الجريمة والثواب

Submitted on Tue, 09/25/2018 - 20:14

عوني القلمجي

في العراق المحتل لا تسير الامور وفق عنوان رواية الكاتب الروسي العظيم دوستوفيسكي، وهو الجريمة والعقاب، وانما تسير الامور وفق عنوان اسميه "الجريمة والثواب"، لان الحاكم في العراق، وبكل بساطة، لا ينال العقاب جراء جريمة ارتكبها، وانما يستحق الثواب عنها، بل كلما زادت جرائمه تضاعف ثوابه، فاذا كان فقيرا يصبح غنيا، والمليونير يغدو  ملياردير، والمدير يرتقي الى مدير عام، والوزير قد يكون رئيس وزراء وهكذا.

اما الجريمة فلا تسال عن نوعها، او درجة عقوبتها. فجميعها مسموح به لحكام العراق، سواء كانت سرقة او فساد مالي، او رشوة او تجارة مخدرات أو غسيل اموال، او سواء شملت تهريب ثروة نفطية او عقد صفقات مشبوهة، او تشريع قوانين لصالح الاجنبي مثل قانون شركة النفط الوطنية، الذي جرى التوقيع عليه في ليلة ظلماء، من قبل البرلمان ورئيس الجمهورية. وحتى سيادة العراق برا وبحرا يمكن التفريط بها، فقد تحولت مبالغ الى حكام العراق في حساباتهم في الخارج، مقابل منح امارة الكويت اراضي حدودية ومياه اقليمية. والقائمة بهذا الخصوص طويلة ومؤلمة. 

والمصيبة ان السلطات القضائية، التي من المفترض بها معاقبة هؤلاء المجرمين والحرامية، تعمل عكس ذلك تماما. فعلى سبيل المثال لا الحصر، فان الحرامي الذي يقدم الى محكمة او لجنة لامتصاص غضب الشعب، فان القضاء يمنحه البراءة بعد جلسة او جلستين، واحيانا بعد دقائق معدودة  كما حدث مع سليم الجبوري عندما كان رئيس مجلس النواب. ومع النائب بهاء الاعرجي الذي تحول من بائع كارتات موبايل في شوارع كندا الى ملياردير بغمضة عين. ومن طرائف الامور  فان القاضي احيانا يقدم للسارق اعتذار وطلب السماح. وهذا يعني تحول الفساد والسرقات بمختلف اشكالها الى ممارسات مشروعة وقانونية.

هذا الامر لا يحتاج الى مرافعة رصينة لاثبات هذه الحقيقة. فعندما يعترف المجرم بجريمته دون ضغط او اكراه، فان القاضي لم يعد بحاجة الى ادلة اخرى، كون الاعتراف في القانون سيد الادلة. وكل الحكام في العراق الذي جمعهم المحتل من دول المهجر، قد اعترفوا بالصوت والصورة بجرائمهم وسرقاتهم، الى الدرجة التي دعت المنظمات العالمية، التي تجد احيانا صعوبة في معرفة درجات الفساد في الدول، وضعت العراق بسهولة في اسفل قائمة الدول الفاسدة، مثل المنظمة العالمية للشفافية والبنك الدولي والمنظمة العالمية لمراقبة الفساد. اما الشعب العراقي الذي يعرف الحقيقة اكثر من غيره، فقد اصدر حكمه بحق هؤلاء اللصوص تحت شعار "باسم الدين باكونا الحرامية".

