"الغائية التاريخية"والإنسان"الآيل للإنقراض" (2/2)

يتغير الهدف المطلوب اثباته، بناء على الافاق او الحدود المقترحه كغاية للتاريخ، او مايطلق عليه في المعارف الراهنة ب "الاستراتيجيات البحثية"، فيصبح السؤال، هل الحتميات المتضمنة في الحقيقة المجتمعية التاريخية، مصصمة أصلا ومتجهة نحو مايتفق مع تحول "الكائن"، ام استمراره مع تحسن شروط حياته؟ طبعا حين طرح ماركس معتقده عن "الشيوعية" والعدالة المطلقة كحتمية تاريخية، لم يواجه بالسؤال البسيط المتمثل ب "لماذا"؟ لماذا يكون التاريخ الإنساني الحالي مصمما مسبقا لكي يفضي للعدالة والمساواة المطلقة، هو نفسه جاء بعد كثيرين قبله، تخيلوا ان "اليوتوبيا" ممكنه، او لابد منها كحلم ورغبة، لكنه الوحيد الذي اختلف عنهم ليقول "اليوتوبيا حتمية"، والتاريخ والوجود مصممان بما يفضي اليها، ثم قال داعيا لبلوغ ماهو حتمي، ان الفلاسفه قبله، كانوا"يفسرون العالم"، بينما هو قد اوجدته الطبيعة ل "يغيره"، بعدما حدد الوسائل والحتميات": صراع طبقي/ مراحل تتعاقب صعدا/، تازم عضوي/ طبقات واعية/ عنف ثوري هو القابلة، واذا بنا في الجنة. لماركس أيضا جنته الحتمية، العالم ينتهي، وينتقل مبتعدا عن المظالم والتمايز والقهر، عن " جهنم" التي هي من صنع الشيطان، الاقطاع والرسماليين المستغلين ومن بصفهم، الذين سيكون مصيرهم "جهنم"، بينما البشر يعبرون نحو الحلم، نظرية ماركس هي اختراع إله أرضي الفعل، قدر حتمي، يقود سفينته رب رحيم اسمه "الحتمية"، يجري الحسابات اليوم، ويفصل فيها الان، بعد ان كان قدّر مآلاتها ونهايات مسيرها. وماركس من سلالة "ابراهيمية"، وان كان حداثيا، أي صار بمقدوره ان يحلم بمملكة الله على الأرض "هنا والان"، لقد مل جينيا "المنفى" و "الجيتو"، وبمقابل عزلته كيهودي، حول البشر الى "يهود"، ادمجهم في "الجيتو" يعدما صيره "مدينة على رابية" ل " شعب مختار" هو كل البشر، وسع جدران الجيتو وابعدها لتصبح اسوارا خارجية للعالم، وللبشربلاتمميز، بينما اوربا تمنحه الوسيلة في زمن انتقالها خارج الرؤى السماوية، وبما يجمّد مفعولها: "الحداثة" و"العلم" وقد تحولا على يديه الى دين برؤية راهنة، والسماء نزلت على الأرض ليصبح الحساب/ الثورة/ والجنة "هنا والآن". اهم مافي مثل تلك الرواية المقلوبة المسحوبة من السماء الى الارض، انها تراءت مثل مخطط ظل خافيا مدفونا على مدى قرون طويلة، الى ان اتى ماركس واماط عنه اللثام، فاذا بالاشياء مقدرة ومصممة، واذا بها سيناريو اخفي من لدن يد خفية عليا الى يوم يوعدون ـ اعترف بها ماركس عمليا بحكم نظريته القدرية الحتمية ولم ينكرها سوى شكلا ـ، وهاهو أخيرا يعثرعلى الكنز في "الجزيرة"، ويجد المصباح السحري، ويبدأ قراءته على الناس، لم يكن البشر قبله يفهمون من الثاريخ غير قصص الملوك، وبطولاتهم، وانتصاراتهم، وهم يبنون الممالك، ويؤسسون المجد والعظمة، كانوا اعجز من ان يتبينوا المراحل، وصراع الطبقات، وعلاقات الإنتاج، وقوى الإنتاج، والتراكم الكمي، والتحول الكيفي، المراحل الخمسة من "الشيوعية" الى "الشيوعية"، بدائية