“الناتو العربي” مزيج من تحالف “الراغبين.. الكارهين.. والمنتفعين”… سمك لبن تمر هندي

نبال خمّاش

   توحي الدلالة الأولية لمعنى “تحالف”، أن ثمة تآلف بين عدد من القوى توحدت فيما بينها لتحقيق هدف مشترك: سياسي أو اقتصادي أو عسكري…، وأن المناخ العام الذي يسود علاقات المتحالفين ايجابي بالضرورة، إضافة إلى توفر حالة معقولة من الرضا والتوافق تؤهل هذه القوى الانخراط على نحو منسجم في العمل المشترك لتنفيذ الآليات والخطوات المحددة التي تفضي في النهاية إلى تحقيق هدف ما. وفي حالة وجود نقاط خلاف بين هذه القوى، أو بعض منها، فإن الوضع الطبيعي يقتضي استبعادها ووضعها جانبا، ولو بصورة مؤقتة، حتى يحقق التحالف أهدافه، ومن ثم يعود كل إلى ديدنه وعادته.

    وبالإضافة إلى ما ذكر، تعد مسألة مثل تحديد الهدف من البديهيات التي تسبق إعلان التحالف. فإذا كان التحالف عسكريا، تكون مسألة تحديد هوية ” العدو ” قضية يفترض أنها محسومة، ولا تحتمل كثير اجتهاد أو جدل سياسي. وعند انتفاء هذا الشرط الجوهري، وتباين وجهات النظر في تحديد الخصم ووصفه بصورة لا تحتمل اللبس أو التأويل أنه “عدو”، عند هذه الحالة تكون فكرة التحالف قد بلغت مرحلة فيها كثير من الارتباك وربما العدمية. وبذا تغدو كل المؤشرات تنطق بانفراط عقد ما يفترض أنه تحالف حتى من قبل التئامه. وإذا كانت هناك إرادة تمتلك القوة والقدرة في استخدامها على نطاق واسع، ولها مصلحة في إتمام الفكرة أو المشروع، حتى في ظل وجود تشوهات عميقة في تكوينه الجنيني، تغدو الطريق الأسهل ممارسة الضغط والإكراه، وأحيانا الابتزاز على بعض القوى التي تستدعي الضرورة السياسية مشاركتها. وعندما نتحدث عن انتفاء لمعايير الرضا والقبول، وتشتت في آلية التنفيذ ووحدة الهدف، ولجوء إلى أساليب فيها كثير من الجبر والإكراه، عندئذ يحق لأي منا التساؤل: أي مصير ينتظر مثل هكذا حلف؟ وعن الجهة/ الجهات التي تستثمر في قوتها وهيمنتها في سبيل ظهور مثل هكذا تحالف إلى العلن؟ وما هي الثمار التي تأمل هذه القوى في قطفها بعد هذا الجهد السياسي الضاغط؟

   ” الناتو العربي” تصور أميركي – في ذات الوقت تروج الدعاية المصرية أنها صاحبة الفكرة بنسختها الأصلية –  بات من الواضح أنه يمر هذه الأيام بفترة انتقالية، يعبر من خلالها مرحلة التداول النظري، تمهيدا لإعلانه واقعا ملموسة آثاره. ولن يعد اكتشافا نظريا، أو نباهة فذة في التحليل، إذا توافقت الآراء، أو نسبة غير قليلة منها، على إسقاط التوصيف الأدق لهذا التصور، أمريكيا كان أو مصريا، باعتباره يفتقد إلى  الأسس الموضوعية لتأسيس حلف، وأن الصيغة أو المفهوم الأقرب، أنه تجسيد عملي لمعنى “التبعية” أكثر من كونه شيئا آخر، وهو معنى تجاوزت مجالات تناوله الحديث التجريدي، وغدا مجالا مؤطرا على نحو علمي من خلال أدوات قياس ومؤشرات يمكن الاستدلال من خلالها، وبصورة دقيقة، على المدى الذي من الممكن أن تذهب إليه بعض الدول في الانقياد وتعطيل إرادتها  الوطنية لصالح قوى عالمية أو إقليمية. ووفقا للمعايير المعتمدة في القياس، فإن التبعية العسكرية تعد بحق من علامات الضعف الشديد التي تخترق الدول في بناها الأساسية، ابتداء من شراء أسلحة بمبالغ فلكية تفوق كمياتها مبررات استخدامها، ولتجاوز هذه الثغرة فلا أسهل من افتعال بؤر توتر دائمة في الأقاليم القادرة على مسايرة صيغة الإفراط في التسلح. وبالإضافة إلى شراء الأسلحة، هناك بنود إنفاق ترتبط بالتدريب عليها، يعقبها بالضرورة بنود خاصة بصفقات توريد قطع الغيار وخدمات الصيانة. ويبلغ مؤشر التبعية العسكرية بين الدول خطوطه الحمراء في حال بلوغ أي منها أحد العنصرين التاليين، أو كليهما معا: السماح بإقامة قواعد عسكرية تسيطر عليها دول كبرى، الانخراط في أحلاف عسكرية صممت أهدافها لخدمة الدول الكبرى فقط.