ولضمان حماية هؤلاء الحكام لانفسهم من المحاسبة الشعبية، تمادوا في هذا الخصوص، ووصل الامر بهم حد السماح لمنظمات ارهابية، باحتلال مساحات واسعة من الاراضي العراقية لاجبار العراقيين على السكوت عن جرائمهم وسرقاتهم وفسادهم، تحت  ذريعة وجود عدو يهدد العراق ينبغي هزيمته قبل كل شيء، تيمنا بمقولة "لا صوت يعلو على صوت المعركة". وقد نجد نموذجا عن هذه المنظمات الارهابية، ما سمي بتنظيم داعش، الذي تمت صناعته في اروقة المخابرات المركزية الامريكية والبريطانية والصهيونية، حيث سهلوا مهمة هذا التنظيم الارهابي بالدخول الى مدينة الموصل وباستعراض مهيب وباعلام سوداء وسيارات ناصعة البيضاء. وكان على راس هؤلاء الحكام الذي سهل هذه المهمة المدعو نوري المالكي، الذي شغل حينها منصب رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة، حيث اصدر امرا بانسحاب قواته العسكرية المتمركزة في تلك المنطقة، والتي يبلغ تعدادها اكثر من ثلاثة فرق عسكرية، وتسليم جميع الاسلحة والمعدات للدواعش الذي لم يتجاوز عددهم حينها اكثر من اربعة مئة داعشي. اما قادة هذه الفرق، او ما دونهم من الضباط فبدل معاقبتهم او حتى تقديم احدهم للمحاكم ككبش فداء لستر الفضيحة، جرى تكريمهم بمناصب عالية ومرموقة. والا بماذا نفسر السماح لداعش بالبقاء في مدينة الموصل اكثر من سنتين دون التعرض لها؟ اما كان  بامكان الجيش العراقي او قوات التحالف طردهم من الموصل بعد عدة ايام من احتلالها؟ اليست هذه المدة كافية لمنح اعضاء داعش وقتا طويلا ليتمكنوا من تدعيم وجودهم من حيث العدة والعتاد، وبناء مواقعهم العسكرية واقامة خطوطهم الدفاعية وحفر الانفاق الضخمة واقامة مصانع للسيارات المفخخة؟ ام انهم فعلوا ذلك ليبررو تدمير مدينة الموصل وقتل سكانها  تحت شعار تحريرها من اكبر قوة ارهابية في العالم؟

هذه السرقات المتنوعة والتي ادت الى اشاعة الفساد المالي والاداري في جميع مؤسسات الدولة ومرافقها، ليست من صنع هؤلاء الحكام وحدهم، وانما تمت بمساعدة المحتل الامريكي وتابعه الايراني، وبمباركة من المرجعيات الدينية وبتسويق من قبل منظمات المجتمع المدني الممولة من امريكا والكيان الصهيوني، ليتحول فيما بعد الى وحش عملاق وغول اخطبوطي تمتد اذرعه في جميع مناحي الحياة، لتشكل في نهاية المطاف سلوك يومي مستساغ، على امل افساد الشعب بحيث يصبح خنوعا مستسلما وراضيا بما يتعرض له من مصائب وويلات. بالضبط شبيه بالحالة التي وصفها  المفكر التنويري عبدالرحمان الكواكبي في كتابه "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" حيث يقول "الشعب الفاسد هو اس الفساد وقوته. بهم يصول ويطول، يأسرهم فيتهللون لشوكته، ويغصب أموالهم فيحمدونه على إبقائه حياتهم، ويهينهم فيثنون على رفعته، ويغري بعضهم على بعض فيفتخرون بسياسته، وإذا أسرف في أموالهم يقولون كريماً، وإذا قتل منهم ولم يمثل به يعتبرونه رحيماً؛ ويسوقهم إلى خطر الموت، فيطيعونه حذر التوبيخ، وإن نقم عليه منهم بعض الاباة قاتلهم كانهم بغاة"

ولكن هذا ليس كل شيء فتمركز الثروة في أيادي فئة من اللصوص، تمنحهم القدرة والامكانات على زج المجتمع في حروب طائفية او اهلية، لتنتهي الى تمزيق وحدة المجتمع العراقي وابعاده عن هويته الوطنية وتقسيمه الى قوميات واديان ومذاهب واحزاب ومليشيات مسلحة، وهذا ما يفسر ترويج مفردات لم نتعود على استخدامها من قبل مثل، هذا مسلم وهذا مسيحي وذاك صابئي، هذا شيعي وذاك سني والاخر اشوري او كلداني، ولم يجر ايضا في السابق تقسيم المجتمع العراقي الى مكونات، كرد وشيعة وسنة، لكي يجري تقاسم السلطة على هذا الاساس وفق مبدا المحاصصة الطائفية والعرقية، على العكس تماما حين كان الناس يتبهاون بعبارات مثل الانتماء للوطن وحب العراق والاخوة والعيش المشترك الخ.

