بيان الانتقال الى الوعي الكوني

عبد الأمير الركابي

يقف الانسان اليوم على عتبة الانتقال الى الوعي الكوني، يعني هذا ان زمن "الارضوية"، وهيمنتها على العقل، لم تعد تحظى باسباب الاستمرارية، وان مفاعيلها، لم تعد طاغية كما ظلت على مدى يقارب السبعة الاف عام، ومن الان فصاعدا سيكون العقل الانساني منشغلا بكيفيات الانتقال الاعظم من "الجسدية"، و "المجتمعية" الارضية، الى مامفترض ان الانسان وجد بالاصل كي ينتقل صوبه.
والمقصود مرة اخرى وتكرارا، انفصال العقل عن الجسد، والذهاب الى العوالم والاكوان، الامر الذي سيكون من دون شك اجماليا وهدفا نشوئيا اجباريا،عاما، الارجح ان حقبة ابتدائية انتقالية سوف تكون مناسبه له كاستهلال، على الاقل باعتبار المعطيات المتاحة، او التي بالامكان تخيلها، بما في ذلك، او من بين ذلك، ماهو وارد بين الانشغالات البشرية من احتماليات العلاقة مع الكواكب الاخرى، وسواء اكانت هذه التسمية منطبقه على الحالة المقصودة، او انها تحتاج لتعديل مناسب لاحق، كما الحال مع كل مفاهيم الارضوية، فان الاهم في هذه الحالة، تتاتى او تتركز على تقدير الاثر المتروك في الانسان بهذا الصدد، بحكم اشتراطات وجوده وكينونته.
ان مسالة التخاطب بين السماء والارض، ووجود الرسالات والوصايا النازلة، او حضور المخلوقات الاخرى، مثل الجان والملائكة وغيرها، تواكبها احيانا وعبر نصوص من العالم التوراتي، اشارات لسفن، او مركبات فضائية، او مايشابهها، من التماعات مذهلة بحسب المقاييس الارضوية، وصفت عبر نصوص، وشذرات لها علاقة تماس مع عالم السماء، بما يشكل بمجمله نافذه احتمالية وارده، وحاضرة في التوجس الانساني الكوني، بقدر ماهو متاح او ممكن ارضويا.
هذا المستوى من العلاقة التماسية، لن يكون سوى ملمح ابتدائي، مادام مصدره، او مصدر اعقاله ارضوي، الامر الذي يشكل حائلا موضوعيا، دون امكانية انكشافه الضروري، ولعله من البديهي ان نتصور، بان مايذهب اليه الانسان من محاولة الالتقاء بالعوالم الكونية، مستحيل، مادام هو بالذات مايزال كائنا ارضيا، وان مجهود العوالم الاخرى الكونية، المبذول افتراضا لتحسيس الكائن الارضي بها، مقتصر من ناحيتها على ما يمكن ان يتوفر من ثغرات داخل البنية المجتمعية الارضوية الانسانية، مع ان الاكيد، ان الحضور الكوني بطوره الاستهلالي على الاقل، لايمكن ان يصبح حقيقة، ومجال فعالية متطورة، الا اذا اجتاز الكائن البشري حدود ارضويته، وصار منفتحا على ماوراء عالمه المتحكم بوعيه الى الوقت الحاضر. ليس ولن يكون واردا، التحادث، ناهيك عن التواصل، بين عالمين لايتكلمان اللغة نفسها، بالاخص مع انعدام المترجمين.كما هي الحالة التي نتعرض لها.
