الإصلاح والثورة في روسيا: العبرة التاريخية والبدائل المستقبلية (1)

د.ميثم الجنابي

التاريخ الروسي شأن تاريخ الأمم الأخرى، ميدان للفضيلة والرذيلة، نعثر فيه على كل المظاهر الممكنة للوجود الإنساني. غير أن ما يميز تجارب الأمم هو أصالة إبداعها. وليس المقصود بالأصالة هنا سوى ما يمكنه شحذ الذاكرة والوعي برموز المناعة ضد تكرار الخطيئة والخطأ. وهذا ما صاغه الفكر العربي القديم في مفهوم العبرة. فالعبرة هي تعبير عن إدراك لمعنى، واعتبار لماض، وعبور منه إلى مستقبل يجعل من تجارب الأسلاف حكمة الحاضر لا غنيمة المصالح ونزوات النفس البهيمية. إذ أن الحياة في نهاية المطاف هي بداية ونهاية، والتاريخ صداها الملموس والمجرد في الآثار والمآثر.

فالاعتبار بالماضي ليس تقليد مشاريعه الناجزة أو المجهضة، إذ لكل مشروع "منطقه" التاريخي في الفرادة وانعكاسه الوجداني في المصير. ومصائر الأمم هي تجاربها لا غير، لأن ما يخرج إلى الوجود هو استعداد لما فيها كالجود عند الكريم والشح عند البخيل، كما يقول ابن عربي. والاستعداد ليس فقط "حكم الأزل" بل والقدر التاريخي للإرادة. وعلى قدر إدراك النسبة الممكنة بين الأزل والتاريخ تتكون حصانة الرؤية والأفعال. إن الأزل ليس الغيب اللاهوتي في سواده المجهول، بل المصدر المتسامي للرؤية المتفائلة أيضا في حالة توظيفها العقلاني لشحذ الأمزجة بما يكفل لها إنقاذ العزيمة من جريمة الخور والهزيمة. ويمكن القول بأن التاريخ الروسي هو تاريخنا أيضا. لأن الرؤية العقلانية ينبغي أن تؤسس لذاتها حتى على تجارب الآخرين وليس بتكرار نماذج هذه التجارب أيا كانت نتائجها. فالتجارب البشرية لا تحب التكرار لأنه لا إنسانية فيها غير معاناتها. والمعاناة لا تعقل إلا بمعاييرها. وهي معايير ذاتية. ومن ثم فإن العبرة الوحيدة في التاريخ الروسي بالنسبة للعالم العربي تقوم فيما لا ينبغي تكراره. وهي عبرة لها قيمتها بالنسبة للكيان الذي تربى كثير من أحزابه وقواه الفكرية على تكراره ومحاكاته بالعبارة والمظهر، بحيث جعل من تاريخ هذه الأحزاب والقوى نيازك مجهولة الآثار وعديمة المآثر. لأن المآثر تفترض خوض غمار المجهول لا طرق المطروق، وإلا كانت هدية بين أصابع عجوز هرم!

ما من أمور اعقد على التكرار من الإصلاح واشق منه على العقل والضمير. فالإصلاح يكثف حزمة المعاناة الحقيقية وأضواءها المتوهجة على خشبة المسرح التاريخي للأمم. ففيه يتجلى حكم الأزل والإرادة أو الماضي والمستقبل وعلى قدر إدراك ماهية الإصلاح المفترض وتأسيسه العقلاني تكون مصائر الأمم، أي أن المصير يتوقف على قدر الاستعداد القائم في الأمم وقواها العاقلة. وهو استعداد تتوقف فضائله على وجود الوعي الذاتي بينما تتوقف رذائله على فقدانه. بصيغة أخرى إن عظمة الإصلاح تكون على قدر تأسيسه الذاتي بمعايير المرجعيات الثقافية الخاصة بوصفها الضمانة الوحيدة التي يلقيها إلينا التاريخ العالمي باعتبارها عبرته الحكيمة.

