ما بين زمنين- تجربة الحياة في براغ التشيكية في ظل النظامين الاشتراكي و الرأسمالي/ج3

زياد العاني

القسم الاول من هذا الجزء ربما خارج السياق بعض الشيء ولكن مفارقات الاحداث التي حصلت بخصوص الجواز و الإقامة تستوجب الشرح بعض الشيء لطرافتها. 
ذكرت في الجزء السابق أنني في صيف 1984مددت الاقامة مدة شهر آخر على جواز سفر منتهي الصلاحية و علي العودة الى ليبيا عن طريق زيوريخ والتي تتضمن البقاء ليلة فيها.

كنت قبل عودتي الى ليبيا في نهاية الصيف قد التقيت احد الإخوة العراقيين اظن اسمه الدكتور حامد كان أستاذا في جامعة الفاتح في طرابلس فعرفت انه سيسافر على نفس الطائرة الى زيورخ ومنها الى طرابلس. 
خرجت من مطار براغ بدون اي مشكلة، وكان علي قضاء ليلة في زيورخ ومن ثم السفر بعد ظهر اليوم التالي على طائرة الخطوط الليبية الى طرابلس. كانت لدي تأشيرة ترانزيت ٤٨ ساعة حصلت عليها من سفارة سويسرا في طرابلس قبل السفر عندما كان الجواز صالحا. قال لي ضابط الجوازات كيف ستدخل سويسرا بجواز منتهي الصلاحية ومن ثم تدخل ليبيا بهذا الجواز؟ فأوضحت له ان لدي تأشيرة عودة الى ليبيا نافذه الى منتصف شهر أيلول (للعلم تلك التأشيرة حصلت عليها عن طريق الخطأ بفضل الفوضى الخلاقة الليبية آنذاك اسميها دائما بالفوضى الشعبية الطيبة و التي غالبا ما خدمتنيي " في أمور أخرى " حيث كان جواز سفري ضمن ما يقرب من ١٠٠ جواز سفر ارسلت قبل العطلة دفعة واحدة عن طريق كليتناالى دائرة جوازات براك الشاطئ التي أقيم فيها ولم يتم الالتفات الى صلاحية الجواز.).

وافقوا في زيورخ على السماح لي بالبقاء ليلة واحدة ولكن بعد حجز الجواز لديهم وقاموا بحجز لي في فندق قريب من المطار وأعطوني ورقة سماح ووصل بالجواز على ان استرجع الجواز عند المغادرة. ذهبت الى الفندق وكنت قلقا من احتمال عدم امكانية الدخول الى ليبيا او على الأقل تعقيدها.

اتفقت مع الدكتور حامد في اليوم التالي قبل الصعود على الطائرة على سيناريو عند الدخول على الجوازات في طرابلس بحيث أبقى انا في نفس طابوره هو ولكن خلفه ببضعة افراد ومن ثم يعطيني اشارة لان أبقى في نفس الطابور او اذهب الى طابور آخر حسب تقديره لمدى تساهل او تدقيق الضابط. الضباط الليبيون معظمهم بسطاء ولايعبئوا بالبرتوكول وليس هناك حواجز بين الضابط و الشرطي ولا تسمع كلمة سيدي او اداء التحية ويمزحون احيانا مع المسافرين بكثرة. لم يستغرق إجراء معاملته اكثر من دقيقة كنت أراقبه ولاحظت ابتسامته فبقيت في الدور حسب الاشارة. فتحت الجواز على صفحة الخروج والعودة النافذة ووضعته أمام الضابط وبعد السلام اتبعتها بالتحية الليبية " شلون الصحة باهيو؟" ( باهي يقابلها بالعراقي ان شاء الله زين؟ولكن الليبين غالبا ما يستخدمون الواو بعد آخر كلمة في السؤال باللهجة العامية )ضحك الضابط وقال اهلا بالعراقيين شرفتوا البلاد وقال مازحا "و انا من كربلاء" قلت له " و العراق يتشرف بيك "فدمغ الجواز بدون النظر الى الصلاحية.

بعدها بدأت مرحلة الصراع من اجل تجديد الجواز الذي لم تجدده السفارة ولكن تمكنت من تمديد الإقامة لمدة سنة على الجواز القديم بفضل الفوضى الشعبية وقتها. وقصة الجوازات وتجديدها كانت الكابوس الذي عاشه معظم العراقيين في الخارج في ذلك الوقت وفيها من المفارقات ما يحتاج لسردها في كتاب وليس منشورا قصيرا كهذا. ولدينا عنها قصص من نوع الكوميديا السوداء. ومن اطرف تلك القصص ان احد الاصدقاء كان قد سافر الى دمشق بجواز سفر منتهي الصلاحية ومنع من الدخول و أرجع الى بنغازي على نفس الطيارة وعندما عرف الضابط الليبي في المطار بالسبب قال له " يا أخي غير تأريخ الانتهاء بأيدك و ارجع " وبعد يومين رجع ابو حيدر ودخل دمشق بجواز صلاحيته سنتين مدده بخط يده.