مع هذايحتل مجال البحث وراء الافق، وخلف المنظور، مكانا اكثر مما يتوقع المرء، وثمة قصص عن عالم اسمه "الصحون الطائرة"، الى جانب مجهودات ضخمه في السينما والمسلسلات، المبنية على مايعرف بالخيال العلمي، يبدو انها ستكون عرضة لاعادة الفحص، وبالذات الايحاء بامكانية مقابلة الكونية، خارج الارض، بوسائل ارضية، من قبيل الصاروخ، او المركبات، او المحطات الفضائية، وكلها من مواد ارضية، ومركبة بحسب مقاييس فيزيائية ارضوية، ليس هنالك مايؤكد صحتها على مستوى الكون وقوانينه غير المدركة بعد، وهو مايشمل مجمل قوانين الزمن، والسرعة والكتلة، سوى الفاصل الذي تتجاهلة تلك الايحاءات عادة، خلال ايحاءاتها الكونية الانتقالية، وبالذات المجتمعية منها، وصلة اي مسعى من هذا القبيل، بالحركية المجتمعية الراهنة، وبمصير الكائن البشري، هذا اذا لم نفترض وجود احتمال تطابق او تنافر بين التكوينات المجتمعية المختلفة، وشروط الانتقال الكبير الى الاكوان العليا.
يركن جانبا في العادة، مظهر الخروج على "الصندوق العقلي الارضوي" كما يتجسد في الجنون، والادمان، والمسكرات، او الخروج من الهيئة الاجتماعية، كعتبة اولى/"الكلوشار الفرنسي" تحديدا/، او حتى النزعة الانتحارية، ان الالهة بحسب قصة الخلق السومرية، خلقت الانسان لكي ينوب عن الالهة في الاعمال الدنيوية، وكانت منتشية بعد تناولها الخمر، دلاله على تخليص العقل، من ثقل ووطاة الصندوق العقلي السائد. ويمكن تخيل حجم الادمان، على المخدر، او المسكرات، ومعها مايعرف بالجنون، او العقل المتعدي، او المتجاوز لممكنات السائد في الهيئة المجتمعية والارضوية. وهذه المجالات على ضخامتها، بمافي ذلك المذكور عن نزعة الانتحارية المتصاعدة، لابد ان يكون قيد المعالجة، اذا لم يدخل هو عالم الحضور التحولي، باعتباره الاكثر تلاؤما كمنطلق، مع المستجد العقلي الكوني.
ليس من شك بان منطويات العلاقة بالجسد، ستكون في الواجهة، اذا اريد وقتها اعادةتحديد: هل ان الانسان يسكن بالفعل الكرة الارضية، ام انه يسكن الجسد، وان هذاالاخير، هو الجزء المكون من عناصر التلاؤم مع الارضوية ومن يسكنها اجبارا، وقتها لابد من التفريق بين عنصري الكائن الانساني بعد ظهور العقل، وتحول هذا الى كائن مزدوج ( عقل / جسدي)، والجزء الاخير، هو من البقايا الطبيعية من طور الصيرورة الاولى، الحيوانية المتجهة الى الانسان، الامر الذي لم يعد قائما من وقتها، وبمجرد انبثاق عنصر العقل، حيث حلت الصيرورة الحالية، المحكومة لقانون الافتراق العقلي، عن بقايا الحيوانية العالقة، اي الجسدية. وقد تكون معادلة التحول عند منطلقها، محتاجة لمثل هذا التعيين للمكونات وانتساباتها، وادوار كل منها، وبالتحديد عند لحظة بدء العزم على اجتراح طريق التحول.
وربما سيكون من اكثر الاكتشافات ادهاشا، وقوف الانسان على القدر الهائل من مضان علاقته بالكونية العليا، لابل ووثوقها وقوة، فعاليتها، ان المروية الابراهيمية باعتبارها اعظم منظور كوني، وارسخه في الوجدان والعقل البشري، ليست غير صيغة من صيغ مقاربة الكونية، لكن عند لحظة، او زمن سطوة الجزء الحيواني من الكينونة البشرية على الانسان والعقل، فبسب هذه، تتخذ التحولية منحى مؤقتا، على شكل الالوهية الجبرية، والعبودية البشرية،كضمان لاستمرار التحلي او الالتزام بقيم "امة اللادولة" التي هي الانموذج المجتمعي التحولي، السومري، من دون كل المجتمعات البشرية على مستوى الكوكب.
