كيف تؤثر انتخابات التجديد النصفي الأميركية على العالم العربي؟

د. شهاب المكاحله

يسعى الديمقراطيون عبر منصة الانتخابات التي سُتعقد في 6 نوفمبر2018 لحسم الصراع على مقاعد “الكونجرس” لصالحهم تمهيداً للحد من نفوذ الرئيس الأميركي دونالد ترامب أو تجميد سياساته على الأغلب في الوقت الذي يسعى فيه الجمهوريون إلى تمكين ممثلهم ترامب إلى إنهاء ولايته الأولى بنجاح ودون تأثير من أحد.

في السادس من تشرين الثاني،  يتوجه الأميركيون إلى مراكز الاقتراع للتصويت لصالح المسؤولين المحليين وأعضاء الكونجرس في الانتخابات النصفية. وبات مستقبل الرئيس الأميركي على المحك حسب الكثير من التوقعات نظراً لفتح ملفات تحقيق في حملته الانتخابية والتمويل الخارجي وغيره من الأمور التي قد يثيرها فوز الديمقراطيين في تلك الانتخابات.

ويحظى الجمهوريون حالياً بأغلبية ضئيلة في مجلس الشيوخ والتي قد تُهدد مكانة الحزب في اأاسابيع القادمة في حال خسارتهم لصالح الديمقراطيين، ما يعني انكفاء السياسة الخارجية الأميركية مرة أخرى وعدم التدخل في الشأن الخارجي للدول تماماً كما كان الوضع في عهد الرئيس السابق باراك أوباما.

وسواء كان ترامب نعمة أم نقمة على الجمهوريين أم على الأميركيين ، فإنه ليس واضحاً بعد مدى إمكانية فوز الجمهوريين بسيطرة مُطلقة في مجلس النواب والشيوخ لأن الميول والرأي العام تشير إلى تغير في النهج والتوجه لدى الناخب الأميركي لإحداث تغيير جدي وجذري في السياسة العامة للدولة ما يعني تمثيلاً أكبر للديمقراطيين.

يفصلنا أقل من شهر على تلك الانتخابات وسط توقعات أن أكثر من 60 بالمائة من الشعب الأميركي سيصوتون للديمقراطيين ما يعني تغييراً تاماً في سياسة وأداء مفاصل الدولة وتعاملها مع الملفات الدولية ومنها سوريا، والعراق، واليمن وليببا وإيران وحتى الصين وروسيا وكوريا الشمالية بل يتعدى ذلك الأمر الى إيجاد حل وسط في التعامل مع الملفات المثيرة للجدل مثل “الأخوان المسلمون” وغيرها من التنظيمات.

يبدو الديمقراطيون أكثر حماسة بشأن التصويت من نظرائهم الجمهوريين، حيث قال 52 في المائة من الناخبين المسجلين أنهم سيصوتون لصالح المرشح الديمقراطي في منطقتهم أو يميلون إليه بينما لم تصل تلك النسبة إلى 30 بالمائة لدى الجمهوريين.

وهنا الحديث عن 35 مقعداً لمجلس الشيوخ يجري التنافس عليها بموجب قواعد مجلس الشيوخ العادية. وتضم الانتخابات النصفية لهذا العام مجموعة من المنافسات الحادة وخصوصاً في ولاية تكساس، حيث يواجه السيناتور الحالي تيد كروز سباقاً على نحو غير مسبوق ضد النائب الديمقراطي بيتو أورورك ، وولاية أريزونا ، حيث سيترك الجمهوري جيف فليك منصبه. الديمقراطيون يأملون في تحقيق الفوز في كل من تلك السباقات الانتخابية بينما يأمل الجمهوريون أن تبقى كفة الميزان في صالحهم.

في مجلس النواب البالغ عددهم 435 عضواً، فإن احتمالية بقاء الجمهوريين على سيطرتهم هذه يُعد موضع شك وهذا يعني أن يفوز أحد الحزبين بغالبية 218 مقعداً للسيطرة على المجلس، وهو تحد صعب بالنسبة للجمهوريين في هذا الوقت العصيب.