خلال الأشهر التالية وبعد اليأس من تجديد جوازي استخدمت طرقا اخرى معقدةللحصول على جواز من سفارة عراقية في بلد آخر من خلال معارف و موظفين شرفاء لم يأبهوا بتعليمات مسؤوليهم وغامروا بوظائفهم وأكثر من اجل عمل الخير الذي كان يريح ضمائرهم حيث تم تكليف صديق بالسفر الى ذلك البلد وجلب بضعة جوازات سفر لي ولآخرين من بنغازي من تلك السفارة.

تمكنت من السفر الى براغ في شهر آذار لإجراء المقابلة والاختبار وتم ترشيحي و في نهاية صيف ١٩٨٥ سافرت من دمشق على طائرة الخطوط السورية وكان يجلس بجانبي اضافة الى زوجتي، الشهيد ابو على مصطفى عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية و الذي تأخرت طيارتنا بسبب تعقيدات خاصة بخروجه ولدى الوصول لم تصل حقائبنا نحن الثلاثة ومعنا مسافرين اخرين، الا بعد يومين.
التحقت بالدورة التدريبية الاولى وكانت بداية الحياة المهنية هناك والعائلية ايضا حيث انني اقترنت بزوجتي في ذلك الصيف في دمشق و زوجتي كانت وقتها تدرس في براغ في سنتها الدراسية الاخيرة.

تمكنت بعد اسبوع من الحصول على شقة بغرفتين في الطابق الثاني لبيت سيدة لطيفة جدا اسمها "كرالوفا" تسكن مع ابنها المحامي " فلاديا" وكلبها "ريشانك" في حي يسكنه الكثير من الدبلوماسيين اسمه فوكوفيتسا في منطقة براغ ٦ ،و كان ايجار الشقة ١٠٠ دولار شهريا وخلال عطلة نهاية الأسبوع كانت السيدة كرالوفا و ابنها وكلبها يذهبون الى بيتهم الريفي" الخاتا" كعادة أغلبية التشيك في معظم ايام السنة باستثناء ايام هطول الثلوج، لذلك كنّا نشعر بالحرية و الاستمتاع بالحديقة الكبيرة في البيت بدون ان نزعج الكلب الذي كان يعوي كلما نزلنا او نسينا نزع الأحذية قبل الدخول(وهي عادة يتقيد بها التشيك وينظرون الى الأقدام لدى دخول اي زائر ) الى ان اعتاد ريتشانك على وجودنا.

كان يسكن قريبا من بيتنا بعض العراقيين من بينهم الدكتور كاظم حبيب و الصحفي حسين العامل و الدكتور عبد المجيد الراضي وكان جارنا القنصل الليبي و التركي وكنت غالبا أصادف العراقيين الثلاثة في محطة الترام وهم يعملون في مجلة قضايا السلم و الاشتراكية التي كانت تصدر من براغ في ذلك الوقت وكنا احيانا نلتقي مع بيت الدكتور الراضي حيث كانت تربطه صداقة عائلية قديمة مع بعض الاقارب.

ذهبت الى جامعة تشارلس في المدينة القديمة للتسجيل وتسلم الأوراق والجدول و ما الى ذلك. وجامعة تشارلس هي اقدم جامعة في وسط اوربا تأسست سنة ١٣٥٨م و هي احدى اكبر الجامعات في العالم ويبلغ عدد طلابها ما يقرب من خمسين ألف طالب وتحتل موقعا متقدما ضمن التصنيف العالمي للجامعات.. المبنى الكبير في الجامعة و الواقع في المدينة القديمة والتماثيل العديدة المنتصبة في أروقته و زخرفة المباني يشعرك و أنت تتنقل بين مبانيها و كأنك تعيش في أجواء القرون الوسطى.

وكان من ضمن ما استلمته من اللجنة بطاقة شهرية للتنقل بالمواصلات العامة باصات - ترام و مترو بسعر ٣٠ كرون شهريا- حاليا سعر البطاقة لليوم الواحد ٢٤ كرون. لا اعتقد ان هناك نظام مواصلات عامة متطور و دقيق في المواعيد مثل نظام مواصلات براغ ولا اذكر يوما واحدا تاخر فيه الترام او المترو او الباص، لذلك فان معظم أهالي براغ الذين لديهم سيارات يستخدمون سياراتهم في العطل الأسبوعية فقط. 

يتبع