الدبلوماسية الجزائرية: قراءة في تأثير جماهير ملاعب كرة القدم

عبد لله راقدي

  أثارت حوادث إطلاق هتافات ورفع شعارات من قبل مشجعين جزائريين في ملاعب كرة القدم، من قبيل تمجيد الرئيس العراقي السابق “صدام حسين” والنيل من الشيعة، وتسريب مقاطع من مذكرات وزير الدفاع الجزائري الأسبق الجنرال خالد نزار يتهم فيها الرئيس العراقي صدام حسين بالوقوف وراء مقتل وزير الخارجية الأسبق محمد الصديق بن يحيى و13 جزائريا في حادثة تفجير الطائرة التي كانت تقلهم في 3ماي 1982 تساؤلات كثيرة من قبيل؛ هل من تداعيات لمثل هذه السلوكيات على نهج الدبلوماسية الجزائرية؟  وما أسباب تحول اهتمام جمهور ملاعب كرة القدم إلى القضايا السياسية الدولية؟ وهل يعزى هذا التحول إلى فشل مختلف المؤسسات الرسمية وغير الرسمية في ضبط إيقاع الجماهير بما يتوافق ومبادئ السياسة الخارجية؟ وهل تأتي تسريبات مذكرات الجنرال خالد نزار في إطار مسعى تنبيه الجماهير بخطأ ولاءاتها وارتباطاتها الخارجية؟  والإجابة على مثل هذه الأسئلة تقتضي بداية معرفة أهمية رياضة كرة القدم في عالم علاقات الدول والشعوب..

كرة القدم: وسيلة اتصال فعالة بين الشعوب؟

يجدر الإشارة إلى أن رياضة كرة القدم أصبحت في العقود الأخيرة من أكثر وسائل الاتصال فاعلية وتأثيرا، الامر الذي جعلها محل اهتمام من قبل القادة والزعماء من أجل توظيفها في الاتجاه الذي يساهم في التقريب بين الشعوب ويمتن العلاقات بين الدول لخدمة وحماية مصالحهم المختلفة (السياسية/ الأمنية، الاقتصادية /التجارية، والخدماتية والثقافية والعلمية).  وفي سبيل ذلك نجدهم يسخرون كل إمكانياتهم ومواردهم من أجل الظفر بإمكانية  تنظيم كأس العالم أو كؤوس القارات. لأن ذلك يسمح لهم بتحقيق استثمارات كبيرة تمس البنى التحتية العامة والرياضية مما يساعد في توفير فرص الاستثمار للشركات الوطنية والأجنبية. فضلا على الحصول على مداخيل من عائدات السياحة الرياضية والترويج لمنتجاتها ولمنظومتها الثقافية. كما هو الحال مع دولة قطر، التي يعتبرنجاحها في تنظيم كأس العالم 2022 بمثابة الإنجاز العظيم على اعتبار حصولها على احقية التنظيم وهي البلد الصغير الذي اضحى محل اهتمام من قبل مئات الملايين من الأشخاص في شتى بقاع العالم. علاوة على نيلها ثقة كبريات الشركات ورجال الأعمال. ولاشك أن تنظيمها لكأس العالم سيساهم في ترسيخ مكانتها في منطقة الخليج، وهي المنطقة التي تسعى إلى تقييد سلوكها وحركتها ضمن البيت الخليجي المؤطر سعوديا.

لكن رغم هذه الأهمية المتعاظمة إلا أن كرة القدم  وفي  أحايين  أخرى،  لا سيما حين تبتعد عن مبادئها السامية النبيلة  قد تتحول إلى عامل توتير وصراع وتنازع  بين الدول والشعوب، كالأحداث المأساوية التي حصلت  بين الهندوراس والسلفادور  عام  1969ضمن التصفيات المؤهلة لكأس العالم بالمكسيك عام 1970ل، أو ما سمي “بحرب الكرة” أو “حرب المائة ساعة”، على ضوء ذلك هل يمكن  الخشية من أن يكون لسلوك جمهور كرة القدم الجزائري انعكاسات سلبية على نهج الدبلوماسية الجزائرية؟

متاعب دبلوماسية ” أعمل بصمت” مع ضجيج جمهور ملاعب كرة القدم

ظلت مدرجات ملاعب كرة القدم تشكل فضاء للفرجة والتنفيس والتعبير السياسي، وفي نفس الوقت مؤشر قياس قبول أو رفض فئة من الشعب للأداء الحكومي. وفي ذات السياق، لم تكن الجماهير تهتم بالقضايا السياسية ذات الطابع الدولي إلا ما ارتبط بالقضية الفلسطينية التي ظلت لاعتبارات  شخصية الشعب الجزائري الرافضة للظلم والقهر والاحتلال فضلا عن الدين قضية محورية . خلافا لهذا الاتجاه، ازداد في الآونة الأخيرة اهتمام جمهور ملاعب كرة القدم الجزائرية بالقضايا الدولية لاسيما ما تعلق بقضايا العرب والمسلمين. ومثل هذه القضايا حساسة في نظر الحكومة الجزائرية مما يستدعي منها التعاطي معها بحيادية وموضوعية.