فالتاريخ العالمي بمعناه المتسامي هو تاريخ الصلاح والإصلاح. والإصلاح هو الرؤية الفعلية للواجب، والرؤية التي تتضمن بأقدار متكافئة حجج العقل وإحساس الضمير في محاولاتهما استكناه حقيقة الغاية الكبرى للجوهر الإنساني والخير العام. وهي رؤية تحكمت وما تزال تتحكم بالهواجس والمشاعر والأفكار التي لا تفتأ تعاني في بحثها عن معنى الوجود الإنساني الحق. وإذا كان "الإجماع" التاريخي المجرد قد بلغ ذروته في الإقرار بمبدأ الوسط باعتباره التجلي المعقول للحق، فلأنه إجماع تراكم في مجرى السيل الأخلاقي لتجارب الأمم باعتباره سبيل إدراكها المجرد للواجب. ومن الممكن العثور على هذا التراكم في أساطير الأمم وحكاياتها وفي إبداعها الوجداني وعقولها النظرية. وليس مصادفة أن يقرن الإسلام الصلاة بالفلاح في دعوته للآذان. فالفلاح هو إصلاح الروح والجسد. وليس لأن الفلاح والصلاح شيء واحد بالمعنى انطلاقا من أن فلاحة الأرض هي استصلاحها والعكس هو الصحيح، بل ولأن الغاية العملية منهما تهدف إلى خدمة الأرض ومن عليها. وهي حقيقة تمحورت عليها وحولها تجارب الأمم من أجل بلوغ السعادة. فالسعادة هي الغاية التي تسحق وتمحق نتوءات الأفراد والجماعات وتستثير فيهم في نفس الوقت كوامن المجهول بهيئة تحد وثورة، وإصلاح وتعمير. وتجبرهم أيضا على الوقوف عند كل منعطف حاد بغية تأمل ما جرى بمعايير الوعي الذاتي، أي تجبرهم على الوقوف أمام الإشكالية الأكثر تعقيدا بالنسبة للعقل والوجدان، اللذين لا يكون أمامهما أحيانا للتعبير عما يجري سوى لغة المفارقة لا عبارة المنطق. مما يجعل من العبارة المفارقة أسلوب تحسس الخيبة والأمل.

فالتاريخ الواقعي للأمم يحتوي بالضرورة على جملة من المفارقات المعقولة واللامعقولة. وبهذا المعنى لا يشكل التاريخ الروسي شذوذا. غير أن له، شأن تواريخ الأمم الكبرى مفارقاته الخاصة. ولعل قضية الإصلاح من بين أكثرها واقعية وحيوية1. وذلك لأن تاريخ الأمم جميعا هو ميدان تجلي الممكنات. ومن ثم فإن الإصلاح أمر طبيعي فيها. ولكل طبيعة نموذجها. فقد تكون الثورة هي الأسلوب الأمثل للإصلاح كما هو الحال بالنسبة للثورات الكبرى، لا الانقلابات الصغيرة المميزة للمغامرين والأنذال. وقد يصبح الإصلاح هو الأسلوب الأمثل. إذ لكل مرحلة وظروف متطلباتها أو ضروراتها التي تجعل من الثورة أو الإصلاح مجرد أسلوب في حل المشكلات الكبرى القائمة أمام الأمم. أما في روسيا فقد أحدثت فيها الثورة البلشفية انقلابا عميقا تاريخي المحتوى، إضافة إلى محتواها العالمي. أما ما سمي في وقت لاحق بعد حل  الاتحاد السوفيتي، "بالثورة الديمقراطية" أو "الثورة الرأسمالية" فهو تلاعب بالألفاظ ونكوص فعلي إلى الوراء سواء بالمعنى الاجتماعي أم الأخلاقي أم الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي.

ففي قضية الاصلاح وحولها يكمن أحد الأسباب الجوهرية لإشكال روسيا على الروس أنفسهم. وهو إشكال حيوي له قيمته الشبيهة بالقيمة التي اكتشفها أبو حيان التوحيدي عندما قال بأنه لا شئ أشكل على الإنسان من الإنسان نفسه. إننا لا نريد إجراء مقارنة أو تمرير موازاة بين تاريخ الإنسان وتاريخ روسيا، ولا أن نجعل أيا منهما نموذجا للآخر. فلكل منهما تاريخه الخاص في المعاناة. فمعاناة التوحيدي هي معاناة الثقافة الإسلامية في اكتشافها للأبعاد الخالدة في الوجود الإنساني. أما إشكال روسيا على الروس أنفسهم فقد عبّر عنه الشاعر الكبير تيوتشف (1803- 1873) في إحدى قصائده الشهيرة قائلا أن روسيا لا تدرك بالعقل، ولا يمكن قياسها بمقياس عام، وليس على المرء إلا الإيمان بها. ولم يقصد هو بذلك استحالة معرفة روسيا بالعقل، بقدر ما كان يقصد ضرورة عدم تطبيق التصورات والأحكام التقليدية والجاهزة عليها. وهي رؤية سليمة للغاية من حيث المطالبة بالنظر إلى تاريخ الأمة وتجاربها بمعايير غير عادية. وإذا كان تيوتشف قد نظر إلى هذه المطالب بمعايير "اللاعقلانية" فليس ذلك إلا لأنه أراد رفع إشكالية الواقع الروسي إلى مستوى الحدس الوجداني. لقد تعامل مع الواقع الروسي بوجدان الشعر المتسامي وكشف عن أن روسيا عصية على من لا يؤمن بها. وهو انطباع  متأت من وخز الآلام التي ولّدها كسر التقاليد الروسية وإخضاعها، وبالأخص بعد المرحلة البطرسية، لهوس المحاكاة العمياء للنزعة الأوربية في كل شيء.

