كلمة الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني حنا غريب في الذكرى ال 94 لتأسيس الحزب 

حنا غريب :  أربعة وتسعون عاماً مضت على ولادة حزبنا في ذاك الاجتماع الذي حصل في بلدة الحدث يوم 24 تشرين الأول عام 1924. اليوم الذي اعلن فيه الرواد الأوائل - يوسف إبراهيم يزبك وفؤاد الشمالي والياس قشعمي وفريد طعمة وبطرس حشيمي - انشاء حزب الشعب اللبناني الذي اصبح في ما بعد الحزب الشيوعي اللبناني عام 1927. لينضم اليهم في ما بعد ارتين مادايان وسعد الدين مومنة ومصطفى العريس وغيرهم. لقد جاء هذا التأسيس على وهج انتصار ثورة اوكتوبر الاشتراكية العظمى التي طبعت القرن العشرين بطابعها الثوري والأممي، كما جاء تعبيرا عن نضج الحالة الثورية في لبنان ايضا، هذه الحالة التي امتدت جذورها التاريخية عميقا مع ثورة الفلاحين ، ثورة طانيوس شاهين ضد حكم الاقطاع والبكوات، ومع عاميات انطلياس ولحفد ومع الذين قاوموا السلطنة العثمانية وعلقوا على أعواد المشانق في ساحة الشهداء، تأسيس جاء استجابة لتلك الحالة الثورية في الدفاع عن شعبنا وكرامته الوطنية ومن اجل تحقيق استقلاله وتحرره الوطني والاجتماعي، على طريق بناء الاشتراكية بخصائصها اللبنانية .

وفي كشف حساب نقدمه في هذه اللحظة التاريخية التي يمر بها لبنان وامتنا العربية في ظل الهجمة الامبريالية الأميركية القديمة – الجديدة على المنطقة، نقول: مئة عام مرّت على وعد بلفور واتفاقية سايكس – بيكو ، قدّم فيها الحزب أربعة وتسعون عاما من النضال والمقاومة، فمنذ ولادته كان حزبا مقاوما، واستمر وسيبقى مقاوما عهدا ووفاء لهذه الذكرى العطرة ولهذا التاريخ المجيد المليء بالتضحيات .

منه كان الشهداء الأبرار الذين سقطوا في هذه المسيرة المضرجة بالدماء والقمع وتحت التعذيب والخطف والاغتيالات والملاحقات والاعتقالات داخل سجون أنظمة الاستبداد والغرف السوداء، منه فرج الله الحلو وجورج حاوي وحسين مروة ومهدي عامل واللائحة تطول مع قوافل الشهداء وعلى امتداد مساحة الوطن وفي كل المحطات النضالية في الثورة السورية ، وفي العمليات العسكرية ضد قوات حكومة فيشي والانتداب الفرنسي ومعارك الاستقلال والجلاء، وضد المشروع الصهيوني في فلسطين، وضد الاحلاف العسكرية عام 58 ، وفي قوات الأنصارمع الأحزاب الشيوعية العربية والحرس الشعبي وجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية "جمول “، وفي مواجهة مشاريع التقسيم والكانتونات ابان الحرب الاهلية ومع الحركة الوطنية اللبنانية بقيادة الشهيد كمال جنبلاط ودفاعا عن الثورة الفلسطينية ومن اجل عروبة لبنان وتطوره الديمقراطي، وفي التظاهرات والمعارك النقابية من اجل حقوق الطبقة العاملة في معمل الغندور وشركة الريجي ومزارعي التبغ في الجنوب والحركة الطلابية دفاعا عن الجامعة اللبنانية والتعليم الرسمي. ساروا جميعا نحو هذا هدفهم من اجل وطن حر وشعب سعيد ولا زالوا، ما كلّوا ولا ملّوا. فالف تحية الى هؤلاء الشهداء الأبرار والى هذا التاريخ المجيد.

