ما بين زمنين - تجربة الحياة في براغ في ظل النظامين الاشتراكي و الرأسمالي – ج 2

زياد العاني

كنت قد ذكرت أن زيارتي الاولى كانت في صيف 1984 وتحدثت عن لقائي بالصدفة مع أستاذ الكيمياء الدكتورفيروفيتش. وطلبه مني زيارته في قسمه بمدرسة الكيمياء التكنولوجية العليا والتي قمت بها بعد يومين. 
ذهبت الى مكتبه في المدرسة العليا للكيمياء التكنولوجية في منطقة براغ 6 الملحق بمختبر واسع يعمل فيه مع أستاذ آخر و لان الوقت كان عطلة صيفية كان هناك عدد محدود في الكلية من طلبة الدراساتت العلياو أساتذتهم المشرفين. المختبر كان مخصص للابحاث ومجهز بأحدث الاجهزة أبهرتني نظافة المختبر، كونه مختبر كيمياء ولكنك لا تشم رائحة مادة كيميائية واحدة و لا تجد اناءا غير نظيف أو مهمل على طاولة و توجد فيه عدد من مزهريات ورود على الشبابيك تكاد أن تطغي روائحها على جو المختبر بحيث أنني قلت له أشعر بأنني في حديقة بيت وليس في مختبر كيمياء. أبلغني بأنهم يعطون الاولوية الى الامن و السلامة و النظافة وتوفير البيئة التعليمية الجاذبة.

بعدها ذهبت معه الى المكتبة وتقع في الدور الارضي لمبنى ضخم مجاور مخصص لصفوف التدريس والمكتبة و الكفتيريا . وكان أعجابي بالعدد الهائل من الكتب و المجلات العلمية في أربع لغات هي التشيكية و الالمانية و الروسية و الانكليزية. فتجولت في جناح المصادر الانجليزية والذي كان يوجد فيه آخر الاعداد من المجلات العلمية المعروفة في مجال التخصص و الصادرة بالانكليزية وتتوفر عندهم ملخصات اطروحات دكتوراة حديثة وخلال الفترة القصيرة لهذه الزيارة وجدت ملخص اطروحتي الصادرة في 1981 و ثلاثة من الابحاث المنشورة منها و أشرت لهم اليها. في جزء لاحق سأتكلم عن زيارة لنفس المكتبة في سنة 1993 و أتحدث عن الفرق في توفر المصادر.

دعاني الدكتور فيروفيتش الى الغداء في مطعم الكلية في نفس المبنى وأثناء الغذاء عرفني على رئيس القسم البروفيسور كراليتشكو. أقترحا علي التقديم على برنامج تدعمه اليونسكو لباحثين من دول العالم الثالث يتضمن تدريبا أوليا لمدة شهرين في جامعة تشارلس ومن ثم أجراء أبحاث في كلية الكيمياء التكنولوجية لمدة سنة تقريبا. فأعجبني ذلك المقترح. العدد الاقصى هو عشرة باحثين يتم اختيارهم وفق معايير خاصة و اجتياز مقابلة و اختبار في شهر مارس ووجوب الحصول على تزكية من المؤسسة التعليمية التي تنتمي لها.

بعد أقتناعي بفكرة التقديم على المنحة للسنة الاكاديمية 1985-86 قررت أولا تمديد تأشيرتي التي كانت ستنتهي بعد أيام و بالتحديد يوم 22/7/ 1984 وهو تأريخ أنتهاء جواز سفري العراقي. أتصلت بأحد الاصدقاء العراقيين المقيمين في براغ لمساعدتي بالحصول على تمديد لمدة شهر وكان النظام هو أن يتم تصريف 20 دولار (على ما أذكر) بالمصرف عن كل يوم وبالسعر الرسمي (كان الدولار وقتها 8 كرون أو أقل قليلا وفي السوق السوداء كان يعادل 28-30 كرون ( احدى المظاهر السلبية للنظام الاقتصادي الاشتراكي). ولكن الخوف كان من عدم موافقتهم لان صلاحية الجواز كانت ستنتهي بعد أيام. تمكنت من الوصول الى أحد المقيمين العراقيين والذي له معارف وتم تجاوز الاشكال وحصلت على التمديد لمدة شهر.

بدأت أتعرف على المدينة ومعالمها وقمت بزيارة المتاحف و المسارح و المقاهي ومنها المقهى الشهير الثاني المسمى " أوبسني دوم" الذي يقع في مبنى سلافونسكي قرب المدينة القديمة و الذي يوجد فيه مسرح كبير تقام فيها حفلات للموسيقى والمسرح و الاوبرا و يقابله مسرح آخر . وكان هذا المقهى هو أحد المقاهي المفضلة للجواهري و العرب بصورة عامة و خاصة خلال فصل الشتاء في حين كانت سلافيا هي المفضلة صيفا. كما قمت بزيارة مدينة كارلوفيفاري المعروفة بمصحها وبمهرجانها السينمائي الدولي. وخلف المقهى من الطرف الشمالي تمتد المدينة القديمة بأبراجها و أسواق التحفيات و الساعة الفلكية الشهيرة التي يزيد عمرها عن الستمائة عام وهي أقدم ساعة فلكية تعمل لحد الآن منذ أوائل القرن الخامس عشر و هي أحد معالم براغ الاثرية الرئيسية . و تعتبر محطة للسواح عندما تدّق على رأس كل ساعة حيث تنفتح أبواب في أعلى برج الساعة تتحرك خلفها تماثيل لها دلالات دينية و تأريخية سأتطرق لها في اجزاء أخرى.

بعد انتهاء الاقامة في نهاية شهر آب بدأت أحضر للعودة بجواز سفر منتهي الصلاحية يستوجب الخروج من تشيكوسلوفاكيا و الدخول الى سويسرا و الخروج منها ثم الدخول الى ليبيا و يتطلب ذلك بعض الشرح كونها تتضمن مفارقات لطيفة سآتي على ذكرها في بداية الجزء الثالث بعد عودتي من سفرة عمل قصيرة لبضعة أيام . في الصورة الاولى يظهر جسر تشارلس و قلعة براغ التأريخية و الثانية لي أمام مقهى ومسرح أوبسني دوم خلال زيارتي الاخيرة في أيلول الماضي.

يتبع