاً مشابهاً قد حصل لايديولوجيا المؤسسة «الليبرالية» (ضمن المفهوم الأميركي للكلمة) التي صعدت في الولايات المتحدة الأميركية خلال العقود الأخيرة، ومثّلها ومثّل ثقافتها وقيمها سياسيّون كبيل كلينتون وباراك اوباما و، أخيراً، هيلاري كلينتون. القوانين التقدّميّة التي تصون حقوق الفرد و«التعددية الثقافية» والنسويّة وحقوق المثليّين، «الصوابية السياسية» وباقي هذه الشعارات كنت تراها في الإعلام وفي خطاب الناشطين في الجامعات والسياسيين الديمقراطيين، ولكنها لم تتحول الى «ايديولوجيا» شعبية أو الى تيّار «جماهيري» في أرضها. هذه المبادئ التقدّميّة وهذا التسامح «البرجوازي» لن تجده معاشاً في أكثر الريف الأميركي، أو في وسط البلاد وجنوبها (حيث الديموغرافيا تتزايد باستمرار)، ولا في الغيتو وبين الأقليات الفقيرة. الجمهور الليبرالي والتقدّمي محصورٌ تقريباً في المدن الكبرى وحرم الجامعات، وله طابعٌ طبقيّ محدّد؛ وهو، لو لم يكن يحظى بدعم الأقليات في الانتخابات، لما فاز الديمقراطيون في تصويتٍ واحد بين «الأميركيين البيض».
كما مع الباطنية الاسماعيليّة، قد تكون هناك أسباب بنيوية في أصل «العقيدة» خلف ذلك (لن تحشّد النّاس والفقراء بسهولة للهتاف من أجل حريّة التجارة، ولا أحد سيموت من أجل «التعددية الثقافية». أو، كما يقول آخرون، ليس في وسع الغالبية أن «تتحمل كلفة» الحقوق الليبرالية وأن تتمتع بها في سياقها الصّعب). ولكنّ رئاسة دونالد ترامب، قبل أيّ شيء، مثّلت تحديّاً لهذه الثقافة الليبرالية و«انقلاباً» عليها وعلى نخبتها. راهن ترامب أنّ هؤلاء الناس - كما يقول الماركسي بيتر غران - لا يمثّلون فكرة شعبية خلفها جماهير، بل ايديولوجيا لفئة «ماندارين» مدينيّة، تقيم قرب مركز الدولة وتعتاش غالباً منه (الادارات، الجامعات، المراكز البحثية، الخ)، ومن الصّعب أن تستمرّ لولا وجودها في مفاصل الحكم والاعلام والثقافة الوطنية.
ترامب هو الرئيس الذي قدّم نفسه على أنّه النقيض المعادي لكامل هذه الثقافة ومبادئها، من النظرة الى الأقليات الى حقوق المرأة الى موقع اميركا في النظام العالمي. «المقاومة» الليبرالية هي شديدة بشكلٍ خاص ضدّ ترامب وتحمل كرهاً خاصّاً تجاهه لأنّه، على عكس بوش أو ريغان، لا يعبّر عن مجرّد خيارٍ محافظ، بل يعبّر عن رفضٍ شعبيّ لهذه النّخبة بالذات واحتقارٍ لكلّ ما تمثّله؛ وقد تمّ انتخابه تحديداً على قاعدة العداء لها والاستخفاف بقيمها وتجريدها من مقاليد الحكم. هذه من الأسباب التي تجعل ترامب «منيعاً» أمام أكثر الفضائح التي تثار يوميّاً في وجهه، وبعضها كفيلٌ بإنهاء حياة أي سياسيّ تقليديّ. ولكنّنا هنا أمام رئيسٍ انتخبه جمهورٌ واسع، عن عمدٍ وقصد، مباشرة بعد تعليقه الشهير الذي خرج قبيل الانتخابات عن التحرّش بالنساء («اقبض عليهنّ من …»)، فهو لن تسقطه «فضائح» من نمط «مي تو».

