المهاتما غاندي في ذكراه الـ 150: “فلسطين للعرب كما بريطانيا للانكليز وفرنسا للفرنسيين “

د.وائل عواد

 تحتفل الهند هذا العام بمرور قرن ونصف على ميلاد الزعيم الروحاني موهانداس كارامشاند غاندي الملقب بالمهاتما غاندي والذي يصادف الثلاثاء الثاني من أكتوبر /تشرين الأول حيث تعم الاحتفالات في شبه القارة الهندية وفي جنوب افريقيا تزامنا” مع المئوية لميلاد الزعيم الراحل نيلسون مانديلا .لا توجد شخصية في التاريخ تركت أثرا” كبيرا”  في حركات التحرر في العالم والنضال ضد العنصرية والعبودية كشخصية الزعيم المهاتما غاندي الذي يعود له الفضل  في نضال بلاده لنيل استقلالها من براثن الاستعمار البريطاني الغاشم .بدأ غاندي حياته النضالية  في سن مبكر بحثا” عن المساواة والاستقلال والمساواة والعدالة والاحترام المتبادل ، عندما كان يمارس مهنة المحاماة في جنوب افريقيا أبان النظام العنصري هناك .وكانت الحكومة البريطانية قد أصدرت قانونا” عنصريا ضد الآسيويين في جنوب افريقيا عام 1917 .وألقي بغاندي المحامي الشاب  من القطار في 7/7/1917 في  محطة بيتر مارتيزبورغ في جنوب افريقيا بعد ان اشتكى أحد الركاب البيض من جلوس غاندي على مقعد في الدرجة الاولى داخل مقصورة مخصصة”للبيض فقط”، على الرغم من شرائه تذكرة المقعد المخصص له. ورفض غاندي النزول من المقصورة وتم إلقاؤه خارج القطار الذي تابع رحلته بينما بقي غاندي على الرصيف طيلة ليلة مظلمة يرجف من البرد القارس مما ترك في نفسه أثرا” كبيرا” . وقرر في ذات الليلة البقاء في جنوب أفريقيا والدفاع عن حقوق الآسيويين المقيمين ضد النظام العنصري هناك.وبدأ مشوار نضاله الطويل وكانت أول حركة له في جنوب افريقيا في 16-8-1908 عندما شجع الاهالي على حرق أوراقهم الثبوتية وقام أكثر من 2000 شخص بحرق هوياتهم الشخصية خارج مسجد حميدية في شارع جنين –فورتسبورغ. ويمكن للقارئ ومحبي غاندي أن يحصلوا على كتابه “ساتياغراها في جنوب أفريقيا” مجانا” عن طريق بحث غوغل على الانترنت للتعرف أكثر على التاريخ النضالي السلمي لأهميته في عالمنا المعاصر وتطبيقها في العديد من مناطق العالم بما فيها العالم العربي لتحقيق تطلعات الشعوب بعد ان اكتسبت قبولا” عالميا” في العديد من دول العالم .

 بعد عودته من جنوب أفريقيا إلى الهند تحولت فلسفته الغاندية إلى نظام اللاعنف (الساتياغراها ) والنضال  من أجل طرد المستعمر البريطاني من بلاده الهند. وكلمة ساتيا غرا مستسقاة من اللغة السنسكريتية  وتعني ساتيا : الحقيقة وغراها :إصرار او إلحاح .وهذه الفلسفة هي المقاومة السياسية السلبية (اللاعنف).كانت أول حركة شعبية في العالم  للزعيم الراحل من مقاطعة تشامباران في ولاية بيهار الشرقية عندما ذهب إلى هناك ليستمع إلى شكاوى المزارعين الذين كانوا يشكون من الاضطهاد على أيدي الاستعمار البريطاني الذي استغل فقرهم وجهلهم ومارس الاضطهاد ضدهم باصدار قوانين مجحفة .وبدأ غاندي  بتحريض المزارعين ضد القانون الجديد وأصدرت   السلطات البريطانية ،مذكرة تطالب غاندي بمغادرة المقاطعة، لكنه رفض واعتقل من قبل الشرطة وأحيل إلى المحكمة حيث خيّره القاضي بمغادرة المقاطعة واسقاط التهم عنه لكنه رفض قائلا”: “جئت إلى هنا لتقديم الخدمات الإنسانية للأهالي في المقاطعة  وسأجعل من تشامباران موطني ولن أغادر حتى أساعد الأهالي المظلومين “.

وتخوفت السلطات البريطانية من ازدياد شعبيته وردود فعل السكان من القيام بعصيان مدني وقررت اطلاق سراحه.وبعد يومين أسقطت التهمة عنه وسمح له بالبقاء حيث بدأ يدوّن شكاوى المزارعين وشجع على  إنشاء جمعيات وطنية طوعية للتعليم والتوعية .

تعرض الأب الروحاني للاعتقال مرات عديدة لكن ذلك لم يثنه وأنصاره من متابعة النضال ضد الاستعمار حتى نالت الهند استقلالها عام 1947 .

