إصلاح التعليم هو بداية الخروج من الأزمات الكبرى في حياة الامم

الارقام المخيفة التي أوردتها في منشوري السابق حول مؤشرات التعليم تستدعي التفكير بتاثير ذلك الوضع المأساوي على مجمل الحياة الاجتماعية و الاقتصادية والثقافية والحضارية الآن وعلى مستقبل الأجيال القادمة وما يتطلبه ذلك من تفكير حول النهج المطلوب سلوكه للخروج من تلك الازمة.

من يقرأ التأريخ بالمام يعلم ان الأزمات الكبرى في حياة الامم هي نتاج تغييرات سياسية او اقتصادية او حتى طبيعية الى حد ما. و نتيجة لهذه التغييرات تحصل تغييرات اجتماعية وسلوكية وتنظيمية كبرى تطال الفكر والثقافة وتمتد تاثيراتها لترسخ التغير في الحضارة الموروثة من خلال الخروج عن نظامها.
في مقدمة ابن خلدون الرائعة نتذكر ان الانسان والمجتمع لايمكن فصلهما عن الحضارة والحضارة هي نتاج الفكر والثقافة والاقتصاد. فعندما نقول حضارة وادي الرافدين نقصد بها ما ورثناه من حضارة تشكلت كنتيجة لظروف اقتصادية أملتها ظروف طبيعية متمثلة بنهرين عظيمين كانا عماد الاقتصاد لمجموعات بشرية استقرت في حوضي النهرين فشكلت تلك الظروف المتشابهة ثقافة متشابهة لهذه المجموعات البشرية التي كونت مجتمعا لأفراده سلوكيات اجتماعية و اخلاقية هي نتاج لتلك الثقافة المشتركة.

لذلك فاي خلل يصيب الانسان والمجتمع سينعكس على السلوك الذي انتظم بفعل هذه الثقافة. الثقافة والفكر والسلوك تترسخ من خلال مدى إمكانية التكيف مع هذه التغيرات والتفاعل معها سلبا او ايجابا. الثورة الصناعية غيرت نمط حياةالمجتمعات الاقتصادية والاجتماعية ولكنها ابقت قدرا من الثقافة والسلوك الاجتماعي اللذان يميز ان حضارات الامم عن بعضها من خلال التجديد الحضاري لتلك الامم وما يتطلبه التجديد من ممارسات مادية وفكرية.

على مدى التاريخ طالت العراق التغييرات الكبرى ومر بأزمات كبرى لفترات امتدت ما بين الغزو المغولي في القرن الثالث عشر الى الاحتلال الامريكي في أوائل القرن الواحد والعشرين وفِي كل أزمة وغزو وحرب تستهدف (بضم التاء)حضارته وثقافة وسلوك مجتمعه كتحصيل حاصل لتلك التغييرات السياسية والاقتصادية. ولكن غالبا ما تلي تلك التغييرات السلبية تغييرات ايجابية يمكن ان نعزوها الى متانة وقوة أسس حضارته ومقاومتها لهذه التغيرات وكذلك نتيجة عوامل اقتصادية معروفة. 
ابسط مثال هو ازدهار تلك الحضارة خلال فترة الحكم العباسي وانتكاسها خلال فترة الحكم العثماني بسبب انتكاس العلم والثقافة في الفترة الثانية.

التاريخ يعلمنا ان الأزمات الكبرى في حياة الامم لا تنقشع الا من خلال وحدة شرائح المجتمع ولنا في دول افريقيا وآسيا و امريكا اللاتينية عشرات الأمثلة، و كذلك من خلال تغييرات تطال الفكر والسلوك والثقافة وتبدأ من نهج ثقافي مختلف و للتبسيط اكثر تبدأ من تغيير جذري اساسه التربية و التعليم الشاملان، ولنا في الدول التي خرجت من الحرب العالمية الثانية كاليابان وفرنسا والاتحاد السوفياتي أمثلة عديدة فالمشاكل الكبرى ليست في ترميم المباني وإعادة بناء المصانع بل في اعادة بناء الفكر والسلوك والوعي المجتمعي.

لذلك على العراقيين تركيز نضالهم من اجل تحقيق نظام تعليمي متين وهو كفيل بإعادة الوعي والفكر والسلوك الحضاري وإعادة البناء الاجتماعي والاقتصادي والتجديد الحضاري.