لم يكتف هؤلاء الحكام بذلك كله، كونه من وجهة نظرهم ليس كافيا لبقائهم في السلطة عقود طويلة من الزمن، فلجأوا الى انتهاج سياسة تجهيل المجتمع وحرمانه من المعرفة والتعليم، الامر الذي لا يؤهله للمطالبة بحقوقه المشروعة، او من مراقبة السلطة ومحاسبتها، ولنا في التراجع الذي وصل اليه التعليم في العراق خير دليل على ذلك. بحيث اصبح العراق في اسفل الدول الفقيرة المنخفضة المستوى، أو أقل من الدول التي كان يسبقها العراق بأضعاف. فعلى سبيل المثال، فقد بلغت نسبة الشباب الذين أنهوا الدراسة الثانوية 15% وهي نفس النسبة في الدول المتخلفة مثل الكامرون وراوندا، في حين بلغت النسبة حوالي 20% في بوتان و 25 % في جزر القمر و 30% في اليمن و 50% في نيجيريا. وفي هذا الصدد يقول الإمام علي (رضي الله عنه): "اقل الناس قيمة اقلهم علما. إذا ارذل الله عبدا حظر عليه العلم" في حين يقول جبران خليل جبران، ويل لامة تكثر فيها المذاهب والطوائف، ويل لامه تلبس مما لا تنسج وتاكل مما لا تزرع وتشرب مما لا تعصر، ويل لامه تحسب المستبد بطلا وترى الفاتح المذل رحيما".

اما اذا فكر الشعب، او سولت له نفسه الوقوف بوجه هذه المخططات الغادرة، يصبحون كالوحوش الكاسرة، وهذا ما اكده هؤلاء الحكام في قمع اية انتفاضة بالحديد والنار، على الرغم من مطالبها المتواضعة كالماء والكهرباء، ولنا في انتفاضة البصرة السلمية خير دليل على ذلك. بل ان هؤلاء يعملون على مدار الساعة على قمع كل نشاط عام يدعو الى تغيير هذا الواقع السيء، وتضييق الخناق على كل من يحاول اعمال عقله وفكره في خدمة المجتمع، واحيانا يصل الامر الى حرمان العراقيين الوطنيين والمثقفين والمتعلمين من المناداة، تصريحا او تلميحا، بدولة مدنية ومواطنة مجتمعية، وذلك من خلال تهميشهم تارة، واغتيالهم والزج بهم في غياهب السجون تارة أخرى.

نعم لقد حقق المحتل وسلطاته المتعاقبة خطوات هامة في هذا الصدد، والمجتمع العراقي الان يواجه مثل هذه المؤامرة الغادرة، واذا لم يجر الانتباه اليها بالقدر الكافي والتصدي لها واحباطها، فانه يسكون عاجزا عن الوقوف امام الاحزاب الطائفية والمتخلفة وفئة الحرامية والوصوليين الذين يمسكون بزمام الامور، ويحرصون اشد الحرص على تعميق وترسيخ هذا الواقع من جهة، وابعاده المجتمع عن وطنتيه والتمسك بوحدته وقيمه واخراجه عن الطريق السوي من جهة اخرى. وبالتالي لابد من العمل الجاد على تشجيع العراقيين الى العودة لماضينا المجيد والالتزام بالهوية الوطنية والتمسك بالوحدة المجتمعية واستعادة اللحمة بين ابناء المجتمع، وفي نفس الوقت محاربة جميع التوجهات والافكار والنزعات الذاتية والفئوية والتفرقة العنصرية والمذهبية، وكل هذا لن يتم من دون اسقاط العملية السياسية، بكل الوسائل والطرق والامكانات المتاحة، واقامة حكومة وطنية مستقلة تاخذ على عاتقها تهديم كل الاسس التي اقامها المحتل وما ترتب عليها من نتائج ماساوية، تمهيدا لبناء مجتمع موحد يكون قادرا على بناء دولة مدنية تستند على مؤسسات كفوءة تضمن مساواة جميع العراقيين، بصرف النظر عن دينه او مذهبه او قوميته. وفي نفس الوقت تقديم رموز العمالة والسرقة والجريمة والفساد المالي والاداري الى المحاكم العادلة، وفق عنوان الجريمة والعقاب وليس الجريمة والثواب. ومن دون ذلك فان اية مراهنة على تحقيق تلك الاهداف النبيلة هي مراهنة فاشلة قطعا.

عوني القلمجي

25/9/2018