 لكن لو تجاوزنا عبارات الذوق الشعري لإشكالية الروح الروسي، فإننا سوف نقف بالضرورة أمام الحيثيات الواقعية ومحاولات الرؤية الإنسانية لتذليل هذه الإشكالية. فالقضية هنا لا تكمن في تعارض العقل والإيمان من حيث محاولاتهما فهم التاريخ الروسي واكتشاف حقائقه الخاصة به، بل في القلق المثير للعقل والوجدان من حيث تعاملهما مع الإشكالية الكبرى لوجود روسيا التاريخي وتجربتها الثقافية. فهي الإشكالية التي جعلت من الصعب أحيانا فهمها حسب قواعد المنطق (العقلي). وهنا تجدر الإشارة إلى أن فرادة الأمم تتمثل في كيفية حلها للمعضلات الكبرى لوجودها الاجتماعي - السياسي والثقافي. وأن تاريخ روسيا هو تاريخ وجودها السياسي والثقافي، وهو تاريخ معقول سواء بمقاييس العقل أو الإيمان اللذين ينتج تعارضهما الشديد عن تعارض الحس الوجداني والعقل المجرد في رؤيتهما لواقع وآفاق تطورها. أما ارتقاء هذا التعارض إلى مستوى "المرجعية" الثقافية في الوعي الروسي التاريخي والأدبي فهو نتاج تطور الدولة الروسية وانعطافها الحاد عن "المسار الطبيعي" لكيانها الروحي (أو الماوراطبيعي).

  إن تحول تضاد العقل والوجدان إلى "مرجعية روحية" قابعة وراء أحكام ومواقف القوى المختلفة، يعكس أولا وقبل كل شيء تناقضات التكون التاريخي للدولة والأمة الروسيتين. فقد مرت روسيا بمرحلة طويلة قبل بلوغ استقلالها عن السيطرة التترية. وأدى هذا الاستقلال في بداية الأمر إلى تغذية مشاعر القوة، ون ثم استثارة الطاقات الكامنة للتوسع خارج حدود "روسيا الطبيعية" بدءا من إيفان الرهيب، الذي احتل قازان عام 1552. فقد كان احتلال قازان الخطوة الأولى في تبلور الذات الروسية القومية والدولتية. مما أثار بقدر واحد تهور الدولة والأمة في نظرتهما لذاتهما وللآخرين. وهو تهور له منطقه الطبيعي عند الأمم جميعا في حال خروجها من مأزق الخضوع إلى رحاب السيطرة. وهو خروج عادة ما يتخذ مظاهر غاية في التباين تتراوح بين الانزواء والاستكبار. أما الصيغة "النهائية" لهذا الخروج فعادة ما تحددها سيادة الأولويات في السياسة الداخلية والخارجية للدولة. وقد اعتمدت روسيا حينئذ صيغة المركزة الشديد للدولة وصيغة التوسع الخارجي من خلال ضم الأراضي المسلوبة. واستحدث إيفان الرهيب نظام "القوات الخاصة"، باعتبارها القوة الضاربة والحامية في نفس الوقت لشخصه ولإصلاحاته الإدارية في مواجهة القوى التقليدية. وأدى ذلك إلى استفحال قوة القمع المنّظم في تمرير التغيرات دون المساس بطبيعة النظام السياسي والاجتماعي. ووجد ذلك انعكاسه في صعود فكرة المركز الروسي العام، مثل تحول إيفان الرهيب إلى "قيصر روسيا" عام 1547، وتحول الميتروبوليت الموسكوفي إلى "بطريرك روسيا" عام 1589. وهو  تحول كامن في أجنة الوعي الروسي السياسي والديني، ولاقى تجليه الأيديولوجي الأول في صعود فكرة "الرسالة الروسية" ومكانة موسكو فيها باعتبارها "روما الثالثة". بهذا المعنى يمكن فهم المساعي التوسعية لبطرس الأول ومحاولاته ترسيخ "الروح الإمبراطوري" لروسيا.