«خلفيّة معمّقة»
من هنا، إن كان هَمّ المترقّبين لكتاب بوب وودوارد الجديد عن الادارة الأميركية أن يحظوا بأسبابٍ جديدة لكراهية ترامب والسخرية منه، فهم سيجدون ضالتهم في الكتاب. ولكن إن كان الديمقراطيون يأملون بأن يجيء كتاب وودوارد، الذي يصدر قبيل انتخابات الكونغرس في نوفمبر، ليفجّر قنبلة في وجه ترامب، فيؤكّد على عمالته للروس، أو يكشف عن فضائح تحطّم صورته أمام ناخبيه، فإنّ هذا لن يحصل. بل أنّ وودوارد، في الموضوع الأساس، يميل الى اعتماد سرديّة معسكر ترامب عن تحقيق مولر، أي أنّ فرضية التدخّل الروسي لا تبدو جديّة ولا دليل الى الآن على علاقة لترامب بالرّوس خلال الانتخابات. وأنّ التحقيق - الذي أطلقه اوباما كـ«هدية وداع» قبل تركه للرئاسة بأيام - قد تشعّب فعلاً بشكلٍ غير مبرّر ومن دون وجود جريمةٍ واضحة (بحسب وودوارد، فإنّ النصّ القانوني الذي أطلق التحقيق، وهو يعطي المحققين الصلاحية في النظر في موضوع التدخّل الروسي، «وأي موضوع آخر يتعلق به أو ينبثق عنه»، لا مثيل له من ناحية الاتساع).
ترامب هو الرئيس الأميركي التاسع على التوالي الذي يُصدر عنه وودوارد كتاباً سياسياً، منذ ريتشارد نيكسون (لوودوارد أربعة كتب عن رئاسة جورج بوش وحده)، والكاتب الأميركي الشهير، وهو صحافي في «واشنطن بوست»، يعتمد في نسج كتبه ما يسميه منهجية «الخلفية المعمّقة»: يعقد وودوارد عدداً كبيراً من المقابلات (يسجّل أكثرها للاحتفاظ بتوثيق) مع أعضاء سابقين وحاليين في الإدارة، ثم يقاطع هذه الروايات حتى تصبح لديه صورة كاملة عن كلّ اجتماع مهمّ جرى في البيت الأبيض، وكلّ قرار تمّ اتخاذه، وكلّ اشتباكٍ وصراع - وغالباً من أكثر من مصدر وزاوية. لا يكشف وودوارد عن أسماء مصادره ولكن ليس من الصّعب أن تحدّد الشخصيات الأساسية التي اعتمد عليها في بناء الكتاب بفضل طبيعة الروايات التي أدرجها وزاوية السّرد: رينس برايبوس، المدير السابق لمكتب ترامب؛ روب بورتر، سكرتيره الشخصي السابق؛ غاري كوهن، المستشار الاقتصادي السابق؛ جون دَود، الذي مثّل ترامب في تحقيق مولر؛ ستيف بانون، ليندسي غراهام، وشخصيات أخرى.
هذه المصادر لديها معلومات ثمينة وبعضها كان قريباً للغاية من الرئيس؛ فبرايبوس كان يحضر أغلب الاجتماعات بصفته مديراً للمكتب الرئاسي، وروب بورتر كان هو الواسطة التي تمرّ عبرها كلّ الأوراق والقرارات بين ترامب وأعضاء فريقه في الاتّجاهين. والأمر الثاني المشترك بين هذه المصادر هو أنّهم، كلّهم تقريبا، مسؤولون سابقون، لم يعودوا في موقع سلطة (بورتر، مثلاً، تمّ طرده بشكلٍ مهين بعد أن اتّهمته زوجتان سابقتان بتعنيفهما، وهو خارج السياسة ولا مصلحة له في أن يخفي شيئاً)، ولديهم رغبة في أن يقدّموا روايتهم عن الأحداث، وأن يجعلوا أنفسهم «يبدون بشكلٍ جيّد» - وهذا يؤمّنه وودوارد لمصادره في كثيرٍ من الحالات، حيث تخرج الشخصيات المذكورة أعلاه بشكلٍ أفضل بكثير، وأكثر انسانية ومبدئية، من باقي أعضاء الفريق الرئاسي (على الهامش: لا يمكن الّا أن تلاحظ، عبر صفحات الكتاب، عدد الشخصيات في المؤسسة الأميركية التي نجحت وارتقت وحققت اموراً كبيرة لأنها لم تتزوّج، أو سارعت الى الطلاق، مثل الجنرال ماتيس وليندسي غراهام وستيف بانون وهوب هيكس وغيرهم).