وما كان هؤلاء الشهداء وحدهم في هذه المعارك، لقد كتبوا مع الأحزاب الوطنية ومع فصائل الثورة الفلسطينية ومع الجيش العربي السوري أنصع صفحة في تاريخ العرب يوم واجهوا الغزو الصهيوني عام 1982، حينها اطلقت جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية "جمول" وحرّرت بيروت من الاحتلال الاسرائيلي واستمرت عملية التحرير مقاومة وطنية لبنانية ومعها المقاومة الاسلامية فكان انجاز التحرير عام 2000 وبعده الانتصار الكبير على العدو الصهيوني في حرب تموز عام 2006. في العيد الرابع والتسعين نوجه اسمى تحية الى هؤلاء الشهداء الذين سقطوا في تصديهم للعدوان الصهيوني من المقاومة الوطنية الى المقاومة الاسلامية الى شهداء الأحزاب الوطنية، وشهداء الجيشين اللبناني والسوري الذين استبسلوا بالدفاع عن ارض لبنان ضد الغزو الصهيوني، كما يستبسل اليوم ابطال مسيرات العودة في غزة مقدمين الشهداء في مواجهتهم للعدو الصهيوني، فلهم منا تحية اجلال واكبار، لهم منا نداء الحرية للأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، والحرية أيضا الى المناضل جورج إبراهيم عبدالله المحتجز ظلما وعدوانا في السجون الفرنسية ،مطالبين السلطات اللبنانية بحمل قضيته ومطالبة الدولة الفرنسية بالأفراج عنه . وعلى امتداد تاريخ حزبنا، وقفنا ووقف شعب لبنان وقواه الوطنية والتقدمية، نصرة لنضالات الشعوب العربية وثوراتها في فلسطين ومصر والجزائر و كوبا وفيتنام ولاوس وجنوب افريقيا وعبّر حزبنا عن دعمه لكل الشعوب المكافحة في اميركا اللاتينية والشعوب الافريقية والآسيوية من اجل تحررها الوطني والاجتماعي.

أيها الرفاق انظروا من هذه الزاوية ترون في المرآة تاريخ حزبكم المشرف، ترون هذا الإرث الغني بالمآثر والبطولات، فالتاريخ لا يدخله الا الذين قدموا التضحيات. فحافظوا عليه ومن حقكم ان تتغنوا به، لكن الواجب يدعوكم للبناء عليه وتعزيزه في المستقبل، لاطلاق مقاومة عربية شاملة، هي موضوع حوار بيننا وبين قوى اليسار الفلسطيني خصوصا والعربي عموما، حوار لانتاج رؤية سياسية – برنامجية استراتيجية مشتركة، منفتحة على التنسيق والتعاون مع كل القوى المقاومة في حركة تحرر وطني واجتماعي تمارس كل اشكال النضال المتاحة حتى اسقاط المشروع الأميركي وادواته في الكيان الصهيوني والأنظمة الرجعية العربية، وبناء أنظمة ودول وطنية ديمقراطية، بعيدا كل البعد عن أنظمة القمع والاستبداد التي افقرت شعوبها وفشلت في تحقيق شعاراتها .

ان صفقة القرن هي الخطة التنفيذية للشرق الأوسط الجديد بعدوانيته قتلا وتدميرا وتشريدا وتقسيما لشعوبنا العربية والمنطقة من سوريا الى العراق واليمن والسودان والصومال وبدءا من فلسطين لتصفية قضيتها بفتح بوابة التطبيع، والتحالف مع العدو الصهيوني بالعلن بعد ان كانت في الخفاء وها هو سلطان قابوس يستقبل نتنياهو في زيارة العار غير المسبوقة لدولة عربية هي موضع شجب وإدانة ودعوة الى التحرك منذ اليوم ضد كل اشكال التطبيع مع هذا العدو الذي يعتدي يوميا على الشعب الفلسطيني ويعمل على إقامة دولة الفصل العنصري ( قانون القومية) بعد اعتبار القدس عاصمة للكيان الصهيوني، وفي محاولة أقفال وكالة غوث اللاجئين ( الأونروا)، وإعادة النظر بتعريف اللاجىء وان اللجوء لا يورث، لألغاء حق العودة وفرض التوطين وانهاء الصراع العربي – الإسرائيلي.

فمع استفحال أزمة الرأسمالية المعولمة واستمرار تمسك الولايات المتحدة الأميركية بزعامتها للعالم وعدم قدرتها على تمويل خططها العدوانية لحماية حلفائها، تغيّرت قواعد اللعبة مع ترامب حتى في علاقته مع الحلفاء، واصبح شعار "اميركا أولا" يعني العكس تماما اي "المال عليكم والحرب عليكم، وسوق السلاح علينا"، واذا تلكأتم فنحن جاهزون لرفع الحماية عنكم وفي عشرة أيام تسقطون. وهم ساقطون في الحالتين معا في ضوء ما يضمره المشروع الامبريالي في استنزافه المنطقة وتقسيمها، فلا يهمهم من المنطقة ككل بما فيها السعودية سوى ممارسة الضغوط وتهديدها وابتزازها لنهب ثروتها النفطية وبيعها الأسلحة كما يحصل الآن في موقفها من مقتل جمال الخاشقجي .