إن ظهور فكرة "الرسالة القومية" يرتبط عادة بالتحدي الميز الروح الساعي لتجسيد ما يعتقده خاصا  به.  وهذه الرسالة ليست اكثر من أحلام نابعة من سيادة الوجدان أو فيضه المفرط. والنتيجة المترتبة على ذلك - هي الطيش والتهور، ومشاعر الحب والازدراء، والانتقام والتشفي من كل استثمار جدي لتجارب الأسلاف مع ما يترتب على ذلك من تمهيد لطريق المغامرة. ورسالة كهذه عادة ما تؤدي إلى  بربرية لأنها لا ترى ابعد مما تريد ولا تعترف بما لا يدخل في تصوراتها عن الوجود. أما تصوراتها فهراوة خشنة. إن أقصى ما يمكن بلوغه بالنسبة للامة هو أن تعي رسالتها لنفسها، وأن يتكون وعيها الذاتي ضمن معاييرها وتجاربها الخاصة. ذلك ما يجنبها فرض تصوراتها المحدودة على الآخرين كما لو أنها أحكام شاملة. إذ لا أحكام شاملة في تجارب الأمم، لأنها تجارب فردية سواء بالمعيار العالمي أو التاريخي. فإدراك "الرسالة" يفترض إدراك المبدأ المتسامي والعمل بموجبه. وهو علم  وعمل يجردان الأمم من أثنيتها وقوميتها لأنهما يضعانها على محك المساواة التامة أمام المبادئ العليا. بهذا المعنى نستطيع الكلام عن رسالة إسلامية أو نصرانية أو بوذية أو اشتراكية أو شيوعية وليس عن رسالة قومية لأي كان. فالرسالة القومية لا تتحدد بقيم متسامية بل بقيم قومية. وهي قيم لها فضيلتها في حالة الاعتدال العقلاني الموازي لقيم الأخلاق العقلانية. وحتى في هذه الحالة لا يمكنها أن تقدم تجاربها كنموذج أعلى. والرسالة القومية بحوافزها الإمبراطورية، ليست أكثر من صيغة أيديولوجية للتوسع والهيمنة. من هنا تعارض وخلل "الرسالة الروسية" و"موسكو - روما الثالثة". فالرسالة كما أشرت تفترض سيادة المبادئ المتسامية، بينما الروسية هي قومية لها فضائلها ورذائلها، حسناتها وسيئاتها، خيرها وشرها، انتصاراتها وهزائمها. فالنفس الروسية شأن نفوس الأمم الأخرى تعاني من تناقضات لا تحصى. فهي ليست مثالا لغير ذاتها. أما موازاة موسكو وروما فهو حلم الأشرار مع أن ما أريد به هو الخير. فروما هي مركز الإمبراطورية وقلبها النابض. ولا شيء مقدس في روما. وفي رمزيتها لا تتعدى كونها مثال القوة والبطش لا الحق والسمو. أنها نموذج الإمبراطورية، ولا إمبراطورية بلا خلل في النفس. فالسائد فيها هو النفس الغضبية (قوة الاستحواذ والسيطرة). لذا يمكن القول بان محاولة تغليف النفس الغضبية الروسية بمسحة الرسالة المقدسة ليست إلا الاستعادة الأيديولوجية للإمبراطوريات "المقدسة" القروسطية التي لا قداسة فيها لغير الاستكبار.

أما من الناحية التاريخية فقد تصدى بطرس الأول لروسيا المترامية الأطراف بمشاكلها العديدة وتاريخها العريق بقبضات فولاذية. وتعامل معها بقوة الحديد والنار، كمن أراد إعادة صهرها من جديد في بوتقة تصوراته عن المثال والواجب، اللذين تمثلا له آنذاك في أوربا. وسواء كان ذلك صدفة أم لا، فان تغيير التقويم الزمني لروسيا من 1 – 9 – 7208 من "خلق العالم" إلى 1-1-1700 من ميلاد المسيح يرمز أيضا إلى إدخاله روسيا في الزمن الأوربي ومواجهة الواقع الروسي بمقاييس الزمن الأوربي، أي انه رفع تحدي الذات إلى المستوى الذي يفرضه منطق المواجهة الفعلية مع العالم المحيط. لقد حاول بطرس الأول أن يضع روسيا التاريخية في الزمن الأوربي وأن يجبرها على أن تواجه الآخرين كأنداد لا أن يعزلها في وداعتها التقليدية الثقيلة. وجعل من الإصلاح الشامل أسلوبا لتوحيد زمنها التاريخي وزمنها الثقافي.

