صلاح الدين الأيوبي "غير مرغوب فيه"

Submitted on Thu, 10/11/2018 - 12:59

عبد اللطيف السعدون

حفظ كثيرون من أبناء جيلنا اسم صلاح الدين الأيوبي، منذ كانوا على مقاعد الدراسة الأولى. وتعرّف بعضنا إليه في فترة المراهقة، عندما استهوته قصة حب سيدة الملك، أخت الخليفة الفاطمي العاضد لدين الله لعماد الدين أحد قادة صلاح الدين، والتي كتبها جورجي زيدان في إحدى رواياته عن تاريخ الإسلام. ولذلك وجدنا صعوبة في أن ننتزع اسمه وصورته المتخيلة من ذاكرتنا، عندما قرّرت سلطة التعليم المصرية قبل عام اعتباره "شخصا غير مرغوب فيه"، وحذفت سيرته من مناهج الدراسة، على خلفية تسمية حملات الغزو الأوروبي بلاد المسلمين في القرنين الأول والثاني للميلاد "حرباً صليبية"، مع أن أول من أطلق هذا الوصف المؤرخ الفرنسي لويس ممبور الذي كان يعد في حينه مؤرخ البلاط، وما هو مثبت تاريخيا أن خطبة مجمع مدينة (كليرمون فران) الفرنسية، في إطار تمهيد تلك الحملات، حثت الأتباع على التطوّع في "الحملة المقدّسة إلى أرض كنعان التي تفيض حليبا وعسلا" واعدة إياهم بأن "الخطايا سوف تمحى لكل من يموت في الحملة"، وماتزال الخطبة المذكورة، والخطب الأخرى المتوافقة معها، موثقةً في المراجع التاريخية التي ذكرت أن الحملة تحض على العنف والكراهية ليس ضد المسلمين فحسب، إنما ضد أتباع الديانة المسيحية من غير الكاثوليك. ويسجّل للبابا شنودة الثالث إعلانه براءته منها، لأن "الصليب أداة للفداء وليس للاعتداء، وأن المسيحية الحقة تخالف الفكر الصليبي، وقد استتر الغزاة وراء الدين، ووراء عبادة الأماكن المقدسة، ثم سرعان ما انكشفت نياتهم"! 

 


غابت هذه الوقائع التاريخية وغيرها عن سلطة التعليم في مصر، كما عن ذهن كاتب ومفكر كبير (هكذا يصفونه) هو يوسف زيدان الذي أبدى في ندوة تلفزيونية، أخيرا، حماسا غير معهود في شتم صلاح الدين، ووصفه بأنه "من أحقر الشخصيات في التاريخ الإسلامي"، ونصب من نفسه حاكما ليقرّر وبحسم "أن صلاح الدين ارتكب جرائم ضد الإنسانية، عزل الرجال عن النساء، فانقطع نسل الفاطميين في مصر بعد توليه الحكم، وأحرق مكتبة القصر الكبير لدواعي محاربة الفكر الشيعي.. وهو لم يحرّر القدس، بل عقد صلحا مع الصليبيين، بعد حروب انتقاما لشقيقته فقط"! 
أطلق "المفكر الكبير" هذه الكومة من البذاءات من دون تمحيص أو تدقيق، وحتى من دون أن يتبادر إلى ذهنه أنه يتحدّث في التلفزيون الذي تشاهده عادة جمهرة واسعة من المتلقين، وليته عفّ فكفّ عن ذلك، إذ كان في وسعه مناقشة روايات التاريخ بأسلوب رفيع ونزيه. لكن، يبدو أن وراء بذاءاته هذه العقدة نفسها التي حملت سلطة التعليم في بلاده على أن تكون ملكية أكثر من الملك، وأن تعمد إلى حذف فصول كاملة عن صلاح الدين من المناهج الدراسية قبل عام، وكذا في واقعةٍ مماثلةٍ سابقة في زمن الرئيس المخلوع حسني مبارك، عندما أقدمت هذه السلطة نفسها على تنحية مادة "التاريخ العربي والإسلامي" من مناهج الدراسة الأولية والثانوية جانبا، واعتبرتها مادة اختيارية في اطار الاستجابة لدعوة الولايات المتحدة الحكومات العربية في أعقاب "11 سبتمبر" إلى إعادة النظر في المناهج الدراسية، معتبرة التركيز على الشخصيات والرموز التاريخية العربية والإسلامية تحريضا على العنف ولإثارة الكراهية ضد أميركا والغرب، وتم التراجع عن هذا الإجراء نتيجة الضجة التي حدثت إثر ذلك. 
وأيضا، وبالمنحى نفسه، طلب الأميركيون من الحكومات الإسلامية مرة حذف آيات كاملة من القرآن الكريم، بحجة أنها تسيء لليهود، وتحرّض على كراهيتهم، وقيل إن دولة عربية واحدة على الأقل التزمت بهذا "التوجيه"! ماذا لو أن بلدا عربيا واحدا عامل الغرب بالمنطق نفسه، وماذا لو اعتبرنا الرئيس الأميركي الأسبق، جورج بوش، مثلا "شخصا غير مرغوب فيه"، وهو الذي وصف حروبه علينا بأنها "امتداد للحروب الصليبية"، وزعم أن غزوهالعراق استجابة لرسالة إلهية، وفي حينه صمت الحكام العرب عن أن يقولوا إن حروب بوش تثير الأحقاد، وتؤجج العنف والكراهية! 
نذكّر "المفكر الكبير" يوسف زيدان بما قاله أندريه مالرو "لا شيء يثبت وجود الأبالسة على الأرض. ولكن، ما من شيء أيضا يثبت غيابهم، لذلك تتم الاستعانة بهم واستدعاؤهم عندما تشعر القوى الشريرة بالحاجة لهم"، ونتمنى له بصدق ألا يكون واحدا من هؤلاء.

العربي