اما الشروط المطلوبة من لبنان فهي التخلي عن خيار المقاومة والالتحاق بركب الأنظمة الرجعية العربية والصلح مع إسرائيل وتوطين الفلسطينيين وربط عودة النازحين السوريين بالحل السياسي في سوريا تحت الضغط : من الخارج، عبر التهديد بالحرب الإسرائيلية التي تزداد احتمالات تنفيذها كلما ضمنت إسرائيل فرضية الانتصار فيها فهي غير قادرة على تحمل خسارة الحرب بعد الهزائم المتتالية التي لحقت بها؛ ومن الداخل - وهو ما تفضّله إسرائيل – العمل على فرض هذه الشروط بالسياسة بعد ان فشلت عن طريق الحرب، عبر تهيئة ظروف الاقتتال الأهلي في لبنان واخضاعه، مستخدمة آليات النظام السياسي الطائفي واستخدام الضغوط الاقتصادية والعقوبات وكل اشكال الحصار.

وبدل ان تعمل السلطة على مواجهة هذا الخطر، عمدت الى ملاقاته عند منتصف الطريق، فأقرت بالأجماع قانون انتخابي يكرس الفرز المذهبي والطائفي ويرسخ منحى قيام الدولة الفدرالية، في مناخ طغيان حدّة الخطاب الطائفي والمذهبي الذي يطلقه امراء الطوائف في وقت يقف البلد فيه على شفير انهيار اقتصادي، فهؤلاء لا يهمهم سوى الحفاظ على مصالحهم الطبقية وهم جاهزون في كل وقت لاستخدام سلاح الطائفية لطمس طبيعة الأزمة الوجودية والوطنية السياسية والاجتماعية الناتجة عن ازمة النظام الطائفي المولد للحروب والازمات، فهو الذي يؤمن لهم الحماية ويضمن مصالحهم من دون ان تكون لهم علاقة من قريب أو بعيد بالمصالح الحقيقية للمواطنين.

ليس لديهم ما يفعلونه للبنانيين سوى هذا التعطيل والفراغ ، أصلا لا مصلحة لهم في تقديم الحلول، ولا وسيلة لديهم لمواجهة هذه الأوضاع الا ما دأبوا على ممارسته من تقسيم اللبنانيين ومن تخويفهم بعضهم من بعض ليستمروا في نهبهم وضرب حقوقهم والنيل من معنوياتهم وبأن اللبنانيين عاجزون عن فعل أي شيء بدونهم. يمارسون اذلالهم يوميا بلقمة عيشهم وبفرصة العمل وبحبة الدواء وقسط المدرسة وفاتورة المستشفى وهي حقوق لهم كمواطنين لا منة لهم فيها ولا حسنة . يرمون النفايات في وجوههم ويمارسون قتلهم يوميا بالأمراض السرطانية، ويضعون يدهم على مليارات الليرات المخصصة للقروض السكنية للشباب والفئات الشعبية. نهبوا أملاك الدولة البحرية والنهرية والبرية ، رفعوا الفوائد وكدسوا الأرباح من سياساتهم النقدية والمالية . والنتيجة مئة مليار دولار دين عام اغلبيتها الساحقة ذهبت الى جيوب حيتان المال ، ويستعدون اليوم لاطلاق رزمة من الإجراءات والتدابير التقشفية المقررة في مؤتمر سيدر في مقدمها القاء عجز الكهرباء على المواطنين ورفع ضريبة القيمة المضافة، وتخفيض معاشات التقاعد والمنح والخدمات الصحية والاستشفائية مدعين بانهم يقومون بالإصلاح ، وهم فاسدون .

واجهوهم بمفهوم المقاومة الوطنية والعربية الشاملة للتحرير والتغيير، فاذا كان تحرير الأرض من المحتل مقاومة، فتحرير الانسان من الطائفية ومن الاستغلال والجهل والتخلف مقاومة، فتأمين لقمة العيش مقاومة، والكهرباء مقاومة ، والمياه مقاومة والحق بالسكن والتعليم والتغطية الصحية الشاملة والنقل والاتصالات والسلم المتحرك للأجور مقاومة ... وما لم تستكمل المقاومة تحرير الأرض بتحرير الانسان فهي ناقصة مجتزأة ومهددة فالانسان هو الاساس. وعلى المقاومة ان تقوم بالمهمتين معا، وما معارك الحزب ضد النظام السياسي الطائفي والمذهبي وسلطته الفاسدة وقانونها الانتخابي المذهبي، الا فعلا سياسيا مقاوما بامتياز ويصب في صلب مقاومة المشاريع الإمبريالية في المنطقة الساعية لتقسيم دولها وشعوبها طائفيا ومذهبيا، ولبنان ضمن هذه الخريطة لا خارجها. ,