وعلى عكس أسلافه جعل من التوسع الأوربي (الغربي) مقدمة سياسته الداخلية والخارجية. وإذا كان من الصعب اعتبار الحرب أسلوبا للإصلاح، فأنها مع ذلك خدمت إصلاحات بطرس الأول من خلال تأمين الوجود المستقل لروسيا واستفحال قوتها الداخلية والخارجية. فقد أدت انتصاراته العسكرية على الجبهة الغربية (مع السويديين) والجنوبية(مع الأتراك العثمانيين وإمارات تركستان) إلى إخراج روسيا من تقوقعها الجغرافي، إذ فتح لها ثغورا بحرية في الشمال (البلطيق) وفي الجنوب (قزوين والبحر الأسود). وبالمعنى الثقافي حولها إلى أحد المراكز السياسية الكبرى في العالم آنذاك. وتضمنت هذه الانتصارات تناقضاتها الداخلية. فالثمار "الطبيعية" لتجمع القوة الروسية في مجرى قرنين من الزمن، بعد التوسع الكبير الذي أنجزه إيفان الرهيب واستكماله في عهد بطرس الأول، ترافقت أيضا مع نبتات "غير طبيعية" بالنسبة للتاريخ الثقافي الروسي. وذلك لأن التاريخ الثقافي يتضمن في ذاته أولا وقبل كل شيء تأمل الحصيلة المجردة للتاريخ السياسي وإعادة إنتاجه في الرؤية الفلسفية للتاريخ القومي والعالمي. وهو تأمل يجد انعكاسه في إبداع نظريات سياسية جمالية وأخلاقية تستمد عناصرها الأساسية من تعميم التجربة الذاتية للأمة. وهذا ما فقدته روسيا منذ أن ظهرت على مسرح التاريخ العالمي في القرن العاشر الميلادي، مما أدى إلى تفتق نزوعها العسكري وطموحها الهائل للسيطرة، كظاهرة تستمد جذورها من ضعف المعاناة الروسية لإبداع مثالها الثقافي المستقل ومن افتقاد نموذجها السياسي الأمثل.

فقد كان تاريخ روسيا السياسي الثقافي في معظمه، وبالأخص منذ البطرسية، هو تاريخ التقليد الأعمى للغرب. بهذا المعنى أتكلم عن افتقاد روسيا للمعاناة الذاتية وبالأخص في مرحلتها الحاضرة. وإلا  فمن المضحك المبكي أن تكون لحد الآن مهمة صنع نظرية أو فكرة قومية هي الشغل الشاغل، على الأقل كلاميا،  لكل من اليمين واليسار والوسط! ويمكن أيضا فهم سبب الفرح الطاغي وراء التقييم اللينيني للمجالس الشعبية (السوفيتات) باعتباره الإبداع الثوري الأكثر أصالة في تاريخ البدائل السياسية لروسيا. وهو تقييم دقيق وموضوعي أدرك قيمة الأصالة في الإبداع الروسي السياسي القومي والعالمي على السواء. فقد كان النموذج السوفيتي لبناء الدولة هو الأول من نوعه تاريخيا بوصفه البديل الديمقراطي (أو حكم الشعب لنفسه). من هنا فان الخطأ التاريخي للستالينية يتمثل في استعاضتها عن المجالس الشعبية بالحزب ومن ثم إفسادهما كليهما بشكل انتقلت عدواه في وقت لاحق إلى مقاهي الإبداع "الثوري" للمغامرين والحثالات الاجتماعية والهامشية السياسية التي ما أن وصلت إلى سدة الحكم حتى جعلت من المجالس الشعبية المصطنعة والمجالس الوطنية واللجان والجمعيات وغيرها آلة أو غطاء لتمرير "السياسة الثورية"، التي ما هي في الواقع سوى استظهار جديد للبواطن الخربة لتقاليد الاستبداد.

 إن المثال السياسي يتكون في مجرى الصراعات الإجتماعية، التي تؤدي بالضرورة إلى ظهور محاولات متنوعة لإدراك الذات (الاجتماعية والقومية). وتجلت نتائج هذه العملية في روسيا بعد المركزة السياسية (السلطوية) الشديدة التي قام بها ايفان الرهيب. وظهرت بوادرها الأولى في صيغة البحث عن نموذج أعلى للوطنية وعن رموزها الجامعة. وليس مصادفة أن تشكل الإصلاحات الدينية للأرثوذكسية الروسية "الشرقية" وكذلك الإصلاحات "الغربية" في عهد القيصر اليكسي ميخائيلوفيتش (والد بطرس الأول) صيغتها النموذجية الأولى.