يمتلك الحزب الجمهوري حالياً أفضلية على الديمقراطي بـ 43 مقعداً في مجلس النواب، لكنه يواجه تحديات خطيرة لـ 38 مقعداً يُسيطر عليها الجمهوريون. ويبدو أن الديمقراطيين سيحصلون على ثلاثة مقاعد من الجمهوريين مع 11 إضافية يسيطر عليها الجمهوريون.

إذا ما أخذ الديمقراطيون أي من المجلسين ، فإن ذلك من شأنه أن يشكّل انزعاجاً كبيراً للرئيس الذي يسعى إلى إنهاء فترة رئاسته التي قد تمتد لأربعة أعوام مع انتصارات تشريعية كبيرة.

عارض الديمقراطيون بشدة أهداف سياسة ترامب الرئيسة، ولا سيِما مطالبته بجدار على طول الحدود الجنوبية للولايات المتحدة مع المكسيك وإلغاء كامل لقانون الرعاية الصحية الشامل للرئيس أوباما. فإذا ما سيطر الديمقراطيون على أحد المجلسين أو كليهما، فإن ترامب سيضطر إلى التفاهم مع هيئة تشريعية لم تعد في أيدي حلفائه وهذا تعقيد كبير لصلاحياته ما  يعني أن خسارة الجمهوريين لمجلس الشيوخ تعني أن على الرئيس أن يُهدئ من ترشيحه للشخصيات المهمة لقيادة الأجهزة الحساسة في الدولة مثل الوكالات والمنظمات الفيدرالية والمحكمة العليا.

في حال تغير معادلة القوى في مجلس النواب والشيوخ الأميركي فإن ذلك يعني تغييراً كبيرا في النهج السياسي الأميركي والعودة إلى فترة حكم أوباما والاهتمام فقط بالشأن الداخلي. أي أن صفقة القرن التي يجري الحديث عنها قد تصبح طي النسيان مؤقتاً أو أن ملفات مهمة ومنها الحظر الاقتصادي على إيران قد تفتح من جديد ويعاد الاتفاق على صيغة جديدة للاتفاق بين الدول الكبرى وإيران دون المضي قُدماً في سلسلة العقوبات التي لوَح بها ترامب وكذلك الأمر ينطبق على كوريا الشمالية وحتى روسيا والصين.

أما إذا ما فاز الجمهوريون بانتخابات الكونجرس فإن ذلك سيمنح ترامب”خط دفاع أول” أمام عزله. وهذا يعني المضي قُدماً في نهج التغيير الدولي الذي يسعى إلى تحقيقه قبل نهاية ولايتة في العام 2020.

إن فوز الديمقراطيين يعني الكثير بالنسبة للدول التي استفادت من فوز ترامب في الحصول على مكاسب كبيرة سياسياً كونه رجل أعمال لا رجل سياسة ومنها السعودية لأن ترامب يُعد حليفاً قوياً لها كما أن إسرائيل ستتأثر بنسبة محدودة من تلك التغييرات على الساحة الأميركية من حيث الضغط الذي قد يمارس عليها في التهئية للحل النهائي للصراع العربي الإسرائيلي. أما الأردن فقد كان من أكثر الدول التي تضررت من سياسة ترامب إلى حد كبير لأنه لم يُعطِ بالاً للمصاعب التي يمر بها الأردنيون واقتصاد بلادهم جرَاء مواقف دُفعوا إليها بسبب تحالفهم مع قوى إقليمية ودولية ومنها الولايات المتحدة. وستدخل عدد من الدول العربية في مرحلة اللون الرمادي في سياستها مع الولايات المتحدة وأخرى في نفق مظلم يُدخلهم في حيص بيص السياسة الأميركية المتناقضة. وفي كل الحالات فإن الرابح الأكبر ستكون سوريا والعراق أيا كانت نتائج تلك الانتخابات.

كاتب عربي مقيم في واشنطن

رأي اليوم