القديم والجديد
يقول وودوارد، باختصار، إنّ فريق ترامب تعتريه الفوضى، والرئيس لا يملك خطّةً واضحة في أكثر الملفات، وأن الصراعات بين أعضاء الإدارة على أشدّها؛ ولكن هذا كلّه نعرفه أصلاً. تروّج الصحافة الأميركية لمقتطفاتٍ من الكتاب عن اخفاء معاوني ترامب لوثائق عن مكتبه حتّى لا يراها فيوقّعها، وهي أفعالٌ قد تكون - بالمعنى القانوني التقني - جنايةً وتأثيراً على إرادة الرئيس، ولكن مثل هذه القصص - في السياق السياسي - ليست سوى زوابع في فنجان. نحن لسنا في شركةٍ خاصّة حتى نقيّم «أداء» الرئيس وإنتاجيته، كما يفعل كوهن مراراً في الكتاب اذ يقارن ترامب بالمدراء في «غولدمان ساكس»؛ البيت الأبيض هو مركز القوّة في العالم، والقوّة - كما فهم ترامب - لا علاقة لها بالاستقامة واحترام المواعيد، بل هي السّلطة والخوف.
بل انّه يمكن الدّفع بأنّ ما يفعله ترامب حتّى الآن لا يختلف عن أي ادارة جمهورية أخرى تتمثّل فيها مصالح وأجندات. غاري كوهن، لو أردنا أن نكون ساخرين، جاء ليمثّل مصالح مصرفه والشركات الكبرى، وهو أصلاً ليس جمهورياً ولا يحترم ترامب (يقول كوهن إنّ مصرفه، «غولدمان ساكس»، لم يكن يتعامل مع مؤسسة ترامب أو يعطيها قروضاً لعدم ثقته بملاءتها، وحين قام تاجرٌ تحت اشرافه بشراء سنداتٍ لكازينو يملكه ترامب، حذّره كوهن من أنّه سيتحمل المسؤولية ويخسر عمله إن عجز ترامب عن الدفع). وقد استمرّ كوهن في الادارة حتّى يمرّر القانون الذي يهمّه ويهمّ شركاءه، وهو إصلاحٌ ضريبي يخفض الرسوم على أرباح الشركات بشكلٍ كبير، ثمّ غادر وترك ترامب والسياسة والبيت الأبيض. قانون الضريبة، كما يذكّر وودوارد، كان «الانجاز التشريعي» الوحيد لترامب خلال سنته الأولى في الرئاسة، والتغيير الأساسي الذي أرساه. ترامب، في الوقت ذاته، قد جاء بأصوات جمهورٍ شعبويّ وجناحٍ متطرّف في الحزب الجمهوري، وهو قد وعدهم بتغييرات، من نمط تضييق الهجرة وبناء الجدار وتقنين التجارة مع الخارج، وقد قدّم اليهم حتّى اليوم إصلاحات رمزية (على نمط تعامل جورج بوش مع جمهور الانجيليين).

واشنطن وأعداؤها
ولأنّ القوّة لها منطقها الخاص، لم تختلف سياسات ترامب (رغم «جنونه الظاهري») عن خياراتٍ سابقة للادارات الأميركية. في ملفّ كوريا - الذي ورثه ترامب عن اوباما وكلينتون - لم يتغيّر شيءٌ جوهري رغم العواصف الكلامية، ولا زالت السياسة الأميركية أمام الخيارات القديمة ذاتها (حصارٌ وعقوبات أو تفاوض، والحرب مستحيلة ضدّ خصمٍ نووي). في ملفّ روسيا لم يتغيّر شيء جوهريّ. والمواجهة مع الصين - «ناعمة» أم عسكرية - كانت احتمالاً قائماً أمام كلّ إدارةٍ أميركية في العقود الماضية، والتجارة هي حجّةٌ وليست سببا. بل إنّ النقاشات داخل ادارة ترامب حول ايران تؤكّد ما كان يقال عن سياسات الديمقراطيين تجاه «الدول المارقة»، وأنّ مسار «الدبلوماسية» والتفاوض - مثل مسار الاحتواء والحرب - ينتهي الى الهدف ذاته في نهاية الطريق: تغيير النظام. بحسب وودوارد، فإنّ ماتيس قدّم خطة استراتيجية تجاه ايران تحتوي عنصرَي «الاحتواء» و«الاشتباك الدبلوماسي»، والثاني ليس سوى «خطة طويلة الأمد لتشكيل الرأي العام الايراني».