فقد كانت هذه الإصلاحات بشقيها (الشرقي والغربي) تمثل الحالة الأولى لتحرك العقل والوجدان الروسيين في مساعيهما صوب الإجماع على ما هو ضروري في الرؤية السياسية والثقافية. فالإصلاحات الدينية التي ارتبطت تاريخيا بالشخصية الروحية الروسية الكبيرة (البطريرك نيكون) لم تتعد في مظاهرها توحيد النصوص المتعلقة بالعبادات والطقوس الكنائسية، مثل ترجمة بعض كلمات الأناشيد وعدد قطع  الخبيزات والنبيذ وترديد كلمة "هلوليا" (مرتين أم ثلاث مرات) وكيفية الالتفاف والدوران (حسب عقارب الساعة أو بالضد من الشمس) والتصليب (بإصبع أم بإصبعين) وما شابه ذلك. وإذا كانت هذه "الإصلاحات" سببا في إثارة صراعات دموية حادة،  فلأنها كانت تتضمن موضوعيا إمكانية توحيد الأمة الروسية في حركات لسانها وجسدها اللاهوتيين، أو توحيدها من خلال هذه الحركات. وكشفت في الوقت نفسه عن أثر وفاعلية الكنيسة في الحياة الاجتماعية والسياسية. لقد طرحت هذه الإصلاحات بصورة غير مباشرة إشكالية الديني والدنيوي أمام الكنيسة والدولة والمجتمع. وحاول كل منهما استغلال هذه الإصلاحات بما يتلاءم مع غاياته وأهدافه القريبة والبعيدة. فالكنيسة سعت إلى الحصول على قدر من الاستقلال عن السلطة الدنيوية، والإبقاء على قدر من تأثيرها في شئون الدولة والمجتمع، باعتبارها السلطة الروحية المعبرة عن المصالح العليا لروسيا. إلا أن هذه المحاولة باءت بفشل وجد انعكاسه "العقائدي" في مواقف المجمع الكنسي لعام 1666-1667، الذي اقر، فوقية السلطة الدنيوية على الكنيسة. رغم أن الكنيسة الروسية لم تكن في تاريخها كله معارضة أو متحدية للسلطة الدنيوية. فهي لم تعرف المعارضة ولا التقية السياسية ولا حتى التحدي المبطن (باستثناء بعض الحالات الفردية). وبهذا استغلت السلطة الروسية نجاح الكنيسة وفشلها لتعزيز مركزيتها وإعلانها سلطة تمثل الدين والدنيا، مما أعطاها إمكانية ابتلاع رموز الإصلاح الديني الروسي بالشكل الذي يخدم القوة السياسية لا القوة الثقافية للدولة. الأمر الذي ساهم لاحقا في بروز وترسخ الوهم الأيديولوجي عن "الرسالة الروسية المقدسة" في توحيد العالم النصراني (الارثودوكسي).

أما الاستثناء الوحيد لهذه القاعدة في التاريخ الروسي فقد لازم المرحلة السوفيتية التي أعلنت الدين أفيونا للشعوب وجاهدت من اجل تقويض أسسه وعقائده من خلال بناء الكيان الحكومي والاجتماعي على أسس خالية من تأثير الماضي وبناه التقليدية. إلا أن هذا الاستثناء ترافق مع قهر لا مبرر له. فالأيديولوجية  الشيوعية اعتبرت (وهو تصور سليم) بأن الإيمان (الديني) قضية شخصية، ومن ثم أعطت للمؤمنين حرية التصرف المقيّد، وذلك لأن المجتمع المدني التام هو مثال الفكرة الشيوعية. في حين تدخلت السلطة السوفيتية في شئون الدين الصغيرة والكبيرة، ومارست مختلف الأفعال المنافية لفكرة الانتماء الثقافي والروحي للأمم. فتاريخ الأمم ليس أحجارا يمكن رميها على قارعة الطريق لأنها قديمة. فالقيمة هنا لا تتحدد بالمنفعة المباشرة أو غير المباشرة، بل بمدى استيعاب تجارب الماضي وقيمه الروحية المتراكمة وذلك بهدف تحرير الإنسان من ثقل الماضي أيضا عبر استيعابه المتجدد وليس رميه في سلة المهملات.

