لآثاري العراقي الراحل بنهام أبو الصوف: "جنائن بابل المعلقة" لم تكن إلا سرداباً

Submitted on Mon, 10/08/2018 - 19:26
لوحة متخيلة لجنائن بابل المعلقة لفنان معاصر

فيديو مهم/الآثاري العراقي الراحل بنهام أبو الصوف: "جنائن بابل المعلقة" لم تكن إلا سرداباً على شاطئ الفرات، بنيت فوقه شرفات مزروعة متدرجة طبقات تلجأ إليه العائلة الملكية في أوقات الحر الشديد.
عثرتُ مصادفة على تسجيل فيديو يعود لسنة 2015، كان الآثاري "الأركيولوجي" العراقي الراحل بنهام أبو الصوف قد نفى فيه وجود ما سمي "الجنائن المعلقة" التي يُحكى أنَّ الملك البابلي الكلداني نبوخذ نصر قد بناها إكراماً لزوجته الميدية "أميديا" والمسماة أيضا "سميراميس" ابنة الملك سياخريس الذي تحالف معه نبوبولاسر، والد نبوخذ نصر، واعتبرها المؤرخ والرحالة الاغريقي هيرودوتس ضمن عجائب الدنيا السبع القديمة، ويقول هيرودوت إن الحدائق المعلقة كانت تزود بالمياه عبر أنابيب تمكنوا من إصعاد المياه إلى الأعلى وربما يعني ذلك أن البابليين كانوا يعرفون نظرية أرخميدس قبل أن يكتشفها أرخميدس الإغريقي والذي قتله الرومان في حرب سرقوسة بأكثر من سبعة قرون!
د.أ بو الصوف قال إنَّ ما سميت بالجنائن المعلقة لم تكن إلا قاعة بناها الملك نبوخذ نصر على شاطئ الفرات على هيئة سرداب أو رهرة "يبدو أنها كلمة تعني سردابا في لهجة الباحث الموصلية"، وبنى حولها وفوقها شرفات مزروعة بالأشجار"terasse gardin" مؤلفة من أربع طبقات أو جدران. وأكد الباحث الراحل أن الملك نبوخذ نصر لم يتزوج امرأة ميدية لأنه ببساطة كان عدوا لهم ودخل معهم في عدة حروب.
ولكن الباحث الراحل لم يوثق كلامه بأي أدلة مادية أو تاريخية تؤكد كلامه، ربما اعتمد على كونه عالما متخصصا في الآثار، له الكثير من الإنجازات العلمية وخصوصا دفاعه العلمي في أطروحته للدكتوراة عن أصالة الحضارات الرافدينية ضد نظرية أستاذه البريطاني ماكس مالاوين القائلة بأصل غير الرافديني لها والذي اعترف أخيرا بخطأ نظريته، وربما وجد العذر لعدم طرح التوثيق في كون اللقاء كان تلفزيونيا لا يسمح بالتفصيل، فاكتفى بعبارة "اكتشفنا وجود تيراس ...إلخ" ولكنه على الأقل كان يمكنه الإشارة ولو سريعاً الى نوع الأدلة المكتشفة أو عرض أية صور أو مواصفات لها والأسباب التي دعته الى طرح ما طرح من فكرة تفند أحد أهم عجائب الدنيا السبع التاريخية، والتي أكدها المؤرخ الرحالة الإغريقي هيرودوتس الذي لم يكن يفصله عن عصر الملك نبوخذ نصر إلا 137 عاما وهي فترة ليست بالطويلة في حسابات التاريخ الجيلي (أربعة أجيال فقط فهيرودوتس توفي بعد وفاة نبوخذ نصر بـ 137 عاما) وإذا كان أبو الصوف يصف قصة الجنائن المعلقة بـ "الدالغة" أو القصة الخيالية دون أن يوثق كلامه فيمكن أن يرد عليه الآخرون بأن كلامه أيضا قصة خيالية طالما ظل دون توثيق مادي أو تاريخي حاسم وملموس.
*وحتى بالحدود التي تكلم فيها الراحل عن صالة بناها الملك على شاطئ الفرات وأحاطها بأربع شرفات مزروعة بالأشجار ومسقوفة بسقف مزروع هو الآخر فالأمر يتعلق فعلا بجنائن معلقة أو بمبنى يلوح للناظر إليه من بعيد كالجنائن المعلقة ولكنها ربما لم تكن بالحجم الكبير الذي تخيله المؤرخون والرحالة والباحثون اللاحقون.
*وفي المناسبة فهناك وجهة نظر مختلفة حول الموضوع نمر عليها سريعا: فبعد 18 سنة من الدراسة، استنتجت الباحثة البريطانية بدرجة شرف في جامعة أوكسفورد استيفاني دالي، في كتاب نشرته، أن الجنائن كانت قد بُنيت من قبل الآشوريين في شمال بلاد الرافدين وليس من قبل أعدائهم اللدودين: البابليون في الجنوب. وتعتقد السيدة دالي ان البحث الذي أجرته يبين ان الانجاز الهندسي والابداع الفني تحقق على يد الملك الآشوري سنحاريب، وليس الملك البابلي نبوخذ نصر. ولكن الباحث العراقي عامر حنا فتوحي فند نظرية السيدة دالي تفنيدا نهائيا وحاسما بأدلة لا تدحض في مقالة مكثفة وقصيرة بعنوان "جنائن بابل المعلقة ... في بابل، تفنيد مغالطة ستيفاني دالي". في الجزء القادم من المقالة سنناقش هفوة علمية للراحل أبو الصوف وتتعلق بقضية أصول سكان الأهوار العراقية كما روَّجها إعلام النظام البعثي الصدامي من منظور عنصري طائفي وكرر طرحها للأسف الراحل أبو الصوف إلى اللقاء قريبا.
*رابط يحيل الى تسجيل الفيديو للحديث مع المؤرخ والآثاري "الأركيولوجي" العراقي الراحل بنهام أبو الصوف الدقيقة 13 و34 ثانية، في التعليق الأول، وسلام على ذكرى الباحث الراحل والذي قدم الكثير في أبحاثه العلمية رغم هذه الهفوة وسبحان من لا يخطئ!

https://www.youtube.com/watch?reload=9&v=w_uinHoMzTI&feature=share
الصورة : لوحة متخيلة لجنائن بابل المعلقة لفنان معاصر.