ولقد كانت البداية مع لقاء الجزائر ومصر في “واقعة أم درمان” ( التسويق الإعلامي) بالسودان في إطار المرحلة الأخيرة من دور المجموعات للتصفيات الإفريقية المؤهلة لكأس الأمم الإفريقية 2010، فخلال هذه المواجهة الكروية وبسبب المعالجة الإعلامية غير الموضوعية القائمة على إذكاء المشاحنات وإثارة الشغب ومشاعر العنف إلى  أزمة سياسية بين البلدين.  وفي الفترة الأخيرة، وحيث لم ينته الحديث عن تداعيات  ما يسمى بحادثة “تيفو” ملعب عين مليلة بالشرق الجزائري  الذي رفع فيه مشجعون لافتة يظهر فيها الملك سلمان بن عبد العزيز والرئيس دونالد ترامب،  وكتب عليها عبارة ” وجهان لعملة واحدة”، مثل هذا السلوك أثار  غضب العائلة الحاكمة في السعودية وأدى إلى بروز  أزمة دبلوماسية بين البلدين ، حتى ظهرت أزمة أخرى في ملعب عمر حمادي لكرة القدم  بالعاصمة الجزائرية أبطالها مشجعون رددوا هتافات تمجد الرئيس صدام حسين ووصفوا  الفريق “بشعارات طائفية” وهو ما اعتبر من قبل الحكومة العراقية بمثابة إهانة للشعب العراقي وترتب عن ذلك، استدعاء للسفير الجزائري في بغداد، أما الموقف الجزائري الذي  عبر عنه  وزير خارجيتها فقد اتسم بالهدوء وبأسلوب تهدئة الخواطر، لاسيما مع مثل هذه الأحداث، ففي  هذا السياق صرح وزير الخارجية قائلا  إن هذه الحادثة “لا يمكن أن تؤثر على سمعة الشعب الجزائري، ولا يمكن أن تؤثر على إخوتنا”. وأضاف: “الجزائر لها مكانة كبيرة عند كل الأشقاء العرب. فهل من سبيل لتفادي تكرار مثل هذه الاحداث؟

حاجة جماهير كرة القدم للتأطير والتوجيه.

يشي سلوك جماهير كرة القدم حيال مثل هذه القضايا إلى عجز وفشل المؤسسات الرسمية وغير الرسمية في بلورة استراتيجية شاملة ( سياسية اقتصادية إعلامية)  تحفظ المجتمع  من الإنخراط المجاني والمكلف في نزاعات وصراعات كانت  إلى وقت قريب غريبة عنه؛ على غرار نقل النزاع الطائفي والمذهبي من منطقة الشرق الأوسط إلى منطقة شمال إفريقيا. لقد كان على السلطة أن تنتبه منذ البداية إلى مخاطر ترك شرائح واسعة من المجتمع عرضة لتأثير وسائل الإعلام ( المرئية المسموعة المكتوبة) فضلا على وسائل التواصل الاجتماعي المؤدلجة مذهبيا وطائفيا. قد لا يكفي في كل مرة تقديم اعتذارات أو إثبات براءتنا من مثل هذه السلوكيات. كما لا يجب الإكتفاء على سبيل المثال بهكذا مواقف كما هو الحال مع تسريب مقاطع من مذكرات وزير الدفاع الجزائري السابق خالد نزار والتي يشير فيها تورط صدام حسين في تفجير طائرة الوفد الجزائري بقيادة وزير الخارجية محمد الصديق بن يحيى. ففي هذا السياق يبدو أن الغرض من وراء تلك التسريبات هو تنبيه وتذكير من يعلم إلى إحكام العقل بدل  من الانجرار وراء العواطف كما هو الحال مع تمجيد  رئيس لم يكن سوى قاتلا لألمع الدبلوماسيين الجزائريين.

وأخلص إلى أن تنويع وتوسيع منابر التعبير،  فضلا على وضع استراتيجية شاملة توعوية تساهم فيها الحكومة والمجتمع السياسي والمدني على حد سواء  كفيلة بجعل ملاعب كرة القدم  للفرجة والمتعة والترفيه وعامل قوة إضافي لصانع القرار على المستوى الدولي .

أستاذ العلاقات الدولية جامعة باتنة –1–  الجزائر.

رأي اليوم