واجهوهم ايضا: بقانون انتخابي نسبي خارج القيد الطائفي والدائرة الواحدة وقانون مدني للأحوال الشخصية وبقانون للأحزاب يلغي مقوماتها الطائفية وباللامركزية الإدارية، فتلك مقاومة ، واجهوهم باسترجاع أملاك الدولة البحرية والنهرية والبرية وباسترجاع أموال اللبنانيين المنهوبة التي تسمى ديونا وهي ليست سوى أموالا للبنانيين ، فتلك أيضا مقاومة، واجهوهم بفرض الضرائب المباشرة باتجاه تصاعدي على الأرباح والريوع العقارية والمصرفية وتلك أيضا مقاومة.

واجهوهم في مشروع سياسي بديل لوقف هذا المسار المأزوم والسير باتجاه مسار آخر، مسار إنقاذي للبنان يهدف الى بناء دولة وطنية، علمانية وديمقراطية تبني اقتصاداً وطنيا منتجاً يخلق فرص العمل للشباب،. فلسنا محكومين أن نبقى أسرى نظام سياسي واقتصادي هجَّر شبابنا وقضى على مستقبلهم، وولّد لنا الحروب والمآسي. ان مشهد التعطيل المتكرر شاهد على ازمة النظام ويشكل بحد ذاته ادانة سياسية لكل المتمسكين به على حساب الناس الذين يدفعون الثمن سواء تشكلت حكومة المحاصصة او لم تتشكل، فلطالما تشكلت حكومات على هذا الأساس وكانت النتيجة المزيد من الخراب والتدمير وزيادة الديون ؟

أيها الشيوعيون

كما لبيتم نداء حزبكم بحمل السلاح دفاعاً عن لبنان في وجه الاحتلال، أنتم اليوم مدعوون لحمله مرة أخرى ضد أي خطر أو عدوان صهيوني امبريالي يهدد سيادة لبنان وجنبا الى جنب مع كل المقاومين على اختلاف انتماءاتهم كما في كل مرة ودعما للجيش اللبناني. فإلى التحرك أيضا إلى جانب قضايا الناس وحقوقهم، ورفضاً لمؤتمرات الإفقار والاستدانة، وإلى استنهاض وتعبئة وتنظيم صفوف العمال والأجراء وكل المتضررين ،

اذهبوا الى الناس ناضلوا معهم ، لا عنهم ، كونوا منهم ولهم، كونوا القدوة والمثال والنموذج، فكل مسألة يعاني منها الناس مهما كانت صغيرة بنظركم ، فهي كبيرة بنظرهم، اهتموا بها وتابعوها ، والمناضل الذي لا يعالج المسائل الصغرى لا يعالج المسائل الكبرى، والشعارات تبقى حبرا على ورق اذا لم تتحول الى برامج ومهام يومية ملموسة تحملها منظماتنا الحزبية المطالبة ببناء أطر عمل شعبية واجتماعية محلية. فقوة الحزب من قوة منظماته وهيئاته النقابية وقطاعاته ، كل هذه المهام والنشاطات تحتاج الى قدرات مالية للقيام بها، وانتم تعلمون حجم الأزمة المالية الخانقة التي يمر بها الحزب، وعلاجها بين ايديكم، ابدأوا بمعالجة هذه المسألة الصغيرة، وباشروا بدفع اشتراكاتكم المالية بانتظام، عشرة آلاف ل.ل شهريا على الأقل من كل رفيقة ورفيق هو اقل الواجب في الالتزام الحزبي والمساهمة في حل الأزمة .

في ختام هذه الذكرى وعشية بدء التحضير لانعقاد المؤتمر الثاني عشر قبيل نهاية شهر أيار القادم، نعلن لكل المناضلين الشيوعيين المنظمين في صفوف الحزب وخارجه، ولليسار والرأي العام عموماً، عزمنا العمل لبلورة مشروع الحزب أكثر فأكثر في الفكر والسياسة والتنظيم، تعزيزا لوحدته ولإعادة بنائه حزباً سياسياً فاعلاً ومتجدداً يتسع للجميع، وعلى قاعدة التمسك بتجربته الديمقراطية وتقييمها دوماً وعلى قاعدة المحاسبة.

عاشت الذكرى الرابعة والتسعين لتأسيس الحزب الشيوعي اللبناني ، والمجد والخلود للشهداء الأبرار.