ومع ذلك لم يجر تذليل هذا الوهم الأيديولوجي نظريا، أي التأسيس له فلسفيا وسياسيا. لقد تجزأ هذا الوهم في هواجس الوجدان والتهابات العاطفة السياسية المتقطعة مع كل نصر وهزيمة كما لو انه بقايا جروح على جسد الكيان الروسي. وساهمت هذه الالتهابات المتقطعة في مد الخيال التاريخي الروسي بإرهاصات متنوعة عن النموذج الأعلى "للسلافية" الروسية. حيث بدا هذا النموذج حينذاك كما لو انه الصيغة المثلى للإصلاح الروسي والمبدأ القادر على كبح جماح "العنصرية الأوربية". غير أن هذه التنظيرات اضطرت، بعد المحاولات العملية الأولى لتجسيدها، إلى أن تختار النموذج الأوربي نفسه (الألماني)! 

وبغض النظر عن أن المقارنة بين الأحداث القديمة والمعاصرة تأويل سقيم، لكنها قادرة على شحذ الرؤية النقدية بمعايير عملية بالنسبة لتقييم هذه الفكرة أو تلك ورؤية آفاقها. ومن الممكن أن نقارن الموقف من صربيا والجامعة السلافية في سلوك الدولة القيصرية والدولة الروسية المعاصرة. فالأحداث الحالية ولاسيما التدمير البربري لصربيا من جانب قوات حلف الأطلسي (والأمريكي منه بالأخص) وصعود موجة السلافية على مستوى السلطة التنفيذية والجماهير بمختلف أحزابها وقواها الاجتماعية يعيد نفس الظاهرة ويكررها بسخرية اشد. إن هذه الأحداث تكشف عن أن الوحدة المعقولة بمعايير الاثنية لا قيمة لها ما لم تؤسس بمعايير ثقافية سياسية لها مرجعياتها الحقيقة المتراكمة في مجرى المعاناة الفعلية للتاريخ والحداثة. لهذا استغلت السلطة التنفيذية الروسية آنذاك الزخم الجماهيري والعواطف الصادقة للروس من اجل توظيفها الدعائي. والقضية هنا ليست في ضعف روسيا آنذاك بقدر ما كان في ضعف إرادتها السياسية. فالبديل الواقعي "للرسالة الروسية" هو بناء ذاتها على أسس القومية الثقافية لا الادعاء الأيديولوجي أيا كان مضمونه. أما محاولات روسيا على مدار عقد من الزمن بعد انحلال الاتحاد السوفيت لدخول البيت الأوربي كشفت عن انه لا مكان لها فيه حتى عند عتبته. مع أن روسيا رغم كل ما فيهال من نواقص ليست اقل جمالا ورونقا من أوربا بأجمعها.

فالعناصر الأيديولوجية الأولية للسلافية ظهرت في عصر الإصلاحات الدينية التي أشرت إليها أعلاه. وساهم فيها كل من كريتشانيتش وكوتوشيخن. والمفارقة الأولية لهذه الظاهرة تقوم في أن كريتشانيتش الكرواتي الأصل والكاثوليكي المذهب، وجد في روسيا القوة الرادعة لألمانيا، وحالما اصطدم بالواقع الروسي اضطر إلى أن يعيد صياغة أفكاره بشكل يبرر لروسيا نفسها أن تتعلم من الألمان التحديث والعصرنة (من اجل تصنيعها وتقوية اقتصادها وازدهار علومها وآدابها)، وليس تقليد المظاهر. أما كوتوشيخن فقد كان بسيطا في آرائه، شديدا في انتقاداته لعادات الموسكوفيين وتقاليدهم. وإذا كانت خاتمة كريتشانيتش هي النفي إلى سيبيريا، فإن هجمات كوتوشيخن شيء لا قيمة له مقارنة بالنقد والامتعاض الذي قابل به الروس سلوك القياصرة الروس أنفسهم ابتداء من إيفان الرهيب وانتهاء ببطرس الأول. فقد جرى تصوير ايفان الرهيب في وقت لاحق على انه كان محبا للثقافة الأوربية، وكذلك الحال بالنسبة للقيصر بوريس غودونوف. بينما وجدت الجماهير الروسية في شخصية دميتري الدجال صديقا لللاتينيين (اللوثريين). في حين اعتبروا بطرس الأول تجسيدا كاملا  للنزعة الغربية الأوربية. فهو لم يكتف بإجبار الفئات العليا من الروس على العيش بالطريقة الأوربية (الألمانية والهولندية) في المأكل والملبس والمنام والمشرب والرقص، بل وطالبهم أيضا بإتقان ذلك والمثابرة عليه من المهد إلى اللحد. فبّدل كل ما طالته يداه من جيش وإدارة وصناعة وتجارة، ولكنه أبقى في نفس الوقت على نظام الحكم الفردي المطلق دون مساس. أما التطبيق الإرادي لإصلاحاته بالحديد والنار، فقد جعلها غير معقولة وغير مقبولة للأغلبية الساحقة من الشعب الروسي. إذ كانت في مظهرها خروجا عن التقاليد الوطنية للروس. وليس مصادفة أن يصف الجمهور الروسي بطرس الأول بالكافر واليهودي والزنديق والألماني ومصاص الدماء ومخرب البلاد والعباد وما شابه ذلك. فقد كان بطرس الأول عنيفا إزاء كل احتجاج إجتماعي، ولم يبق للمعارضين سوى الهروب إلى سيبيريا أو الصعلكة والالتحاق بفلول القوزاق.

