الدين مقبرة اليسار المغربي

Submitted on Fri, 09/28/2018 - 17:04

الصادق بنعلال

–  يمثل المشهد السياسي الوعي الأسمى للمجتمعات الراقية ، يعكس بجلا ء نضج شعوبها و نخبها و عوامل تفوقها على مختلف الأصعدة . و ما من شك في أن هذا المعطى الدولي  بالغ الدلالة وليد عوامل متعددة ، يتصدرها المنجز العقلاني للفعالية السياسية ، و التوازن الأيديولوجي القائم على الاستقراء العلمي لواقع ينزع نحو تغيرات لا نهائية ، و نحيل بشكل مخصوص إلى محوري اليمين و اليسار باعتبارهما من المكونات الحزبية الجوهرية في أي بلد يصبو إلى التقدم و النهوض الشامل ، حيث إن قطب اليمين يميل إلى خلق الثروة و بلورة دولة الرفاه ، عبر محددات أقلها المبادرة الفردية و التنافسية و مبدأ الحرية في التملك و الإنتاج و الديمقراطية .. ويروم  قطب اليسار إلى الدفاع عن العدالة الاجتماعية و الذود عن المساواة و تكافؤ الفرص و التوزيع العادل للثورة ..

–  و كان المغرب من ضمن الدول العربية و الإفريقية السباقة إلى نهج مسلك التعددية الحزبية بعد الاستقلال ، و شهدنا رموزا متنورة عانقت الاشتراكية و المذهب الماركسي و المادية التاريخية كان بإمكانها أن تفضي إلى استنبات يسار مغربي وطني عقلاني ، لكن الرياح جرت بما لا تشتهي السفن ، حيث ما فتئت البنية اليسارية الصلبة تنفجر و تتراجع بشكل ملفت مخلفة وراءها ” ملعبا ” شبه فارغ للوصوليين و الباحثين عن المصالح الذاتية الضيقة بأي ثمن ، فأين الخلل ؟

–  يكمن خلل تواري اليسار عن الأنظار في تخليه الدراماتيكي عن دوره الأساسي في الدفاع عن ” القوات الشعبية ” و تطلعاتها إلى العدل و الكرامة ، و اقتصاره بدلا من ذلك على استهداف القيم الثقافية و الاجتماعية و الدينية للغالبية المطلقة للشعب المغربي ، لقد أضحى الفاعل اليساري في غالب الأحيان نموذجا للاستهتار بالثقافة الإسلامية و محمولاتها القيمية ، هل أصبح دور بعض اليساريين يندرج في إطار ” إشعال الحرائق ” ؟ لماذا يعيرون بالغ العناية للمعارك الوهمية و القضايا غير المطابقة للواقع المجتمعي المغربي ؟ لعل آخر مثال لذلك موضوع حج السيد علي بوطوالة الكاتب الوطني لحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي ، إذ قام بعض المحسوبين على اليسار و لم يقعدوا معبرين عن رفضهم لهذه ” الخطوة غير المحسوبة ” !

–  لن تقوم لليسار المغربي قائمة إلا إذا قطع مع هذه المسلكيات السياسوية منتهية الصلاحية . إن اليسار بحصر المعنى كيان سياسي رفيع ، و موقف إنساني راجح ، و تفاعل مع الشعوب و أحلامها في الرقي و الازدهار ، كم نمني النفس أن يفاجئنا أحد عقلائهم في يوم ليس ببعيد باستجلاء الأدبيات الماركسية الجادة و إعادة قراءتها على ضوء الواقع المخصوص ، و استكناه مضامين الدين الإسلامي العظيم بقدر من الرزانة و المقاربة العلمية الرصينة ، من أجل إنجاز لحظة تصالحية مفصلية مع الشعب و إلا ستظل الهيئات الحزبية ” اليساروية ” جماعات مجهرية و هذا ما لا نريده  .

كاتب من المغرب

رأي اليوم