أولا ، و"علمية" عند آخر الزمن، مثلها مثل نظرية ماركس التي تكشف عنها، وتوميء باتجاهها. اليست هذه رؤية توراتيه معلمنه، اليست هي مصممة على مانميل لتسميته نقصا "اكراهيا"هو من خواص الانسان الحالي الجسدي، البيولوجي، حيث القطعية والنهائية "كلام الله المنزل" او"التصميم النظري المحكم"، لوازم دالة على علة، وعلى قصور وجودي مبرر فقط لان العقل مسجون داخل الجسد وخاضعا له، ان نقيصة ماركس ونظريته تتاتى من كونه هو نفسه مفكرلاوسيلة بيده غيرالعقل المقيد والمحدود بنطاق الجسد. وميزته عن سواه تنبثق عادة من حقل التفكيرالمتاح داخل البنية المجتمعية وتقسيم العمل، حيث الحيزالمتحرر من وطأة العمل اليدوي، وشبكة الهيمنة الملازم له تمايزا وطغيانا، وهو لم ينس ذلك خلال رحلته التفكرية، فتحايل على نفسه وعلى البروليتاريا، بان أدعى ان مهمته وامثاله ك "مثقف"، هي ادخال الوعي للطبقة العاملة من خارجها، وهو تعبير مهذب القصد منه التعامل مع فئة من الجهلة، الأدنى عقليا، والقادرين خلال الثورة على أداء المهمة الحيوانية، مهمة النضال العملي والانقضاض، امالة الكتف من تحت الهيكل،كي ينهار على من فيه. ليس من طبيعة العقل المنتقص والمقيد موضوعيا وقبليا، التحري الزائد في المتناقضات وكشف استحالاتها، اذا هو وجد بناء تصوريا ممكن التحقق، يفوق نطاق تخيله، والمسافة بين العقل الجمعي عادة والعقل المتفرغ، هائلة، وهي من اهم الاستدلالات المتروكة على تفارق العقل والجسد حسب درجة تحرر العقل من وطاة اليد، وهذا جانب لم يره انجلز في "ديالكتيك الطبيعة" لانه منغمس في "الغائية الصغرى" والزاماتها، فلم يلحظ التفارق، خصوصا عند لحظات بعينها من التاريخ، تكون ملائمة لحصول قفزات تفكرية. وقتها لايبقى غير الزمن والتجربة ممكنين يحققان بالاختبار بعض الأسس المساعدة على تغيير الاحكام، وان هي ظلت كما كانت أصلا حسية، والاختبار او التجربة العملية تعني تحصيل المعرفة عبر مزيد من استخدام النطاق اليدوي المهيمن على العقل، على بطء النتائج المتحصلة منها، ولايقينيتها، و فجاجتها، بخلاف الحاصل والممكن في النطاق التفرغي لفئة وعالم "الفكر" والثقافة والشعر، ومختلف صنوف مايحتسب ابداعا، أي كل مايؤول الى المجتمع الموازي ونطاقه المشتمل على الدين والفلسفة والاخلاق. هل من تصميم تاريخي غائي اخر مقابل تصميم "المادية التاريخية" الماركسي؟ (لاتهمنا هنا الاضافة الشرقية الاستبدادية اللينينية للماركسية، لانها عمل مشعوذ نظري بارع وعبقري ستكون لنا معه وقفة لاحقة مستقلة). نعم التاريخ والوجود الإنسانيان مصممان ومحكومان لسيناريو، له بداية ونهاية، "مجتمع لادولة" ممنوع من التحقق، وباق حاضرا وحيا( بحثنا ديمومة "مجتمع اللادولة" في التكوين العراقي وتجدده ، عبر دورات حضارية عراقية ثلاث، في كتابنا : "ارضوتوبيا العراق وانقلاب التاريخ"/ دار الانتشار العربي / بيروت2008م 460 ص من القطع الكبير) وحيث يرى ماركس التاريخ "طبقيا" بناء لتكوين اوربا الاجتماعي المنشطر افقيا الى طبقات، نعتقد ان الانشطار العمودي بين تكوينين