هناك إجماع على الإقرار بمآثر بطرس الأول ودوره الكبير في تحديث وتطوير روسيا وترسيخ تقاليد المركزية الشديدة للسلطة والدولة فيها، مما أدى إلى صعوبة إخضاع السلطة والدولة نفسها لمنطق الفلسفة السياسية (العقلانية). فتاريخ الإصلاح البطرسي هو تاريخ الإصلاح الإرادي وتاريخ الإرادة الفردية، التي رسخت في الوعي واللاوعي الروسيين فكرة "القيصر – الأب" و"اليد القوية" باعتبارهما النماذج المثلى للحاكم والسلطة. إن إصلاحات بطرس الأول لم تستند إلى رؤية فلسفية تاريخية لها أسسها الخاصة في التراث القومي، أي لم  يستند إلى منظومة خاصة تستقي رؤيتها من حصيلة التجارب التاريخية لروسيا. من هنا سيادة الروح النفعي والعملي المباشر في الإصلاح،  مما أضاع البعد التراثي. ووجد ذلك انعكاسه غير المباشر في الوعي النظري التاريخي والسياسي والأدبي للقرنين الثامن عشر والتاسع عشر من خلال تعمق وترسخ الانشقاق الروحي في الوعي الاجتماعي بشكل عام والوعي السياسي الثقافي بشكل خاص. وهو ما نعثر عليه في استفحال العداء والمواجهة بين التيارات "الوطنية" و"الغربية" و"الآسيوية" و"الأوربية" وغيرها.

إن عدم اكتمال التأسيس النظري للبديل الثقافي السياسي ضمن نظام للرؤية الإصلاحية المستندة إلى مرجعياتها الخاصة أدى إلى تعمق الإشكالية الثقافية والسياسية في الوعي النظري والعملي الروسي في غضون القرون الثلاثة الأخيرة. فالإصلاحات القيصرية، بما فيها البطرسية هي "إصلاحات لا تاريخية". لأنها إصلاحات لم تستوح رؤيتها من وعيها الذاتي. أنها لم تقم على أساس أيديولوجية قومية لها بنيتها النظرية في فلسفة للتاريخ الذاتي. وهو السر القائم وراء الهوس التحديثي الغربي. فان صعود التيار الغربي هو نتاج لعجز القوة الداخلية (النظرية والروحية) عن استقطاب وتثوير الطاقات الروسية من اجل تشييد بناء حضاري مستقل، فتشكل ما يمكن دعوته بالقاع الرخو لوعي الذات الروسي.

فالإصلاحات القيصرية لم تستجب لمتطلبات البدائل المتصيرة في عصر الأمم والقوميات البرجوازية. والإصلاحات المتنوعة للقياصرة المتنوعين صنعت في أفضل الأحوال جسدا برجوازيا بروح عبودي (القنانة)، مما حدد بدوره أيضا صعود وهيجان الروح الثوري المعارض بدءا من الديسمبريين وانتهاء بالبلاشفة. (يتبع...)

****

ا. د. ميثم الجنابي

......................

1-  أما بالنسبة للعالم العربي، فإن تاريخه المعاصر هو تاريخ النشوء والارتقاء بعد غيبوبة القرون المظلمة للسيطرة التركية. وما "ثوراته" في الواقع سوى فورات النمو، ومن هنا انحرافها السريع عن الأهداف المعلنة بفعل تخلف قواه الاجتماعية والسياسية.  وهو السبب القائم وراء "خطورة" الثورة لا عدم جدوى الثورة بحد ذاتها. ومن ثم فإن الصيغة الأمثل بالنسبة للعالم العربي هي الإصلاح الدائم المستند إلى رؤية فلسفية تاريخية تستمد مقوماتها من  التاريخ العربي الإسلامي.

المثقف