ولكنّ اللعبة الأهمّ لترامب كانت في بلادنا. يؤكّد الكتاب دور الرئيس الجديد (وجارد كوشنر تحديداً) في تبنّي محمّد بن سلمان ملكاً مستقبلياً للسعودية. يروي وودوارد أنّه، في الأيام الأولى للادارة، قال كوشنر إن بن سلمان - الذي كان وليا لولي العهد - هو «المستقبل» وهو الرجل الذي يجب أن يتعامل معه البيت الأبيض. في الحقيقة، كانت مؤسسات الدولة ترى في ذلك سلوكاً خطيراً، وتعتبر أنّ محمد بن نايف هو «الرجل الصلب» الذي يمكن الاعتماد عليه، وأنّ اظهار تفضيلٍ لشخصية معينة في البلاط السعودي قد تثير مشاكل وتؤثّر على موازين القوى داخل العائلة. ولكنّ كوشنر أصرّ، وأضاف بأنّ الزيارة الأولى لترامب يجب أن تكون الى الرياض. حتّى نفهم شكل العلاقة بين كوشنر وبن سلمان، يقول وودوارد أنه خلال التحضير لقمّة الرياض، حين كانت الوفد السعودي في واشنطن ليتفاوض مع الأميركيين على صفقات سلاحٍ ضخمة هي «ثمن» القمّة، كان مساعدو كوشنر يخبرونه بأن المفاوضين السعوديين يرفضون عقوداً معيّنة، فيتّصل كوشنر ببن سلمان مباشرة، الذي يأمر الوفد بالموافقة على الصفقات. كانت الضربة الأكبر حين زار بن سلمان واشنطن تحضيراً للقمّة، فقام ترامب (رئيس الجمهورية) بعقد استقبالٍ حافلٍ له، جمع أركان الدولة (وبن سلمان لم يكن سوى ولياً لولي العهد). بعد ذلك بأشهر، كان الأمير السعودي - وقد أزاح ابن عمه وأصبح وليا للعهد - يضع كبار عائلته في السّجن ويعيد تشكيل البيت الملكي من أساسه.
في الوقت ذاته، تجدر الاشارة الى معلومة ذكرها الكتاب عن طبيعة دور السعودية واميركا في سوريا، حيث يتكلّم وودوارد عَرَضاً عن طلب البيت الأبيض للمال من السعوديين من أجل تمويل «نشاطاته» (أي نشاط الجيش والمخابرات الأميركية) في سوريا، مضيفاً بأنّ الحكام في الرياض مستعدّون دوماً لكتابة «شيكات كبيرة» حين يتعلّق الأمر بسوريا تحديداً. والمبلغ المذكور في الحوار لم يكن بسيطاً: أربعة مليارات دولار لسنة واحدة، ومن السعوديين فقط.
أمّا عن أعداء أميركا في المنطقة، فالكتاب يشرح ايضاً كيف أنّ القوة هي التي ترسم الحدود. «القلق الأساسي» لديريك هارفي، مدير إقليم الشرق الأوسط في مجلس الأمن الوطني، هو «حزب الله»، بحسب وودوارد. والقوّة، هنا ايضاً، هي ما يرسم الحدود ويشكّل الخيارات. من الجيّد أن تسمع تقييم «حزب الله» من أعدائه، وتقارن بما يكتبه أعداء المقاومة في الاقليم، وممثلو «محور واشنطن - تل أبيب - الرياض»: بعد أن يستعرض هارفي القدرات العسكرية للمقاومة اللبنانية أمام الفريق الرئاسي، فهو يؤكّد بأنّه، في حالة حربٍ مع إسرائيل، لن تكون الدفاعات الصاروخية الصهيونية ذات قيمة، وأنّ اسرائيل (الهمّ الأساس لهارفي وزملائه) ستواجه هجوماً «لم تعرف مثله من قبل»، وأنّ هذا سيناريو يجب تجنّبه. «إنّ هجوماً شاملاً»، ينقل وودوارد، «قد يضرب قدرة (الاسرائيليين) على القتال من الأساس».

الأخبار

Tags