مجتمعيين "مجتمع لادولة" و " مجتمع دولة قاهرة" مركب فوقه، واستمراريه الصراع بين المستويين على مرور التاريخ، يتعدى من حيث نتائجه ودلالته القصوى، نطاق النموذج المجتمعي الغربي الأوربي، فالمجتمعات والحياة البشرية كما ينبيء عنها وضع العراق وبنيته الامبراكونية، هو دلاله اجتماعية أوسع مدى كونيا، تشتمل من بين ماتشتمل عليه، الحالة المجتمعية الاوربية، حيث الطبقات العليا المهيمنه بالتوالي هناك هي المقابل للدولة القاهرة العراقية، وحيث السيناريو هنا يبدأ بانتصار "الدولة القاهرة" على "مجتمع اللادولة"، وينتهي بنهاية الأول، إيذانا ببدء الزمن المعطل، او الممنوع من التحقق، او الكنز المخبأ في جزيرة، بالحضور والغلبة، قبل ان يشرع العالم بالانتقال نحو زمن اخر على وقع انتهاء قدرة "الدولة التمايزية القاهرة" على الحياة، بعد تآكل مقومات استمراريتها مو ضوعيا. يومها لاينتقل البشر والحياة الى "الشيوعية"، بل الى مابعد المجتمعات، ومابعد الانسان الحالي، فتنفتح افاق مرحلة مختلفة تتجاوز قدرة الانسان الحالي على الاستيعاء، بعد ان يصبح وجها لوجه امام حقب المراوحة بين التحول والانقراض. فالانسان الحالي، هو كائن موقت تحولي، وهو محطة انتقال ،بين الكائن الحيواني، والكائن العقلي، قبل انفصالهما عن بعضهما، وظهور"الكائن العقلي المستقل"، ولن ندخل بدايات الزمن القادم، الا بعد انتقال الانسان، من الإنتاج اليدوي والالي، الى العقلي التكنولوجي، واما التاريخ المعاش اليوم، فهو مصصم لكي يرتقي بالمجتمعات الى ماوراء العمل اليدوي، ومجتمع اللادولة الذي امتنع حضوره عند بدايات التاريخ في سومر في جنوب مابين النهرين،لانه كان يفتقر لو سائل الانتاج المطابقة لبنيته، بقي ينتظر حركة التاريخ المصممة للعبور من العمل اليدوي والالي الملائم للدولة التمايزية القاهرة وبنيتها، والسائرة حتميا نحو حتفها، بمجرد استنفاد ممكنات العمل اليدوي والالي. نعم الحياة والتاريخ ووجود الانسان، تنتظمها آليه غائية كونية كبرى، طورها الأول هو طورالعمل اليدوي وهيمنته على العقل، بالتوازي مع هيمنة الدول القاهرة التمايزية، ومرحلتها الأهم "الكونية" النهائية، هي مرحلة "اللادولة + الإنتاج العقلي/ التكنولوجي"، حين تبدا مسيرة انفصال العقل عن الجسد، والتحضير لانتقال الكائن الحالي المعروف بالإنسان، من الكوكب الأرضي، مبتدءا رحلته العظمى الكونية مابعد الأرضية، بصفته المتخلقة الجديدة مابعد الكائن العقلي الجسدي المزدوج الحالي. اذن ثمة غائيتان للتاريخ، الأولى صغرى، انقراضية جزئية، مقفلة النهايات. والثانية كبرى، اشمل، مفتوحه على "مابعد"، والانسان الحالي كما هو الان، مايزال اكثر تطابقا تصوريا وعقليا، مع الغائية الأولى، الأكثر توافقا مع كينونته الراهنه، وهو لن يعبر الى الثانية، الا اذا استطاع التخلص من اسرشروطه الغالبة المتحكمة اليوم، وهو مالايملك من الوسائل لبلوغه راهنا سوى بالتجريد الذهني المفارق لسطوة الجسد، والمنتمي لغير عالمه، ما لن يكون على مدى الأفق الزمني القادم، سوى فعل ومحط اهتمام  دائرة ضيقة .