وقصة نضاله موجودة في كتاب: “ساتياغراها في تشامبارام ” للكاتب الدكتور راجيندرا براساد والنسخة متوفرة مجانا”  أيضا” على غوغل(كندل ) لمن يريد الاطلاع على القصة الحقيقية في هذا الكتاب الموثق  والمفصّل عن مرحلة النضال للزعيم الراحل المهاتما غاندي الذي يعد وثيقة هامة في تاريخ القومية الهندية .

لم تكن حركة ساتياغراها مجرد عصيان مدني ولكن حملت الكثير من المعاني والمبادئ لتحسين حياة المواطن والسلوك الاجتماعي والبحث عن البديل السياسي والمؤسسات الاقتصادية والتعليمية والحياة البسيطة والنقاء الروحي والإيمان .

هل مازالت العقيدة الغاندية ذات صلة في عصرنا؟

1- في الهند:

نظافة الصرف الصحي  بمثابة النظافة السياسية

مازال الأب الروحاني للهند الملهم الرئيسي للمجتمع الهندي المسالم  على الرغم من الابتعاد عن مبادئه الأساسية من قبل أقلية في  المجتمع الهندي إلا أنه مازالت  الهند تحي ذكراه سنويا” . وهذا العام تشن الحكومة المركزية بزعامة ناريندرا مودي أكبر حملة تنظيف في تاريخ الهند حيث قامت بحملة شعبية ضخمة  للصرف الصحية والنظافة تحت شعار  النظافة ولا التبرز في العراء تتزامن مع الذكرى المائة والخمسين لميلاد وأطلق الحملة رئيس الوزراء قبل أربع سنوات وأكّد سكرتير وزارة المياه والنظافة براميشواران أيير بأن الحكومة حققت نجاحا” ملحوظا” في هذه الحملة بنسبة 94% عما كانت عليه 40% قبل أربع سنوات حيث تبنى أكثر من 500 مليون نسمة في الهند أساليب الصرف الصحي وعدم التبرز في العراء مما سيحسن من الأوضاع الصحية للشعب الهندي وحسب تقارير منظمة الصحة العالمية فإن هذه الإنجازات ستحمي أكثر من 300000 شخص من الموت العام  المقبل وأكدت منظمة اليونيسف أن توفير المراحيض في البيوت سوف يوفر قرابة 700 دولار أمريكي سنويا” للعائلة الواحدة . واجتمع في الهند ممثلين ووزراء أكثر من أربعين دولة للمشاركة في مؤتمر اتفاقية المهاتما غاندي للصرف الصحي من 29 الشهر الفائت إلى الثاني من أكتوبر الجاري .

أما تنظيف السياسة  سوف يتخذ وقتا” طويلا” لتطهير البلاد من الفساد والرشاوى.

2- غاندي وفلسطين : كان الزعيم الراحل من المناصرين للقضية الفلسطينية ضمن نضاله الطويل ضد الاستعمار .ومازالت كلمات ومواقف المهاتما غاندي  ضد العنصرية والاستعمار والحركات الصهيونية  ماثلة حتى تاريخه أمام الرأي العام العالمي وأنصار الحريات حيث عارض بشدة إقامة وطن لليهود في فلسطين على حساب الشعب الفلسطيني . وحيث ان  القضية الفلسطينية مازالت عالقة ويتعرض الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال الإسرائيلي لجميع أساليب التعذيب والاعتقال التعسفي ومصادرة الأراضي وطمس هويتهم الوطنية ، فإن مفهوم النضال للشعب الفلسطيني مشروع تحت مذهب الغاندية ويتوجب على الشارع  العربي والحركات النضالية  في العالم التصدي للدعاية الصهيونية الامريكية الغربية وأن تعيد احياء الصراع العربي الاسرائيلي لإلقاء الضوء على معاناتهم  واقناع العالم بحق الشعب الفلسطيني التاريخي في أرضه ووطنه فلسطين.

لا يمكن لأحد ان يمحو المذهب الغاندي في النضال السلمي في عالم تعصف به حروب مدمرة وقتل عشوائي وتهجير وتطهير عرقي لأنها الطريقة المثلى للإبقاء على الانسان البشري في عصر الدمار الشامل .وقد تبدو انها تطبق نظريا” وفي الكتب فقط لكنها مازالت حية والعنف يولد العنف والحر ولكن سيبقى الحق هو القوة وليس العكس .ومذهب الغاندية يعلمنا إعادة تشكيل الأخلاق و أن نستعيد إنسانيتنا .

ونذكر مقولة للزعيم الراحل :” لا يجب استخدام اللاعنف كدرع للجبان. إنه سلاح الشجعان”.

ولا بد من الاضافة هنا ان الهند تحتفل مع جنوب افريقيا بمرور الذكرى المئوية لميلاد  الزعيم الراحل  نيلسون مانديلا والتي تتزامن مع الذكرى المائة والخمسين لميلاد المهاتما غاندي وهنيئا” لشعبي البلدين ومحبي السلام في العالم .

صحافي وكاتب سوري

www.waielawwad.com

Twitter waiel awwad @abunouman

رأي اليوم

Tags