في عنوان كوربن الفلسطيني

Submitted on Sat, 09/29/2018 - 10:03

مصطفى زين

تجاوز جيريمي كوربن تهمة اللاسامية. توقفت حملة اللوبي الإسرائيلي البريطاني ضده. واختفت الأخبار والتعليقات في صحف اليمين، التي هاجمته على مدى شهور. وقف زعيم حزب العمال وسط رفقائه في مؤتمر ليفربول، معلناً استعداده للاعتراف بالدولة الفلسطينية فور تسلّمه الحكم، وسط تصفيق حاد وتلويح بأعلام فلسطين. ما خلفية هذا الموقف؟ وكيف سيرد مؤيدو إسرائيل عليه؟

لا نحتاج إلى البحث كثيراً عن الدافع وراء تأييد كوربن الفلسطينيين وحقهم في إقامة دولتهم، فالرجل كان يتقدم كل التظاهرات المؤيدة لهم، وقد أوضح ذلك بنفسه عندما قال: «دعونا نحيي ذكرى (وعد) بلفور بالاعتراف بفلسطين كخطوة نحو حل الصراع الفلسطيني - الصهيوني، ودعونا نضاعف الضغط الدولي على إسرائيل لوضع حد للاحتلال والتوسع الاستيطاني، وبالطبع حصار غزة».

تعهُّد كوربن الاعتراف بدولة فلسطينية وإدانته إسرائيل هو اعتراف أيضاً بأن ما ارتكبته بريطانيا جريمة كبرى عليها التكفير عنها، وهو اعتذار إلى الشعب الذي شُرّد من أرضه تحت مرأى الإمبراطورية وبمساعدتها عندما كانت تحتل فلسطين، وتتويج للسياسة بالقيم الإنسانية التي عرف بها وتعرض بسببها لأبشع أنواع التشهير من اليمين الحاكم الذي ما زال يعتز بكل ما ارتكبته من جرائم في أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، وترتكب الآن بالتعاون مع الولايات المتحدة لأنها لم تعد تستطيع ذلك وحدها، وحرب العراق وتدمير ليبيا وسورية أفضل مثال. كما أن موقفه أتى رداً على الذين يسعون من داخل الحزب لإعادته إلى سياسة «الطريق الثالث» التي اعتمدها زعيمه السابق توني بلير للوصول إلى السلطة، وكانت هذه النظرية سائدة في تسعينات القرن الماضي عندما حكمت في معظم الدول الأوروبية أحزاب أخذت على عاتقها إنقاذ الرأسمالية من أزمتها، لكنها بدلاً من ذلك حوّلتها إلى رأسمالية متوحشة زادت توزيع الثروة سوءاً في الداخل، واعتمدت الحروب وابتزاز شعوب العالم الثالث ونهب ثرواتها في الخارج.



في معنى آخر، ليس الوصول إلى السلطة هو هدف كوربن، بل الهدف تطبيق برنامج سياسي واقتصادي يأخذ واقع المملكة المتحدة والعالم في الاعتبار ويقدم حلولاً للأزمات الإنسانية ولا يقرأ التاريخ على ضوء التوراة، على ما يفعل ترامب وإدارته في الطرف الآخر من المحيط.

عرّى كوربن الإمبراطورية العظمى، واعترف بارتكاباتها واعتذر، وصمت اللوبي الإسرائيلي، وخفت صوته خلال مؤتمر حزب العمال، لكنه ما زال يتحيّن الفرص لاستعادة حملته عليه، فهي أساساً لم تكن بسبب عدائه لليهود بل لأنه يقف ضد سياسة إسرائيل ومستعد للدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

الحياة