   إن دولا ذُكرت من ضمن قائمة التحالف: قطر، سلطنة عُمان، والكويت، ووفق عدد غير قليل من المؤشرات السياسية والاقتصادية، لا ترى في الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي دُعي تشكيل التحالف المذكور لحربها وحصارها، خطرا يهدد أمن المنطقة واستقرارها، وأن هذه الدول تريد بالفعل علاقات أفضل تتسم بالاستقرار مع الجارة المقابلة في إطلالتها على الخليج الفارسي، وكبرى الأماني السياسية في هذه الدول الثلاث التوصل إلى تسوية شاملة لكافة القضايا التي تسهم في استنزاف قدرات ومصير الإقليم برمته.

    وبالإضافة إلى غيبة أهم عنصر من العناصر الموجبة لتشكيل تحالف عسكري ما،  وهو توحد نظرة الأعضاء المشتركين في تحديد هوية “العدو”، هناك عنصر تقدير قوة من يفترض أنه خصم، وهذا البعد يعمق حالة اللاتوافق في التحالف العربي. فالدول الخليجية الثلاث المذكورة آنفا تتعامل مع مخزون القوة الذي تمتلكه إيران بكثير من الحذر والجدية، فيما تتعامل معه كل من: السعودية، الإمارات العربية، والبحرين، على نحو يفتقر إلى الواقعية والحسابات الدقيقة، وبقدر غير قليل من الاستخفاف. ويمكن الاستشهاد هنا بالتهديدات التي يطلقها دونما توقف ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، ومن ضمنها الإعلان عن وجود توجه سعودي لنقل المعركة لداخل إيران. وإذا كانت العملية الإرهابية التي استهدفت مؤخرا عرضا عسكريا في الأهواز تأتي في هذا السياق، فإن دلالة الرد الإيراني على هذه العملية من خلال هجوم صاروخي على مواقع إرهابيين في الساحل الشرقي لنهر الفرات في سوريا، تصحيح للفهم الخاطئ في تحديد مواطن الاشتباك لدى عدد من دول الخليج. وأظهر الهجوم في واحدة من معاني هذه الرسالة  طهران تمتلك أكثر من سواها فرصة اختيار قواعد الاشتباك بعيدا عن أراضيها،

   مع نهايات الحرب الباردة، خاطب مستشار الرئيس الروسي، ميخائيل غورباتشوف، الغرب بكلام بليغ عندما أطلق عبارته فائقة الذكاء:” سنقدم لكم أسوأ خدمة، سنحرمكم من العدو”. والذي يحدث منذ هذه اللحظة إلى اليوم، أن الغرب، وتحديدا الولايات المتحدة منشغلة بصناعة الأعداء ووجدت في هذه الصناعة قطاعا استثماريا بالغ الأهمية لاقتصادها. والمكالمة الهاتفية التي أجراها الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، مع الملك السعودي، سلمان بن عبد العزيز، ترجمة صادقة ومباشرة لهذه الإستراتيجية، إضافة إلى أنها – ومن خلال الأسلوب الفوقي والاستعلائي الذي طغى على لغة الرئيس الأمريكي- تذكير عملي بالقاعدة التاريخية التي أرساها كل من الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت مع الملك عبد العزيز آل سعود فيما يعرف باتفاق كوسبي عام 1945، والتي تختزل عادة بكلمتين اثنتين فقط: النفط مقابل الحماية.

والتحدي الأكبر الذي يواجه الوعي العربي في هذه المرحلة، أو بقاياه، إجراء مراجعة تقييمية بناء على فهم هذا البعد وأثره في الأحداث التي تدور من حولنا، وفي حال إجراء مثل هكذا مراجعة، فإن العقل لن يضل سبيله في الاهتداء إلى حقيقة أن العدو الحقيقي لـ “حلف الناتو العربي” كامن داخله.

  كاتب واقتصادي