وفي الفارق بين الكينونة، والتحقق الذي يشترط توفر الوسيلة المادية للانتقال، ممثلة بالتكنولوجيا، والانتاج المعرفي كمحطة اخيرة لازمه، يذهب مجتمع التحول وقتها اضطرارا، الى رفع السلطة من الارض للسماء، مع منظومة تفكرية الهامية اساسها، اجبار البشر على الانصياع لقوة وجبروت الخالق الاوحد، شديد العقاب لحد السادية، والثواب، كتعويض زجري كوني موقت، محايث ومواز لغياب وسيلة التحول الاعظم. وخلال زمن انتصار الارضوية الاجباري المؤقت، وسطوة منظورات المجتمعات الاحادية، بما في ذلك ارقاها، واعلاها دينامية، كما حال المجتمعات الطبقية الاوربية الحديثة.
انني شخصيا، لم اسمع او اصادف ملمح يمكن ان انسبه لغير عالم الارضوية، الذي نشات ضمنه وفيه، وكثيرا مايخطر لي عالم المتصوفه، فارثى لحالهم كمتحولين طماحين كبار، اثروا عالم الخروج من الجسدية، وان بدون افق، ركبوا برغم انسداده، ومن دون رؤية متجاوزة لعالم الخالق الاكراهي، اي "الله" الحالي، المصمم ضمن اشتراطات اضطرارية. واذا كنت اتصور نفسي ذاهبا نحو حواف العالم التحولي احيانا، فلقد تعلمت ابتداء، ان اخرج من ثقل العالم الموروث، على مدى نصف قرن من السعي، بداية من اشتراطات الارضوية. بينما كان علي ان اتساءل، عن المحرك، او الدافع الذي حداني اصلا، للتنبه لمثل هذا السبيل، المبهم، والغامض، والعظيم. الامر الذي اجد من المستحيل ان لا احيله الى حكم وحافزية. وبنية المجتمعية التي صادف اني انتسب لها، واجيء زمنيا في الطور الاخير الثالث من دورات، واطوار تجليها الرافديني التاريخي، بين الصعود / الحضاري/والانقطاع.
لهذا اجدني مدفوعا لان ادعوا العراقيين بالذات، الى التهيؤ من هنا وصاعدا، لاجتراح السببيل الاكبر، المقدر والمقرر عليهم، خصوصا وانا اعلم تماما، بان هذا الموضع من العالم، يعيش التفارق الاقصى بين الحاصل والمطلوب، وبين نوع الوعي المتهالك، المتردي، والمستعار بتهافت من خارج المكان، مع انماط من المقاربة العقلية الشائعة المتهالكة المتداولة. ان مسالة التحول "مجتمعية" في المقام الاول، وهي لن تتحقق في الغرب، وبنيته الاحادية المقفلة، والبؤرة التي منها سوف يتجلى النزوع البشري، الى الطور القادم من الوجود عمليا، مرهون بنمط "امة اللادولة"، حيث نزعة مفارقة الجسد، والتصعيد العقلي خارجه، وتركه مع كل مايترتب عليه من صغار، واثم،هو من متبقيات ماض ولى، حيث الانتقال من الالهية الاكراهية والانسان العبد، الى الكائن الفعال خلقيا، اي المرحلة الاعلى من العلاقة بالكون والخلقية الابدية الكبرى، حيث الربوبية غير منفصلة، ولامستقلة عن اجمالي الوجود الحي، الفعال.
ارض الرافدين، عند زمن مابعد النهرين، ترى الى نفسها والعالم، من منظار التحول، والعقل الجبار، النازع للانفصال عن الجسد، ومن يتمرغون اليوم مكتوين بحمى ماهم فيه من احتدام اقصى، عليهم ان يعلموا بان المنظور الارضوي الادنى الدوني المتصاغر، ليس هو مايتطابق مع ايقاع، ومسار، ومنطويات الموضع الاستثنائي الذي ينتسبون له.. لاوجودا، ولاكينونة، ولا مآلا.